موازين القوى بين نظرتين… والدولة الواحدة / د. فايز رشيد




د. فايز رشيد ( الأردن ) – الأربعاء 29/7/2020 م …

بدايةً، فإن الصراع العربي الصهيوني من أكثر الصراعات التي تعتمد على الخلل في موازين القوى. من جانبها، فإن دولة الكيان اعتمدت مبدأ القوة العنيفة في تعاملها مع الفلسطينيين والدول العربية، وهو المبدأ الأوّل. أما المبدأ الثاني، فهو عدم السّماح للدول العربية مجتمعة بتفوّق سلاحها على السلاح الإسرائيلي، لذا تقوم دولة الكيان بقصف السلاح المنقول من روسيا أو إيران مثلا، إلى المقاومة اللبنانية وسوريا والمقاومة الفلسطينية في غزة. ما أدى إلى اعتماد هذه الدول كثيرا على مبدأ تصنيع الأسلحة في الدول نفسها، التي يجري نقل السّلاح إليها.
عملياً نستطيع القول، إن المقاومتين اللبنانية والفلسطينية وصلتا إلى نوعٍ من توازن الرّدع مع العدو، ولكن من الصعب الوصول إلى مستوى توازن القوة، التي تملكها إسرائيل، أما المبدأ الأمني الصهيوني الثالث، فهو نقل المعركة إلى أرض العدو، وإبقاء الجبهة الإسرائيلية بعيدة عن أيّ حرب.
بعد عام 2000 كسرت المقاومتان الفلسطينية واللبنانية هذا المبدأ، ووصلت صواريخ المقاومة من شمال فلسطين المحتلة إلى جنوبها، ذلك في ردود المقاومة، خاصة اللبنانية (وإلى حدّ ما الفلسطينية) في مجابهة الحروب العدوانية الصهيونية على المقاومتين في أعوام 2006، 2009، 2012، 2014. بالنسبة إلى مبدأ حرب التحرير الشعبية الذي اعتمدته المقاومة الفلسطينية منذ عام 1965، أسوة بكافة حركات التحرر الوطني في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية، التي انتصرت على أعدائها، فإن مبدأ توازن القوى لا يمكن أن يتحقق بين الغاصبين المحتلين، أصحاب القوة العسكرية الغاشمة، ومقاتلين وطنيين لا يمتلكون سوى أسلحة بسيطة! فهذا الأسلوب يجعل من المشروع الاحتلالي مشروعاً خاسراً بالمعنيين الاقتصادي والبشري، والإعلامي العالمي. خذ مثلاً الفرق بين قوتي جبهة التحرير الفيتنامية والولايات المتحدة، وغيرها، ثم إن كلّ أرضنا الفلسطينية محتلة، وقطاع غزة محاصر من العدو منذ عام 2006، وثورتنا تفتقد إلى هانوي القاعدة، للانطلاق مثلما امتلكتها قوى التحرر الوطني الفيتنامية، بالعكس فالنظام الرسمي العربي في معظمه يقوم بالتطبيع مع دولة الكيان في العلن والسّر (وفقاً لنتنياهو). ويقوم بكبح جماح الفلسطينيين ومحاصرتهم، وافتعال معارك قتالية معهم لكسر شوكتهم.

