الهجرة الرابعة والاستهلاك المضاد / د.يحيى محمد ركاج

 

د.يحيى محمد ركاج * ( سورية ) الخميس 10/9/2015 م …

* باحث في السياسة والاقتصاد

ترتفع بيارق الحداد في كل بلاد العالم آلماً زائفاً على مصير الألاف من الأطفال والرجال والنساء الذين لقوا حتفهم في طريق الموت هرباً من حروب الموت. كما ترتفع في الوقت نفسه نداءات جديدة لاستقبال شرعي ورسمي للألاف من الهاربين من حروب الموت والمختارين بدقة لا متناهية ليتم استهلاكهم مستقبلاً في بلاد ماقبل الموت.

المهاجرون، النازحون، الهاربون، المهجرون، الإرهابيون، القتلة، المشردون، الأبرياء، كلها عبارات أطلقتها الصحف العالمية ومواقع التواصل المرتبطة بها ليبلغ صداها عنان السماء حول وصف السوريين الذي اختاروا أوروبا ملجأً ومقصداً لهم بدواعٍ مختلفة.

فأوروبا العجوز الرحيمة أو الكاذبة الوقحة تفتح ذراعيها مرغمة لاستقبال هؤلاء الحفنات من المجموعات التي تصل إليها بطرق غير مشروعة، وهي لا ترغب باستقبالهم ولم ترغب باستقبالهم في الفترات السابقة، لكنها الآن مجبرة بدواعٍ إنسانية وبصفة اللجوء الإنساني بعد أن تم عرض الصور الوحشية لاستغلال هؤلاء البشر من قبل المهربين وتجار البشر.

 فمئات الألوف من البشر التي اجتازت أوروبا وكتبت عنها كل الصحف العالمية وصحف الدول التي استقبلتهم لم تكن كافية لأن تلفت انتباه الحكومات الأوروبية المتورطة أصلاً في الحروب التي تهجر المواطنين من بلدانهم، والمتورطة أيضاً في حماية المتاجرين والمهربين لهم. لكن صورة واحدة لطفل غريق بمناظر ومظاهر مختلفة كان العنصر الفاصل والحاسم في قراراتهم وصحوتهم الرحيمة، ولعل حل هذا اللغز بالنسبة لنا يتمحور في اعتبارات عدة أهمها:

         أصبح بإمكان الدول الأوروبية وضع سياسات ومعايير جديدة للاستقطاب الرسمي للوافدين إليها تضمن الحفاظ على وجودها لفترات طويلة باختيار الملائمين لسياساتها السكانية القادمة، المناسبين لنهجها السياسي القائم على دعم الصهيونية بتكاليف أقل مما كان متوقعاً نظراً لارتفاع مهارات السوريين الوافدين إليها، وانخفاض تكاليف تأهيلهم ودمجهم في المجتمعات الجديدة، وانخفاض تكاليف معيشتهم مقارنة بالأوروبيين في تلك البلاد. خاصة بعد الانتظار أكثر من أربع سنوات من الهجرات غير الشرعية أو الهروب للشباب السوري وصولاً للمقاصد الآمنة في أوروبا والتي تمكنت من خلالهم أن تسد الفجوة الديموغرافية التي كانت تهدد تطورها ووجودها في كثير من الأحيان .

         إن حاجة الدول الأوروبية لسد الفجوات الديموغرافية لديها كان يفوق حاجتها للاستدامة في المظاهر الحضارية التي تقوم عليها أركانها، لكنها الأن تستطيع إعادة ضوابط المظاهر الحضارية عبر عصا الإرهاب والإرهابيين الذي تسللوا إليها كما تروج وسائل إعلامها. إن الحرب الظالمة على سورية قد انحسمت بالنصر السوري من الناحية السياسية، وما الإعلان الاوروبي والذي اتبعه إعلان عدد من دول العالم عن الاستقبال الرسمي للمهاجرين السوريين إلا محاولة لإطالة الأمد العسكري لهذه الحرب وصولاً لتحقيق بعض المقاصد السياسية والاقتصادية والتي لم يتمكن الحلف المعتدي على سورية من تحقيقها خلال السنوات الماضية .

         تدرك الحكومات الأوروبية أن موجهات الهجرة الجماعية السابقة الثلاثة للسوريين إلى بلدان الإغتراب قد أعقبه قفزات في معدلات النمو في اقتصاديات البلدان المستقبلة للسوريين، وقد كانت حالة البلدان المستقبلة أفضل بكثير من النواحي الديموغرافية والاقتصادية عما هي عليه الآن، وأنّ ارتباط السوريين المهاجرين إليها في السابق ببلادهم كان أكبر، أي أن احتمال عودتهم لبلادهم في فترات زمنية قصيرة كان أكبر مما هو عليه الآن.

 إن الحرب على سورية ليست حرباً عسكرية فقط وليست من الحروب والصراعات التي عرفتها البشرية في الفترات الماضية، فهي حرباً من نوع جديد تستخدم لغة جديدة وأساليب متجددة تقوم على تكامل الجغرافيا مع الديموغرافيا، وتستخدم أدوات الحرب الباردة والحروب الذكية والإرهاب الممنهج عن طريق العسكرة والدم، وما التجديد المستمر لأدواتها وابتكاراتها في سفك دماء الشعب السوري إلا لأن هذا الشعب قد كسر عنفوانها وأركان نهضتها، فكان كبرياؤه أقوى من حضارتها وصموده الصامت أقوى من لغاتها المتجددة وأموالها وقدراتها الحديثة. وما عمليات التهجير إلا نوعاً متجدداً من هذه الأدوات التي يمكن استخدامه بأكثر من طريقة وأكثر من اتجاه متناقض ،أعتقد أنّ أبرزها حدوث عمليات إرهابية مدبرة في تلك البلدان تبرر لحكوماتها وضع قيود وشروط صارمة على كرامة المهاجرين إليها لتقضي على شيء لم تتمكن جحافل إرهابها المعسكرة من القضاء عليه.

عشتم وعاشت سورية عاصمة الكرامة والشرف في العالم

قد يعجبك ايضا