تحليل سياسي هام … التونسيون يقلبون الطاولة على “النهضة” والطبقة السياسيية

الأردن العربي – الثلاثاء 17/9/2019 م …




النتائج الأولية، التي أعلنتها أبرز شركات سبر الآراء بخصوص الانتخابات الرئاسية، التونسيين والمراقبين للمشهد السياسي؛ حيث أشارت إلى تقدم كل من قيس سعيد الذي يتصدر النتائج بفارق مريح عن صاحب الترتيب الثاني نبيل القروي القابع في السجن على خلفية قضايا تبييض أموال وتهرب ضريبي.

وتشير الإحصائيات، التي قدمتها “سيغما كونساي”، إلى حصول قيس سعيد على نسبة 19.5 بالمائة من الأصوات مقابل 15.5 لمنافسه نبيل القروي، في حين حلّ مرشح النهضة عبد الفتاح مورو ثالثاً بنسبة 11 في المائة. وتقدّم “إمرود كونسالتينغ” نتائج قريبة أيضاً تثبت تقدم قيس سعيد بنسبة 18.95 في المائة، ونبيل القروي بـ15.26 بالمائة، في حين حلّ عبد الفتاح مورو ثالثاً بـ12.59 في المائة.

** سقوط حركة النهضة

حلّ مرشح النهضة عبد الفتاح مورو ثالثاً بنسبة 11 في المائة

نتائج الانتخابات، حسب التقديرات، لم تكن مفاجئة بتصدر سعيد والقروي للسباق الرئاسي فحسب؛ بل إنها حسب ملاحظين أثبتت أنّ حركة النهضة لم تعد بوزنها الذي ظهرت به في أول انتخابات في 2011، وأخذت في سقوط حر تواصل في 2014 وبلغ مداه في خسارتها سباق الرئاسة وخسارتها المدوية في 2019 بخروجها المبكر من الدور الأول.

وقال المحامي بالمعهد الأعلى للمحاماة والباحث في القانون وليد العرفاوي إنّ تراجع حركة النهضة بهذا الشكل عائد إلى عدة أسباب أهمها: “تشتت قواعدها بين عدة مرشحين؛ إذ لا ننسى أنّ البعض من أنصار النهضة صوتوا للأستاذ حمادي الجبالي وبعضهم الآخر ذهب في اتجاه التصويت لسيف الدين مخلوف”.

وقدّر العرفاوي، في تصريح لـ “حفريات” أنّ “اختيار حركة النهضة لمرشحها الأستاذ عبد الفتاح مورو لم يكن في الوقت المناسب حسب تقديري؛ إذ إنّ الأخير صرح قبل ترشيحه بمدة أنه لن يترشح وحالته الصحية لا تسمح بذلك، وإذا بالحركة بعد مدة تعلن ترشيحه، مما جعل البعض يعتبره متلوناً لا يثبت على موقف واحد وهذا ما قلّص من رصيده الشعبي”.

كما يرى العرفاوي أنّ هناك سبباً يعود للمشهد السياسي العام فـ “منافسو مرشح حركة النهضة وخاصة قيس سعيد والقروي راهنوا على عامل فشل الحركة في إدارة الشأن العام، وكان خطابهم، نوعاً ما، ينتقد فترات الحكم السابقة مما أثر على حظوظ مورو”.

من جهته، أكد الباحث الدكتور شهاب اليحياوي أنّ “هذه النتيجة ترضي النهضة كثيراً في السر وفي فعلها الإستراتيجي غير المعلن. هي خططت منذ البداية للوصول فقط إلى الدور الثاني، ولا تريد بلوغ الرئاسة فلها من تجربة الترويكا كثير من العبر. قيس سعيد لم يفز إلا بأصوات النهضة قبل ساعة من غلق المكاتب”.

وأوضح اليحياوي أنّ “توجهات قيس لا تبتعد كثيراً عن انتظارات قواعد النهضة على الأقل. وبالتالي فالفوز الحقيقي هو غير المعلن؛ لأنه العميق والمنتج لفعل الهيمنة. فالهيمنة لا تقوم على الاعتراف بل على تزييف الوعي وخلق التواطؤ بعبارة بورديو”.

** الصّدمة وإزاحة المنظومة القديمة

قيس سعيد الذي تصدر في الجولة الأولى

ويرى أغلب المحللين أنّ هذه النتائج إنما تعكس غضباً شعبياً لم ينطفئ، ولكن الطبقة السياسية الفاعلة لم تستوعبه، فكانت النتيجة أن تمت إزاحة هذه الطبقة نهائياً من موقع القرار والتخلي عنها بقلب الطاولة عليها من خلال صندوق الاقتراع، وخاصة المنظومة التي حكمت البلاد منذ 2011 إلى حد اليوم (النهضة ونداء تونس وما اشتق منه من أحزاب صغيرة وشخصيات).

وفي قراءته لهذه النتائج، يرى الدكتور اليحياوي أنّها “تعبير عن موقفين رافضين للوضع المتأزم على كل الواجهات الاقتصادية والاجتماعية والقلقة من ضعف الأمل في التغيير عبر هذه التشكيلة السياسية بكل عائلتها المخالفة والمتصارعة خارج حلبة الصراع، المنطقة التي هي الفعل السياسي والفعل العمومي المنتج للثورة والعمل والتنمية وتغيير الوضعيات. الصراع بين هذه العائلات كان خارج دائرة اهتمامات المواطنين الحقيقية واليومية كأنهم يتصارعون على امتلاك الأرض في القمر”.

ويؤكّد اليحياوي أنّ “الفئة الأولى عبرت عن ذلك بالصندوق وعاقبت الجميع واختارت الصدمة للتغيير فهي لن تخسر أكثر من خسارتها الحالية، بل ترى في إعادة إنتاج المشهد المأزوم الخسارة الأكبر. وفئة اختارت الغياب القصدي والحامل للبعد الرمزية، فهي أرادت أن تقول إنّ لا أحد يملك الصدق ولا القدرة ولا الشرعية ولا المقبولية للثقة فيه. أرادوا أن يقولوا لهم لن نقتلكم بيدنا سنقتلكم بغيابنا لتموتوا بغيظكم الذي أذقتمونا إياه كثيراً”.

** درب جديد

الانتخابات الرئاسية التونسية السابقة لأوانها وضعت جانباً كل الأحزاب التقليدية والتيارات السياسية المعروفة يميناً ووسطاً ويساراً رغم ما بذلته في حملاتها الانتخابية والإعلامية لتفرز شخصيتين أولهما هو أستاذ القانون الدستوري في الجامعة التونسية قيس سعيد البالغ من العمر 61 عاماً الذي ترشح مستقلاً وعرف بعد الثورة بتحليلاته السياسية الهادئة الملتزم باللغة العربية الفصحى في كل تدخلاته، وحل ثانياً مالك قناة “نسمة” الخاصة المسجون حالياً والذي أسس جمعية خيرية تغطي أنشطتها المناطق المحرومة والقصية الواقعة في الهامش، وأفرد أنشطته بتغطيات إعلامية عبر قناته وأعلن عن ترشحه للرئاسيات وكوّن حزب “قلب تونس.

وفي قراءته لما أفرزته صناديق الاقتراع من نتائج أولية، حسب مؤسسات سبر الآراء، قال الإعلامي والمحلل السياسي، لطفي النجار، إنّ “نتائج الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها الأولية على الأقل هي بمثابة المنعرج والواقعة الكبرى التي ينبغي أن نتوقف عندها”.

وأعرب النجار في تصريح لـ “حفريات” عن اعتقاده بأنّ نتائج الانتخابات تمثل “النهاية أو ما يشبه النهاية والأفول لمنظومة بأسرها، لا أعتقد أنّ هذه المنظومة امتدت من 2011 إلى 2019 بل تنسحب من 1956 إلى اليوم. أعتقد أننا بصدد فتح طريق جديد، طريق يفتحه اليوم الشعب التونسي بإرادته. يقول لا لهذه المنظومة. يفتح درباً جديداً هو درب الديمقراطية الشعبية الحقيقية كما هو موجود في أوروبا والعالم الغربي والديمقراطيات العريقة”.

** نهاية الأيديولوجيات الكبرى

التونسيون انتصروا على حركة النهضة بالصندوق

وأضاف النجار أنّ “أول الدروس المستخلصة هو نهاية الأيديولوجيات الكبرى والمنظومات العقائدية والمنظومات الأيديولوجية ومنها خاصة – وعنوانها الأكبر – هي الإسلام السياسي في تعبيراته التونسية، وعلى رأسه حركة النهضة التي بدأت تتهاوى ليس اليوم فحسب، هي من 2011 في كل محطة تتراجع ويتقلص خزانها الانتخابي. هي بصدد التحول من حزب في قلب العملية السياسية في تونس إلى حزب عادي، ربما سنفاجأ أيضاً في الانتخابات التشريعية أنّها تصبح حزباً من جماعة “الصفر فاصل”.

** درس في التغيير المدني الديمقراطي

ورأى النجار أنّ “الإسلام السياسي في تونس وتحديداً حركة النهضة خسر اليوم في تونس، والشعب التونسي قدم درساً ديمقراطياً مفاده أنّه بالإمكان الفوز والانتصار على الإسلام السياسي من خلال الصندوق دون اللجوء إلى العنف أو الاستئصال. هي عملية مقاومة مدنية ديمقراطية تمت ببطء كبير لهذا التيار الرجعي الظلامي الذي حاول أن يغير من نمط حياة التونسيين، ثم تحول فجأة إلى تيار مساند للمنظومة القديمة وفي هذه المحطة واجه شعباً بأسره أو على الأقل مع التنسيب واجه إرادة التونسيين التي عبرت وحجمت حركة النهضة. التونسيون انتصروا على حركة النهضة بالصندوق”.

ومن المقرر أن تعلن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات مساء اليوم الإثنين عن النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها في تونس التي تنافس فيها 26 مرشحاً ومرشحة لكرسي الرئاسة، انسحب من بينهم مرشحان في اللحظات الأخيرة.

وبلغت نسبة الإقبال حسب أرقام رسمية أعلنتها الهيئة 45.2 في المائة. وأعلنت الهيئة أنّ عملية الفرز أفرزت النتائج الحينية للانتخابات الرئاسية بعد احتساب 27% من المحاضر حسب الهيئة العليا المستقلة للانتخابات؛ حيث تقدم كل من قيس سعيد بـ 19%

ونبيل القروي: 14.9%.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *