عندما تصبح السياسة ديناً / د. عدنان عويّد

د. عدنان عويّد* ( سورية ) – الخميس 26/3/2020 م …




  • أكاديمي – كاتب وباحث

     يقول فيورباخ: (علينا أن نصبح متدينين مرة أخرى, يجب أن تصبح السياسة ديننا, لكنها لن تكون كذلك مالم يكن لنا كائن أسمى يجعل السياسة ديناً في نظرنا. ).(1).

وفيورباخ يقصد بالكائن هنا, الإنسان ذاته, الذي أوجد الدين مع بداية تطور وجوده الاجتماعي ووعيه المرافق لهذا الوجود. وهنا يلتقي مع هيجل في هذه الفكرة, مع أن هيجل يعتبر هذا الكائن هو الدولة. (2). وهيجل برأيي محق هنا, أو هو أكثر تحديداً بالنسبة لهذا الكائن عندما كثفه أو ركزه في الدولة.  

     تعتبر أطروحة فيورباخ هذه, أي إحلال السياسة بدل الدين, مشروعاً فكرياً يرمي إلى إحلال الفلسفة (الفكر الوضعي) محل الدين. فعندما يحل الإنسان المؤمن بذاته, بعقله وإرادته, وأنه سيد مصيره, محل الإنسان المتدين الذي استسلم لقدره ولقوى أخرى خارج محيطه المادي والروحي, يجب أن تحل شراكة العمل والمصالح هنا محل شراكة الصلاة.

     إن الدين بالمعنى المألوف ليس رابطة تشد الدولة بناءً على تعدد مكوناتها الدينية والعرقية, بقدر ما هو عامل انحلال لهذه الدولة وتفتت وصراع بين مكوناتها. فإذا كان الله هو السيد الذي اعتمد الإنسان عليه وأقلع من الاعتماد على نفسه وعلى غيره من بني جنسه, أي (تمسكه بعقلية الجبر), والخضوع المطلق للقوانين التي تتحكم بسير الطبيعة والمجتمع على أنها من خارج التاريخ, فإن الناس عندما يكوّنون دولة لهم فإنهم يُضعفون مسألة الاعتماد كلياً على الله, على اعتبار أن الله ليس هو من يبني الدولة, وإنما الإنسان هو من يبنيها ويشكل مؤسساتها ويضع قوانين آلية عملها في إدارة حياة الناس وتامين مصالحهم. لذلك فإن الإيمان بالإنسان كـ (إله) هنا, هو الذي يُفسر أصل الدول, والتشريع لها وإنشاء مؤسساتها وتسيير آلية عملها.

     إن الدولة إذن, هي الإنسان في صيغته الاجتماعيةً, أي هي الدولة التي تبني تصرفاتها مع ذاتها, أي مع الإنسان المطلق (الإله) الذي يصير في وقت واحد الواقع الذي يدحض عملياً  الإيمان الديني القائم على الطريقة الامتثالية الوثوقية الاستسلامية لقوى من خارج الواقع, ولكن هذا الإنسان المطلق في صيغته الاجتماعية المشكلة مكونات الدولة, يبدأ في الوقت نفسه يعمل شيئاً فشيئاً على إعادة إنتاج هذه الإيمانية المطلقة الوثوقية والاستسلامية للإنسان أمام الدولة ومن يمثلها, وخاصة الدولة في صيغتها الاستبدادية الشمولي مطلقة السلطات, التي جسدها لويس السادس عشر على سبيل المثال لاالحصر بمقولته الشهيرة : (أنا الدولة والدولة أنا). فالإنسان أمام السلطة المطلقة تنتفي إرادته وحرية تفكيره وقدرته على تسير مصالحه من خلال الدولة التي فقد زمام السيطرة عليها فأصبحت بالنسبة له قدره الدي يحدد له مصيره كما هو الحال في الدين. هما تتمركز الدولة في فرد هو الزعيم أو الرئيس, كما يتمركز الدين في فرد, هو الله.

     من هنا تأتي العلماني لتكون هي الرابطة التي تشد مكونات الدولة في صيغتها الاجتماعية, مع بعضهم, أي تشد المكونات الاجتماعية للدولة وتقذفهم إلى عالم أو ميدان  السياسة, لتشكل منهم كتلة اجتماعية تحكمها المواطنة ودولة القانون والمؤسسات وتعددية المشاركة في قيادة الدولة.

     إن أهداف ومقاصد الدين في المحصلة, هي غير مقاصد وأهداف السياسة.

     فأهداف ومقاصد الدين تقوم على تربية المواطن الذي ولد على الفطرة نقياً غير ملوث بمفاسد الواقع الاجتماعي, إلا إن هذا الواقع راح الإنسان نفسه من خلال أنانيته وظلمه واستغلاله يعمل على تلويثه وإفساده شيئاً فشيئاً مبعداً إياه عن حالته الفطرية النقية. لذلك لا بد من تنقيته – أي الواقع – روحياً وأخلاقياً من جديد, ولكن هذه المرة وفقاً للخطاب الديني الذي يؤمن به أصحاب هذا المشروع  التنقوي, والذي غالباً ما تحدد طبيعته الحوامل الاجتماعية للدولة القائمة في مرحلة تاريخية محددة وفقاً لمصالحها, الطائفة أو المذهب, أو الأيديولوجية المرتبطة بالحزب الحاكم إن وجد.

     أما أهداف السياسة الحقيقية للدولة وفقاً للرؤية العلمانية ومقاصدها, فهي ترمي إلى تربية الإنسان على روح المواطنة , أي كمواطن دولة لها أنظمتها وقوانينها ومؤسساتها التي تعمل على نشروتجذير محبة الوطن وعدم التفريق أو التمييز بين أبناء الوطن من ذكر وأنثى, أو التمييز في اللون أو الدين أو الطائفة أو المذهب, مثلما هي قائمة على نشر العدالة والمساواة والحرية واحترام الرأي والرأي الاخر وضرورة مشاركة الجميع في إدارة شؤون الدولة والمجتمع, أي ضرورة الايمان بالتعددية السياسية وتداول السلطة.

 بشكل عام إن المراد من التربية المدنية هذه, هو معرفة الإنسان للصح والخطأ الذي تحدده مصالح الناس في حالات تطورها وتبدلها, وليس على طريقة القيم الثابتة والمعيارية كما هو الحال في الدين والدولة الشمولية,  وهي قيم لا تقبل التعديل او المراجعة أو النقد.

ملاك القول: إن السياسة تتحول إلى دين في الدولة الشمولية الاستبدادية فقط, فأيديولوجيا الدولة الشمولية تتحول إلى عقيدة لا يأتيها الباطل لا من بين يديها ولا من تحتها. فكل خروج عنها هو انحراف, وكل انحراف هو خيانة, وكل خيانة نهايتها السجن أو النفي أو الإعدام. أما العبادة فتتجول هنا من عبادة الله إلى عبادة الفرد.

كاتب وباحث من سورية.

[email protected]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  (1) – كارل لوفيت – من هيجل إلى نتشه – تعريب ميشيل كيلو – ج! – منشورات وزارة الثقافة السورية – دمشق 1989 – ص102

  (2) – المرجع نفسه – ص102

  

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *