انطباعات وملاحظات عن انتخابات فرنسا / الطاهر المعز

الطاهر المعز ( تونس ) – الثلاثاء 9/7/2024 م …

أشارت جميع استطلاعات الرأي ووسائل الإعلام السائد وتوقعات توزيع المقاعد البرلمانية، قبل يوم السابع من تموز/يوليو 2024، إلى فوز “التجمع الوطني” وحلفائه ( اليمين المتطرف) بالمرتبة الأولى والهيمنة على البرلمان، وربما فوزه بالأغلبية المطلقة، خلال الدّوْر الثاني للإنتخابات البرلمانية الفرنسية، يوم السابع من تموز/يوليو 2024، بعد حصوله على أكثر من 33% في الدّور الأول يوم الثلاثين من حزيران/يونيو 2024، وجاءت نتائج الدّور الثاني، أو النتائج النّهائية، مُخالفة لهذه التّوقعات، حيث حصل ائتلاف “الجبهة الشعبية الجديدة” (“يسار” ) على 182 مقعدًا في مجلس النواب الجديد، وحصل الإئتلاف الذي يدعم الرئيس إيمانويل ماكرون على  168 مقعدًا، يليه “التجمع الوطني” أي اليمين المتطرف المتحالف مع أقلية منشقة من الجمهوريين (مجموعة نيكولا ساركوزي) ب143 مقعدا، أو إن قرابة عشرة ملايين صوت، من إجمالي حوالي 33 مليون ممّن أدلوا بأصواتهم ( الأصوات التي تم احتسابها في العدّ النهائي)، اختاروا – عن دراية وعن وَعْي- اليمين المتطرف ليحكمهم، وارتفع عدد نواب اليمين المتطرف من 88 مقعدا خلال دورة 2022 (البرلمان المُنْحَلّ) إلى 143 في البرلمان الحالي…




ابتهج زعماء “اليسار” والعديد من المواطنين لعدم حصول اليمين المتطرف على أغلبية مُطْلَقة، وهو العزاء الوحيد، لأن هذه الإنتخابات تَفْرِضُ ملاحظات وتوضيحات عديدة، فقد تفوّق اليمين المتطرف بعدد الأصوات، لكن طريقة تقسيم الدّوائر الإنتخابية جعله لا يحصل على النّسبة الأعلى من عدد النّوّاب، وحصل اليمين المتطرف على الأغلبية المُطلقة والعريضة أحيانًا في العديد من المناطق، منها ساحل البحر الأبيض المتوسط، بمُدُنِهِ وقُراه، ومنطقة الشمال، وهي منطقة عُمّالية سابقًا ( المناجم والنسيج) وبعض مناطق الشرق، حيث تم إغلاق المناجم ومصانع الصّلب، بنهاية عقد السبعينيات وبداية عقد الثمانينيات من القرن العشرين، وتَصَدَّرَ اليمين المتطرف إجمالي الأصوات الشعبية في الجولة الثانية التي شهدت (يوم السابع من تموز/يوليو 2024)  زيادة كبيرة في مشاركة الناخبين، وبلغت نسبة المُشاركة أعلى مستوى لها في الانتخابات البرلمانية منذ سنة 1997، ويتطلب الحصول على الأغلبية المطلقة في مجلس النواب 289 مقعداً ( من إجمالي 577 مقعدا)، وهذا يعني أن المجلس يظل مائلاً بقوة لصالح اليمين الذي يُهيمن كذلك على مجلس الشّيُوخ، ولذلك من العسير على نواب “الجبهة الشعبية” إقرار زيادة الحد الأدنى للأجور وتجميد أسعار الضروريات الأساسية وتطبيق بعض الوُعُود الأخرى، ولا يسمح ميزان القوى داخل الجبهة بدعم الشعب الفلسطيني أو إلغاء بعض الإجراءات العنصرية ضدّ المهاجرين، لأن الحزب “الإشتراكي” الذي كان في حالة احتضار، عاد إلى الحياة بفضل الجبهة وضاعفَ عدد نوابه، ولا تختلف خططه الإقتصادية أو مواقفه الطّبقية عن اليمين التقليدي المُحافظ، باستثناء بعض الأفراد الذين لا وَزْنَ لهم داخل جهاز الحزب…

لقد تم صَدُّ التهديد الذي يشكله اليمين المتطرف مؤقتا، ولكن بأي ثمن، حيث تأجّلت بعض القضايا ولم يتم حلُّها، بل لا يزال اليمين المتطرف هو القوة السياسية الرائدة في فرنسا، ولن يتراجع إلا من خلال النضال من أجل تحقيق مكاسب اجتماعية جديدة.

تُشكل هذه الانتخابات فرصةً لطرح بعض الأسئلة البسيطة: إن النظام السياسي ( والمنظومة القانونية) يشرعن، ويتسامح، ويقبل، ويمول الأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة التي يمكنها المشاركة في الانتخابات بشعارات وبرامج ديماغوجية كاذبة، ويمكنها الحصول على مقاعد نيابية في البرلمان وفي جميع هياكل الدّولة، ويمكنها التعبير عن آرائها والدّعاية لبرامجها في وسائل الإعلام، طيلة أيام السّنة، ولما يَحين وقت الانتخابات، يُسارع “الديمقراطيون” اليمينيون – الذين لا يختلف خطابهم وأفعالهم عن اليمين المتطرف، لا شَكْلاً ولا مضمونًا – إلى إطلاق “جبهة جمهورية” مع  الوسط واليسار، يتم بناؤها على عجل ولا يعرف أحد معالمها وماهيتها وحدودها، ويطلب زعماء هذه “الجبهة الجمهورية” من الناخبين «منع اليمين المتطرف من الحكم»، ولذا فإن اليمين المتطرف مفيد لليمين ولليسار البرلماني، وتعفيهم هذه الجبهة المفتعلة المَبْنِيّة على النفاق والإحتيال، من التركيز على برامج أو الدّفاع عن أطروحات سياسية واقتصادية وعقائدية واجتماعية، وتكتفي أطراف “الجبهة الجمهورية” بالشعارات المبهمة التي تقتصر على شعارات فضفاضة وتُركّز على مَنْعِ حزب – شرّعه النظام الإنتخابي – من الوصول إلى رئاسة الجمهورية أو الحصول على أغلبية برلمانية، والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت إيديولوجية اليمين المتطرف وبرامجه مُناقضةً ل”قِيَم الجمهورية” فلماذا يتم الترخيص له، ولماذا لا يتم منعه؟ لقد تم “تطبيع” العلاقات مع اليمين المتطرف وإدماجه في الحياة السياسية منذ أصدر الرئيس/الجنرال شارل ديغول عَفْوًا على عُملاء الإحتلال النّازي وعلى إرهابيي حرب الجزائر، وتعيين بعض العُملاء في مناصب وزارية ووظائف سامية…

من المؤكد أن اليمين المتطرف لا يتمتع بأغلبية مطلقة، أو حتى نسبية، بعد انتخابات السابع من تموز/يوليو 2024، لكن ذلك لم يتحقق إلا بفضل الوفاق – باسم الجبهة الجمهورية – والتسوية التي تتضمن انسحابات من مرشحي اليسار لصالح اليمين والعكس. إنه «تحالف غير طبيعي» لم يمنع اليمين المتطرف من تحقيق أكبر نتيجة في تاريخه، والحصول على أكثر من عشرة ملاليين صوت، وكان لليمين المتطرف ثمانية نواب سنة 2020، وأصبحوا 89 سنة 2022 وارتفع عددهم إلى 143 سنة 2024.

لم يحصل اليمين المتطرف على أغلبية مطلقة من النواب، بسبب الإتفاقات بين اليمين التقليدي واليسار المائع، وبسبب الإنسحابات، لكنه حصل في عشرات الدوائر الانتخابية على ما يقارب 45% خلال الجولة الثانية، وليس ذلك بالغريب، فالعنصرية تتزايد منذ عقود، بالتوازي مع تدهور أوضاع العمال والفقراء، واستغل اليمين واليمين المتطرف وجزء من “اليسار” هذا التّدهور لتقسيم الطبقة العاملة وتحديد عمال فقراء وغير مستقرين وفي أسفل السلم الاجتماعي والمهني ( المهاجرون وأبناؤهم وأحفادهم) كمسؤولين عن هذا التّدَهْوُر، وعن تراجع المُتكسبات، بدل توجيه سهام الغضب العُمّالي والشّعبي نحو الرأسمالية، المتسبب الحقيقي في تدهور وضع الأجراء وصغار الفلاحين والموظفين والفقراء، ولا يزال اليمين المتطرف يتقدّم ويحتل مواقع جديدة في فرنسا وأوروبا، وما الانتخابات إلا انعكاس لهذا الواقع الذي يعيشه الأشخاص من أصل أجنبي في المدرسة وفي العمل ووسائل النّقل وفي الفضاء العام …

حصل اليمين الذي ينتمي إليه الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته على 13% من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، و20% في الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية المبكرة و168 نائبا في الجولة الثانية، أي أقل بـ14 نائبا فقط من جبهة اليسار الذي أنقَذَهُ من خلال “الجبهة الجمهورية” المزعومة، ليظَلَّ المعسكر الرئاسي، المكروه والناطق باسم الأغنياء، والمُرَوِّج للعنصرية ومُنفّذ قمع العمال والفئات الأضعف، هو الرابح الأكبر، إلى جانب اليمين المتطرف في هذه الانتخابات.

يعد الحزب «الاشتراكي» -الذي لا علاقة له بالإشتراكية والذي نَفّذَ سياسات يمينية وصهيونية منذ عقود- هو الحزب الذي غنم المكاسب، داخل ائتلاف الجبهة الشعبية، مقارنة بالانتخابات التشريعية للعام 2022، حيث ارتفع عدد نوابه إلى أكثر من الضعف، وضَمّت قائمة نُوابه الرئيس السابق فرانسوا هولاند، المناهض للعرب والفلسطينيين، والذي أحاط نفسه بالصهاينة سيئي السمعة، ومن بينهم إيمانويل ماكرون – الذي كان وزيرًا خلال رئاسة فرانسوا هولاند – ومانويل فالس ولوران فابيوس وآخرون. لقد أصبح مرة أخرى “حزب اليسار الأول” خلال انتخابات 2024، بفضل جبهة اليسار والانسحابات وشعار “قطع الطريق على اليمين المتطرف”.

لا يزال الوضع خطيرا، بل مأساويا، ولكن ماذا يمكن أن نتوقع من النظام الانتخابي الذي صمّمته الطبقة الرأسمالية لاستدامة حكمها واستغلالها واضطهادها للعمال والفقراء وشعوب بلدان “الأطراف”؟ لا يمكن لهذا النظام الانتخابي أن يخدم العمال أو صغار المزارعين أو الفقراء أو المهاجرين، ولا يزال النضال هو السبيل الوحيد لافتكاك المُكتسبات، في ظل النظام الرأسمالي، مهما كان اتجاه الحكومة واللّوْن السياسي للأغلبية البرلمانية.  

قد يعجبك ايضا