متى يتقاعد الرؤساء؟

الدكتور إبراهيم قويدر 6/2/10 م ....
البناء الاجتماعي لنظام الحكم العربي القديم تاريخيا متأصل في شكل أسرة ذات جاه ونفوذ ومال، قاد أحد أفرادها مجموعة من الأسر- تربطهم بهذه الأسرة صلة الدم أو الجيرة- في معتركات الحياة المختلفة حيث منحه المولى عزوجل «كارزمات» القيادة، وبعد أن وصل بهذا الجمع من الأفراد والأسر إلى بر الأمان، واستوطنوا أرضًا توفرت فيها مقومات الحياة، تحول هذا الرجل القائد إلى ما تعارف على تسميته شيخ القبيلة، وأصبحت أسرته أسرة الشيخ (عائلة الشيخ )، غالبًا ما يتوارث أبناء هذه الأسرة مشيحة القبيلة.
حيث يتم إعداد الابن الأكبر للشيخ، بأن يحضر ويتدرب على اجتماعات مجلس القبيلة ويكلف حتى بتواجد الشيخ ببعض المهام التي تخص أمور القبيلة وشئون أمنها الاجتماعي، ويعتني شيوخ القبائل بإعداد أبنائهم إعدادًا جيدًا، وتحدث في مرات عديدة مشاكل وصراعات على المشيحة أو نيل رضا الوالد قبل وفاته، وقد تتطور هذه المشاكل أو الصراعات بين الأبناء وأحيانا أولاد العم وتجرهم إلى محاربة بعضهم البعض، يتولى بعد ذلك المنتصر المشيحة، وتبدأ عجلة الزمان تدور من جديد وفقًا لهذا المسار التاريخي للقبيلة، كشكل من أشكال نظام الحكم داخل مجتمعاتنا العربيةالقديمة حتى من قبل ظهور الإسلام.
وأختلف النظام بعد ظهور الإسلام حيث ظهرت الشورى وعم العدل والمساواة بين الناس فلا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى.
وبعد انتهاء عهد الخلفاء الراشدين، أنشأت دول ضمت كل حدود الوطن العربي، وحتى الأندلس- إلى أن اضمحلت آخر هذه الدول، وهى الدولة العثمانية استمر النظام القبلي داخل المجتمع، وكانت أنظمة الدول قديما تهتم بمشايخ القبائل وتعطيهم هامشًا من السلطات وتسخرهم لخدمتها وخدمة أهداف الدولة، وكانوا يقومون بدورهم يحرفنه لكي يحققون استمرارية منزلتهم الاجتماعية داخل القبيلة ويكفلون استمرار وجاهتهم ونفوذهم.
وفى تطور تاريخي معروف تتحول القبيلة الأكبر عددًا وقوة إلى قيادة المجتمع ككل، سواء بتحالفات مع بقية القبائل أو نتاج لانتصارها في معارك قبلية استطاعت من خلالها إخضاع بقية القبائل ومبايعتها لقيادة المنطقة، وهذه المبايعة تتحول إلى مبايعة لشيخ القبيلة الأقوى وأسرته.
وقد حدثت أشكال عدة وتحالفات متنوعة تحالفت فيها أسر وقبائل وأفراد مع أجانب عن الوطن من أجل الوصول إلى السلطة، إلى أن بدأت تظهر مظاهر الدولة الحديثة في أقطارنا العربية، وحاولت بعض من قيادات هذه القبائل أو الأسر والمجموعات أن تستفيد من نقل بعض أشكال نظام الحكم الملكي أو الجمهورى متأثرة بما يدور في العالم، ولكن لا يخفى عليكم أنه تم الاقتباس، ولكن العقلية القبلية ما زالت هي الأساس فى تفكير من نقلوا هذه التجارب الذين ترعرعوا في رعاية نظام الشيخ.
ثم ما لبث أن بدأ يظهر في أقطارنا العربية الشكل الملكي، ثم الجمهوري كنظام حكم رفع شعار أن السلطة للشعب وأن الحكم ديمقراطي، وتم إعلان الدساتير لتنظيم العلاقة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتشكيل أداة الحكم الديمقراطي الجمهوري.. ورغم كل هذه الشعارات والمواد والنصوص الدستوريه تضل سلطة الشعب حلم بعيد المنال.
لكن رغم ذلك لم يستطع هؤلاء التخلص من عقلية شيخ القبيلة والارتباط به، كما تعلمنا ذلك منذ نشأتنا داخل أسرنا، فالأب هو الحاكم، والأستاذ في الفصل الحكم، وفي القبيلة الشيخ هو الحاكم، وأعني هنا الحاكم المطلق الذي نصغي له ولا نعارضه وننفذ تعليماته، ونقدم له قرابين وولاءات الاحترام، رغم أن ديننا الإسلامي حدد لنا من خلال النصوص القرآنية والسنة النبوية نظامًا بديعًا للأسرة، ونظامًا أبدع للشورى داخل القبيلة، وأنظمة مميزة في التربية يستعين بها المدرسون في تعليم النشء، ولكن للأسف ابتعدنا كثيرا عن ذلك.
هذه الخلفية الثقافية أثرت في سلوكيات مجتمعاتنا، وتحولت بالتدريج من ارتباطنا بالشيخ الأوحد إلى الملك الأوحد، ولرئيس مدى الحياة، بدأ حياته الرئاسية ديمقراطيًا، ثم ما فتئ أن تحول إلى غير دستوري، عندما تقترب نهاية ولايته، بتغيير القوانين والنظم الدستورية، أو يقدم ما يفيد عدم رغبته الاستمرار في دست الحكم، ليخرج أزلامه والحشود من المصانع ووحدات الإنتاج والمدارس ليهتفوا له، وبعد عدة أيام يعدل عن قراره، ويقرر الاستمرار نزولا على رغبة الشعب.
القضية في حقيقة الأمر، تتلخص في: كيف نرسخ في سلوكياتنا الإيمان بتداول الأمور، وعدم حكرها على فرد أو مجموعة معينة، ونتعلم أن سمة الحياة هي التغيير والتبديل، وهذا لا يتأتى إلا بإعادة النظر في بنائنا الاجتماعي: الأسرة والقبيلة، وشكل قيادتها، وترسيخ مبادئ الحوار الهادف داخل الأسرة والعائلة ومجلس القبيلة، وداخل المدارس والجامعات، إلى أن ينشأ لدينا جيل جديد يؤمن بأن تداول قيادة العمل قاعدة أساسية ومهمة، وأن الشورى قبل اتخاذ القرار شيء أساسي وجوهري في الحياة.
إن هذه التربية للجيل حتما ستؤثر مع مرور الزمن، فيتحقق فعلا لا قولا شعب واعٍ مدرك ضرورة أن يكون له رأي في كافة أموره: سواء الحياتية والمصيرية، ويستطيع أن يتصدى لكل ألاعيب الالتفاف على ممارسة الديمقراطية أو كبح الحريات.
تداول السلطة قاعدة مهمة ومؤثرة في تطوير العمل القيادي الرئاسي في المجتمعات، ويعطى مؤسسة الرئاسة دفعة جديدة قوية، حيث تجدد الدماء الفكرية، مما يعطي حيوية ونشاطا في منظومة خدمة الجماهير التي اختارت الرئيس ديمقراطيا، وتدعيما لما نقول فإن دراسة أجراها علماء متخصصون في الإدارة وعلم النفس والاجتماع أعطت مؤشرًا واضحًا أن الحد الأعلى لبقاء المسئول في موقعه ثماني سنوات، بعدها يمكن أن يتولى موقعًا آخر لاكتسابه خبرة إدارية وقيادية لدى المؤسسات، وليس النفي من الموقع، هذا على المستوى الأدنى، أما على مستوى الإدارة العليا الرئاسية فيجب أن يتخلى عن موقعه بعد انتهاء مدته ويضع نفسه تحت تصرُّف مؤسسة الرئاسة؛ للاستفادة من خبرته كمستشار له خبراته وعلاقاته القارية والدولية التي اكتسبها من موقعه السابق.
إن التصور الأكثر ملائمة لوضعنا العربي- لو اقتنع رؤساؤنا بضرورة تداول السلطة- أن نخلق نظاما يحتفظ فيه الرئيس المنتهية خدماته بامتيازته الفخرية والمراسمية، ويكون له من يرعى شئونه من خلال مؤسسة الرئاسة، ويحتفظ بلقب الرئيس، وبالتالي نشبع رغبة هؤلاء باستمرار مزاياهم، ونحقق التداول الذي سيظل حلما ما لم تؤمن الشعوب به وتبدأ بتنفيذه من بداية السلم عند شيخ القبيلة إلى سدة الرئاسة. هنا فقط يمكن لنا أن نعرف متى يتقاعد الرؤساء...
www.dribrahimguider.com
!
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
ماذا لو نجحت المفاوضات؟![]() عبد الباري عطوان ( فلسطين / بريطانيا ) 4/9/10 م .... كان المرحوم جمال الصوراني (ابو عمر) عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية يجسد 'الحكمة' في قراراته ومواقفه، ويكفي انه... بقية المقال |
تحديات الموسم الدراسي المقبل 2010 / 2011م![]() فيصل تايه ( الأردن ) 4/9/10 م ... مع مطلع العام الدراسي الجديد الذي سيبدأ اليوم السبت الرابع من أيلول 2010م بدوام الهيئات الإدارية والتدريسية .. والذي نتطلع فيه... بقية المقال |
|
إقرأ المزيد: مقالات مختارة |





