مبدأ توازن القوى لا يمكن أن يتحقق بين المحتلين أصحاب القوة العسكرية الغاشمة ومقاتلين وطنيين بأسلحة بسيطة

ووفقا للمبادئ والكلاسيكيات العسكرية، فإن نظرية موازين القوى تقوم على وجود الدول والتحالفات، في حالة تكاد تتعادل فيها قوتها العسكرية، ما من شأنه أن يحول دون نشوب النزاع المسلح، وعليه فإن بعضاً من الدول تسعى إلى الحفاظ على التوازن العسكري في ما بينها. ويعتبر سعي إحدى الدول لزيادة قدرتها العسكرية، بالصورة التي تخلّ بتوازن القوى، أمرا يدعو للخلل في الميزان، ويولّد سعياً من قبل الدول الأخرى لتعزيز توازن القوى، بمعاهدات تلتزم فيها الدول الأطراف بالحفاظ على قوتها العسكرية، ضمن حدود مقبولة من الدول الأخرى. وفي معاهدات السلام التي تبرم بين الدول بعد انقضاء الحروب، يتم في العادة التطرق لتوازن القوى، والإشارة إلى الترتيبات التي من شأنها أن تحافظ عليه وتحول دون الإخلال به. تقول نظرية توازن القوى في العلاقات الدولية، إن بإمكان الدولة ضمان وجودها، عبر منع أي دولة أخرى من اكتساب قوة عسكرية تمكنها من الهيمنة على الدول الأخرى. إذا أصبحت دولة ما شديدة القوة، تقول النظرية، إنها ستستغل جيرانها الأضعف منها، وبالتالي تدفعهم إلى الاتحاد وتشكيل تحالفٍ دفاعي. يدّعي بعض الفلاسفة من أنصار الواقعية السياسية، أن نظام توازن القوى أكثر استقراراً من النظام الآخر، الذي تهيمن من خلاله دولة واحدة، فلا يكون خيار اللجوء إلى العدوان حلاً مربحاً عندما يوجد توازن في القوى بين الأحلاف المتخاصمة. مثلا أوروبا في مؤتمر فيينا عام 1815حاولت تحقيق توازن القوى بين دولها. وتعتبر نظرية توازن القوى إحدى الركائز الأساسية لكل من نظرية الواقعية الكلاسيكية ونظرية العلاقات الدولية، وتسعى لتوضيح مفهوم تشكيل التحالفات. ويُعد المبدأ المختص بالحفاظ على توازن القوى، باعتباره هدفًا من أهداف السياسة الخارجية، أمراً قديماً قدم التاريخ، مثلما أوضح ديفيد هيوم في مؤلفه «بحثٌ عن توازن القوى»، ويبدو أن الإغريق استخدموا هذا المبدأ أيضا، لقد مهدت الأممية لعقيدة توازن القوى، والأولى كانت الاتجاه السائد في العلاقات الدولية الأوروبية، قبل صلح وستفاليا. حصل المصطلح على اهتمام عقب معاهدة أوترخت عام 1713، ثم نشر فريدريش الأكبر هذا المبدأ في مؤلفه «ضد ميكافيلي» في جميع أنحاء العالم. في عام 1806، أعاد فريدريش فون غينتز تعريف المبدأ بوضوح وبشكل مفهوم، في مؤلفه «شذرات عن توازن القوى».
لقد شكّل المبدأ أساس التحالفات التي ظهرت ضد الملك لويس الرابع عشر ونابليون بونابرت، وكان سببًا (أو عذرا) لمعظم الحروب الأوروبية، التي اندلعت في الفترة الزمنية الواقعة بين صلح وستفاليا (عام 1648 ومؤتمر فيينا 1814). وعرفت أوروبا فترات من السلام منذ ذلك العام حتى عام 1914 وبقدر فترات الحروب، فهي تدين بفترات السلام تلك إلى توازن القوى. لم تملك دولة ما قوة كافية للتغلب على جميع الدول الأخرى، بل إن الغيرة المتبادلة بين القوى العظمى، حافظت أيضا على الدول الصغيرة، التي لم تكن قادرة على الدفاع عن نفسها. يقول المؤرخ الدبلوماسي إدوارد ميد إيرل: «خلال السنوات الخمس والعشرين الأخيرة، التي بدأت نحو عام 1890، عاشت أوروبا والشرق الأقصى، تحت توازن القوى غير المستقر، بالنتيجة، انتقل العالم بشكل جنوني من أزمة إلى أخرى حتى وصل إلى الكارثة»، واستنتج «قد يودي بنا توازن القوى إلى الهلاك». جهّزت نظرية توازن القوى لحدوث كارثتين في عام 1914 و1939 حسبما كتب كلارينس ستريت في كتابه الشهير «الاتحاد الآن»، فلا وجود لسياسة سلام أكثر عقماً ووهماً وتفجرا أكثر من توازن القوى. لقد أصبح نظام توازن القوى سيء السمعة اليوم. (تفترض المصادر التي تذكر مبدأ توازن القوى) حتى من طرف المؤرخين المحترفين والمحامين الدوليين، أن الأخير واحدٌ من اثنين، إما نظام حرب يكرر فشله، أو نظامٌ لصنع الحرب وغالبا ما ينجح في هدفه. خلال الفترة التي هيمن فيها نظام توازن القوى على نظام السياسة الأوروبي، فلنقل من عام 1648 حتى عام 1918، لم يكن سِجل المبدأ في منع الحروب حافلًا بالنجاحات، بل كان مسؤولًا في أغلب الأحيان عن بدء حروب أكثر من تلك التي ردعها.
ثار الجدل من جديد حول حلّ الدولة الديمقراطية الواحدة، وفي إمكانية هذا الحلّ، فإن العقبات الإسرائيلية تحتل الجوهر الأساسي، وتتمثل في أن الدولة الديمقراطية تتناقض بالمطلق مع الهدف الاستراتيجي للكيان، وهو إقامة «الدولة اليهودية» المصفّاة، التي تجمع اليهود. نعم، ثبت استحالة تحقيق دولة فلسطينية تنتزع من بين براثن الكيان الصهيوني، ذلك بعد إقرار قانون «الدولة القومية»، وسريان القوانين الإسرائيلية على المستعمرات في الضفة الغربية. ثم إن الواقع الجغرافي لم يعد يسمح بإقامة دولة مستقلة، خاصة أن الاستيطان استولى على 65% من مساحة الضفة الغربية، ومازال الاستيطان قائماً.. ثم لنتذكر اللاءات الإسرائيلية الست لغالبية الحقوق الفلسطينية.. بالنسبة للموقف الأمريكي، خاصة بعد قرار ترامب حول القدس، فإن الإدارة الأمريكية أكثر إسرائيلية من نتنياهو، إضافة إلى رسالة الضمانات الإستراتيجية التي قدمتها الولايات المتحدة للكيان عام 2004، وفيها تتعهد أمريكا، بعدم الضغط على إسرائيل لقبول ما لا تريده!
من جانب ثانٍ، فإن بعض الكتّاب الصهاينة بدأوا يحذرون حكومتهم في مقالاتهم، من أنها ستجد نفسها أمام حلّ الدولة الثنائية القومية بالمعنى الاستراتيجي. هذا الحل ترفضه إسرائيل، للأسباب التالية: الواقع الديموغرافي الجديد، وإمكانية زيادة عدد العرب على اليهود. ولهذا فإنه مباشرة وبعد إنشاء دولتها، قامت بتنفيذ الخطة «دالت» التي وضعها بن غوريون، وهي التطهير العرقي للفلسطينيين من خلال المذابح، وتهجير 800 ألف فلسطيني. الدولة الواحدة تتناقض مع الجذور التوراتية للعقيدة الإسرائيلية المتمثلة في العدوان الدائم على الفلسطينيين والعرب (الأغيار) في أفق استعلائي فوقي وتفوقي، عنصري مزنر بنظرة دونية إليهم. وتتناقض مع مسلك الحاخامات، الذين أبقوا اليهود في إطار (الغيتو) الذي تحول إلى عنجهية (القلعة) بعد إقامة إسرائيل، بالتالي فإن أي مراهنة على ثلاثة آلاف سنة مقبلة، لإجراء تحول مسلكي مناقض لما تمارسه إسرائيل حاليا، هي مراهنة بعيدة تماما عن الموضوعية.. بالطبع ضمن المعطيات الحالية، وعلى المدى القريب المنظور. هذا عدا عن المناهج الإسرائيلية في رياض الأطفال والمدارس، وفي المدارس الدينية والجامعات، التي لم تنتج على مدى ما يزيد عن السبعين عاما، سوى التطور في بنية اليمين الديني المتطرف، إضافة إلى عسكرة (المجتمع) من خلال تطور المؤسستين العسكرية ـ الأمنية، والدينية بمفاهيمهما وشروطهما اللذين تفرضهما على الشارع الإسرائيلي، لهذا، فإن حلّ الدولة الديمقراطية الواحدة هو خيال ووهم.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *