الضغط الاقتصادي الأمريكي على محور المقاومة يتصاعد فهل الرد بتدفيع «إسرائيل» ثمناً أم «ندماً»؟ / د. عصام نعمان

د. عصام نعمان* ( لبنان ) – الأحد 28/6/2020 م …

* وزير لبناني سابق …

تضرب الولايات المتحدة حصاراً وعقوبات اقتصادية على سوريا، منذ أكثر من عشرين عاماً. ارتفعت بها ذروةً جديدةً منتصفَ الشهر الجاري، بمباشرتها تنفيذ «قانون قيصر» الذي لا تقتصر عقوباته عليها، بل تمتدّ إلى كل من يتعاون ويتعامل معها من دول وكيانات وأفراد.
سوريا اعتادت التصدي للعقوبات الأمريكية والتخفيف من وطأتها. اعتمدت خطة للاكتفاء الذاتي، محورها تنمية الإنتاج الزراعي والصناعي. إلى ذلك، بادر حلفاؤها، ولاسيما إيران، إلى دعمها بخطوط ائتمان مصرفية، ساعدتها على توفير مقادير من العملات الصعبة، لتأمين مستورداتها من الخارج.
لبنان الغارق في حروب أهلية، واضطرابات سياسية وأمنية، منذ اكثر من ثلاثين سنة، لم يتمكّن من مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية المتزايدة خلال هذه الحقبة، ما اضطره إلى اللجوء لصندوق النقد الدولي، بغية الحصول على دعم مالي وفير. إدارة ترامب صعّدت ضغوطها على لبنان. هددت مراراً بلسان وزير الخارجية مايك بومبيو ومساعده ديفيد شينكر وسفيرته في بيروت دوروثي شيا، بأن لا سبيل إلى حصوله على دعم من صندوق النقد الدولي، ما لم يُقصِ حزب الله عن حكومته، ويسحب سلاح المقاومة التي تعتبرها واشنطن تنظيماً إرهابياً، بل هي ضغطت على فرنسا لتعطيل محاولتها مساعدة لبنان بتهديد استثماراتها، رافعةً شعاراً فاجراً: «لا نفط وأموال للبنان في عهد ميشال عون وطالما حزب الله في الحكومة».
لبنان يتخبط حالياً في أزمة اقتصادية خانقة، وفي منازعات ومماحكات زعماء أحزابه وطوائفه، التي لا تنتهي. نُسب إلى وزير داخليته محمد فهمي توافر معلومات حول قيام دوائر استخبارية أجنبية، بتمويل وتسليح جماعات وأفراد لإشعال اضطرابات أمنية بغية شلّ البلاد. وعليه، جرى توقيف 40 شخصاً بتهمة المشاركة في أعمال تخريب وقطع طرقات. إذا كان مرتكز الضغط الأمريكي على سوريا ولبنان اقتصادياُ بالدرجة الأولى، فإن مرتكزه في العراق يبدو أمنياً، فقد داهمت قوة عسكرية تابعة لـ»جهاز مكافحة الإرهاب» مقراً لفصيل «كتائب حزب الله» المنخرط في محور المقاومة، واعتقلت بعض اعضائه. امين عام «عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي، اتهم رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بإثارة «فوضى عارمة»، وأن الأمريكيين هم وراء اتهام فصائل الحشد الشعبي بقصف مقار السفارات في المنطقة الخضراء، لتبرير اعتقال كوادرها. كل ما جرى ويجري في هذه الآونة لا يمكن فصله عمّا يجري في فلسطين المحتلة، ولاسيما ما يتعلق بتهديدات بنيامين نتنياهو بضم أجزاء من الضفة الغربية إلى «إسرائيل». غير أن قناة التلفزيون الإسرائيلية «كان» نسبت إلى وزير الخارجية غابي أشكنازي أن «إسرائيل» لن تُقدِم على ضمّ منطقة غور الاردن، بل ستقوم بعملية ضمّ تدريجي بدءاً بفرض سيادتها على عدة مستوطنات قريبة من القدس.
إذ يعتقد مراقبون في عمان ورام الله أن العاهل الأردني، وإن بدا محرجاً لاحتمال قيام نتنياهو بضم غور الاردن، وربما غيره من مناطق الضفة، إلاّ أن ردة فعله لن تتعدى سحب السفير الأردني من تل أبيب لبعض الوقت.

لبنان يتخبط حالياً في أزمة اقتصادية خانقة، وفي منازعات ومماحكات زعماء أحزابه وطوائفه، التي لا تنتهي

المشهد في غزة يبدو مغايراً، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» صالح العاروري قال في مؤتمر شعبي كبير: «إذا اقتضى الأمر نموت في سبيل حرية وحياة شعبنا ولا نتردد، فما قيمة الحياة إذا يُراد لك أن تعيش عبداً، وهذا ما يريده الاحتلال». ناطق باسم كتائب القسام هدّد بردٍ قاسٍ يجعل «إسرائيل تندم على فعلتها».
في ضوء تصعيد الضغط الاقتصادي الأمريكي، وتهديدات نتنياهو بضم أجزاء من الضفة الغربية، كيف تراه يكون الردّ؟ فلسطينياً فحسب؟ أم موسعا بمشاركةٍ لبنانية وسورية؟ أم يكون سياسياُ فاتراً كما اعتاد قادة العرب، غالباً، في مرحلة ما بعد جمال عبد الناصر؟ أم يكون عسكرياً محدوداً؟ كثير من المراقبين يميل إلى الاعتقاد بأن إدارة ترامب من جهة، وقادة وأجهزة الأمن الإسرائيلية من جهة أخرى، سيضغطون على نتنياهو ليكتفي بضمّ عددٍ محدود من المستوطنات القريبة من القدس، مؤمّلين بأن يؤدي ذلك إلى تنفيس ردود الفعل الفلسطينية والعربية. بعض المراقبين يرى أن ضمّ ايّ جزء من الضفة الغربية في هذه الآونة، سيشجع حكومة الاحتلال اليمينية على ضم المزيد من الأراضي المحتلة، كما يعزز عزيمة إدارة ترامب على التمادي في تصعيد حصارها وعقوباتها الاقتصادية على سوريا ولبنان، ومحاولة النيل من قوى المقاومة فيهما.
لنفترض أن أهل القرار في سوريا ولبنان وقطاع غزة والضفة الغربية، اعتمدوا الرأي الداعي إلى عدم التهاون والردّ بقوة على العدو الصهيوأمريكي، فكيف تراه يكون حجم الردّ وزمانه ومكانه؟
قبل الجواب، ثمة سؤال يُطرح، بادئ الأمر، على حركة «حماس» التي قال ناطق باسم جناحها العسكري، إن الردّ سيحمل «إسرائيل» على الندم، فهل أن رد فصائل المقاومة سيكون بعيار متوسط، مثلاً، بقصد إكراه «إسرائيل» على الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين لديها، لجعلها تندم على فعلتها العدوانية؟ أم أن فصائل المقاومة ستغتنم قلق «إسرائيل» الواضح من ميل كفة ميزان القوة الرادعة لصالح أطراف محور المقاومة، ولاسيما حزب الله في لبنان، فتُقدم وفق خطة مشتركة ومتكاملة على توجيه ضربة قوية لها، تضطرها على دفع ثمن وازن كرفع الحصار عن قطاع غزة، ناهيك عن إطلاق الأسرى جميعاً؟
ثمة سؤال آخر يُطرح على قادة المقاومة السياسية والعسكرية في لبنان، كما على أهل القرار في سوريا: هل تظلّون مكتوفي الأيدي، بينما تصعّد إدارة ترامب حصارها وعقوباتها الاقتصادية على بلديكما، وتستأنف تمويل وتسليح تنظيمي «النصرة» و»داعش» لمضاعفة نشاطهما الارهابي في سوريا، وتفعل الأمر نفسه مع جماعات وأفراد في لبنان، لافتعال فوضى عارمة تشل البلد برمته؟
ثمة فريقٌ بين المراقبين في بيروت ودمشق، يدعو قيادة المقاومة اللبنانية، كما أهل القرار في سوريا، إلى اغتنام فرصة شيوع مناخ عام من القلق والخوف في «إسرائيل» (مردّه وجود قناعة راسخة بين القادة الأمنيين، وحتى لدى وزير الأمن السابق أفيغدور ليبرمان بأن لدى حزب الله نحو 150 ألف صاروخ، ذات قدرة تصويب دقيقة، وأن ميزان قوة الردع مال نحوه بالتأكيد) لتوجيه ضربة قوية لـ»اسرائيل»، استباقاً لقيامها باعتداءات تمسّ الأمن القومي للبنان وسوريا، كما لفصائل المقاومة الفلسطينية، وأن من شأن هذه الضربة الاستباقية القضاء على «صفقة القرن»، كما على ايّ تهديد استراتيجي اسرائيلي في قابل الأيام. لنفترض أن خيار الضربة الاستباقية الرادعة أصبح خياراً مقبولاً لدى قادة المقاومة في لبنان وسوريا وفلسطين المحتلة، فأين تراه يكون هدف الضربة ومتى يكون توقيتها؟ من المعروف أن «إسرائيل» تقوم باعتداءات شبه يومية في عمق الأقطار الثلاثة: اختراقات جوية في سماء لبنان، واستخدامها منصة لضرب مواقع ومنشآت مدنية وعسكرية في سوريا، ومحاولات متكررة لتعديل ترسيم خط وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، وترسيخ الحصار على قطاع غزة، وضرب مواقع داخل المناطق الآهلة فيه.
يمكن اختيار هدف الضربة الاستباقية في خاصرة «إسرائيل» الرخوة: الجبهة الداخلية، ولاسيما في «غوش دان» (المنطقة الساحلية الضيقة بين حيفا ويافا) حيث تكتظ مرافق الصناعة والنقل ومعامل الكهرباء والمصانع الحربية والسكان) أو في البحر، حيث تقوم منشآت استخراج النفط وتصديره.
الأرجح أن تكون الضربة الاستباقية قوية ومحدودة، تفادياً لقيام «إسرائيل» بتوسيع رقعة الحرب. الأرجح أيضاً أنها لن تنزلق إلى توسيع رقعة الحرب، لأن الأضرار التي ستلحق بها ستكون أكبر بكثير من الأضرار الممكن أن تلحق بسوريا، المدمّرة مرافقها أصلاً بفعل الحرب الكونية، التي شُنت عليها طيلة السنوات التسع الماضية، أو الأضرار التي يمكن أن تلحق بلبنان.
خيار الضربة الاستباقية ليس سهلاً بطبيعة الحال، لكن قادة المقاومة وأهل القرار في لبنان وسوريا وفلسطين المحتلة، مدعوون إلى التفكير فيه بعمق وتؤدة، خصوصاً إذا ما أدركوا أن قادة «إسرائيل» قد يلجأون قبلهم إلى ضربة استباقية ظنّاً منهم، أن حرباً يخوضونها اليوم وانتصارهم فيها محتمل قد يضطرون إلى خوضها غداً وهزيمتهم فيها مؤكدة.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *