لماذا تشكل الصين و إيران خطراً على الولايات المتحدة و إسرائيل / د. حسن زيد بن عقيل

د. حسن زيد بن عقيل* ( اليمن ) – الإثنين 20/7/2020 م …




الصين و إيران حضارتان آسيويتان عريقات تلتقيان و تتحديان بشكل علني العقوبات الأمريكية المفروضة عليهما . ان اتفاقية الشراكة التجارية ، الاقتصادية ، السياسية و الثقافية و الأمنية و لمدة 25 عام ، هي شراكة تنهي عصر بَغِيض من الهيمنة الأوروبية ــ الأمريكية على العالم . شراكة تمهد الطريق لعصر جديد للتعاون بين الشعوب و ترسيخ السلام . كما اشار احد علماء الجيوبوليتكيين البريطانيين هالفورد ماكيندر ” إن الذي صنع تاريخ العالم ، سوف يصنعه دائماً ، هم سكان المناطق الداخلية العظيمة التي تشمل سهول شرق أوروبا و سهول شرق و وسط آسيا ، وذلك عن طريق ضغطه على سكان السهول الساحلية لكتلة اوراسيا ، وهذه  منطقة يابسة متصلة وواسعة  يحيط  بها الجليد من الشمال إلى هضاب إيران و أفغانستان في الجنوب ، و يمتد من نهر الفولغا غرباً إلى شرق سيبيريا ، و يتميز بتعريفه الداخلي ( بالإنجليزية : Endomembrane system ) . و تبلغ مساحتها (21) مليون ميل مربع ” .

العالم حاليا يعيش نظام الا قطبية ، علما أن القرن الـ 20 بدأ بعالم متعدد الاقطاب ، تخلل هذا القرن  حربان عالميتان و بعض الصراعات الصغيرة و انتهى ــ بعالم ثنائي القطبية . مع نهاية الحرب الباردة و انهيار الاتحاد السوفيتي و مع بداية القرن الـ 21 سيطر على العالم القطب الواحد ، هو الولايات المتحدة الأمريكية . إلا أن قوتها و نفوذها لم يستمر طويلا ( 15 أو 20 عاماً ) . تدريجياً بدأ نجم القطبية الاحادية في السقوط و ظهور عالم اللاقطبية ، بالاصح ” لا قطبية فوضوية ” .

عالم ” لا قطبية فوضوية ”  لا يمكن ان يستمر طويلا ، السبب يعود إلى عوامل تاريخية ، حيث ان الدول تتطور ، و تتطور بالتالي مواردها البشرية و المالية و التكنولوجية و التي تقودها لزيادة الانتاجية و بالتالي إلى الرفاهية ، فمن المستحيل ايقاف ظهور قوى جديدة . لهذا السبب و نتيجة تطور الدول و المؤسسات  يعود تزايد أعداد اللاعبين الذين بإمكانهم فرض نفوذهم الاقليمي و الدولي  . هنا نستطيع  ان نقول انه خلال  هذه  الفترة  قد  تبلورت  فكرة و بالإجماع  عند  المجتمع الدولي أو على الأقل  شبه إجماع ، بأن نظام  القطب الواحد ( الأمريكي ) قد وصل إلى خواتمه . لكن مالم يتفق عليه هو شكل النظام العالمي البديل  . إذا الجميع يرفض نظام القطب الواحد ، يرفض استمرار الهيمنة الأمريكية لسنوات قادمة على العالم . الان تأتي حتمية البحث عن القطب أو الأقطاب البديلة . الجميع يشك في إمكانية عودة أوروبا العجوز للهيمنة على العالم أو إمكانية منافستها للقطب  الأمريكي . أيضاً اليابان لم تتوفر لها المقومات و الامكانيات اللازمة للصعود إلى القمة . روسيا قد ابتعدت عن المنافسة على القمة ، رغم الخطوة النوعية الهامة ، التي بدأتها بحرب جورجيا 2008م التي من خلالها أستطاع الروس من فرملت الإندفاع الأمريكي نحو المُثلث الإستراتيجي ، القوقاز – قزوين – آسيا الوسطى ، و أيضا في أوروبا الشرقية . و من اسباب إبتعاد روسيا عن المنافسة على القمة جاء بعد مراجعة تجربتها في أفغانستان و سوريا و كذا مراجعة درس الغزو الأمريكي للعراق و فشل قوته العسكرية الضخمة في تحقيق النصر أو حتى على الأقل فرض الهيمنة الاسمية .

لكن قلما تجد اثنين في العالم يختلفان على أن الصين  هي المرشح الأول للصعود للقمة ، حتى في أمريكا نفسها نجد الكثير من المفكرين و المحللين الإستراتيجيين الأمريكيين يرشحون الصين وحدها دون غيرها لمنافسة الولايات المتحدة على القمة . بعضهم يذهب إلى إمكانية و مقدرة الصين في المستقبل على إزاحة أمريكا من على القمة و الإنفراد بها وحدها . إذا الصين هي العملاق القادم في القرن الواحد و العشرين .

الاتفاقية الصينية ــ الإيرانية تفتح هذا العصر الجديد و كذا تفتح  الطريق لدخول  مليارات الدولارات من  الإستثمارات الصينية  في مجال  الطاقة و غيرها  من القطاعات المصرفية و الإتصالات و الموانئ و سكك الحديد و عشرات المشاريع الاخرى . عملياً الصين و إيران هما شريكان استراتيجيان منذ فترة طويلة و اول من اقترح هذه الشراكة هو الزعيم الصيني شي جين بينغ خلال زيارته إلى إيران في عام 2016 . هذه الاتفاقية تسمح للاقتصاد الإيراني بأن يستمر في تطوره الطبيعي نسبياً ذلك مع دخول الإستثمارات الصينية التي تشتد الحاجة إليها . ايضا تعميق التعاون العسكري و تبادل المعلومات الاستخباراتية يعطي الصين موطئ قدم في المنطقة التي احتكرتها الولايات المتحدة و حلفائها منذ عقود . هذا الاتفاق سوف يسمح للصين و إيران أن يعززان استراتيجيتهما على المسرح الدولي في مواجهة الاحادية الأمريكية . الاتفاقية هزيمة جيوسياسية للولايات المتحدة بامتياز و كسر لهيبة الولايات المتحدة . و كذا إذا نجح اجتماع عمالقة الشرق الثلاثة روسيا – الصين – إيران  نهاية العام لمناقشة شروط التعاون العسكري بينهم ، يكون قد انتهى عصر الهيمنة الأوروبية ــ الأمريكية على العالم . وخاصة ان هذه النجاحات تأتي في فترة تعاني الولايات المتحدة من الركود بسبب الكورونا و العزلة بسبب السياسة المتهورة للرئيس ترامب و الخلافات وسط الادارة الأمريكية و الانشقاق العميق في المجتمع الامريكي بسبب العنصرية . هذه الحالة الرديئة للادارة الأمريكية وضعت الصين في موقع القوة و مكَّنها من تحدي الولايات المتحدة بما يكفي ، لتحمل العقوبات الامريكية . و مشروع الاتفاق الصيني ــ الإيراني أبرز مظاهر ذلك التحدي .

الاتفاق الصيني ــ الإيراني يعزز الشراكة بين البلدين اقتصادياً و أمنياً ، و إذا تم تنفيذه فهو يشكل ضربة قوية لسياسة إدارة ترامب العدوانية تجاه إيران . الاتفاقية قد تضمنت توريد النفط الإيراني للصين على مدى السنوات الــ 25 المقبلة ، هذا يفيد كلا الطرفين . إيران تكون قد نجحت في منع الولايات المتحدة من عرقلت صادرات الخام الإيراني ، وخنق الاقتصاد الإيراني . ايضا الاتفاقية تعتبر فوزاً  كبيراً لمبادرة الحزام و الطريق الصينية ، ان الإستثمارات الإيرانية سوف تطور النقل و شبكة سكك الحديد و المواني و الطاقة و الصناعة و التجارة . إيران تعتبر نقطة التقاء بين جنوب آسيا و آسيا الوسطى و القوقاز و الشرق الاوسط ، أي قلب اليابسة ــ قلب العالم . مما يجعل إيران واحدة من أهم الدول لمبادرة الحزام و الطريق .

مبادرة الحزام و الطريق ممكن أن تؤمن توريد النفط و الغاز الإيراني إلى الصين عبر الطريق البري ، كخيار آخر بعيداً عن الممرات المائية في جنوب شرق آسيا . خاصة في وقت تتزايد فيه الأعمال العدائية بين الصين و الولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي . هذا يؤكد ما قاله السيد بريجنسكي في كتابه ” رقعة الشطرنج الكبرى ” بأن من يسيطر على آسيا الوسطى التي هي مركز القوة العالمية في المستقبل ، في استطاعته أن يتحدى الهيمنة للولايات المتحدة في المنطقة . إذا حدث شئ من هذا القبيل ، فإن القوة العالمية للولايات المتحدة ستتآكل . بالتالي يجب ألا تنشأ أي قوة هناك ، يشير بشكل غير مباشر إلى روسيا و الصين ، لكن هذا حصل الآن . و أكد هذا أيضا السيد هالفورد ماكيندر في محاضرته التي تحت عنوان ” المحور الجغرافي للتاريخ ” ، بأن كل من حكم ” قلب الأرض ” أي كتلة اوراسيا إلى سيبيريا و آسيا الوسطى يحكم العالم . وكذا اشار أليكس فاتانكا في صحيفة نيويورك تايمز ، هو متخصص في السياسات المحلية و الإقليمية لإيران يشير إلى ان إيران مفتاح خطط الصين لمنطقة أوراسيا الممتدة من المحيط الأطلسي غربا إلى مضيق بيرنغ بأقصى شرق روسيا شرقاً . لذا فقد حدد المخططون الصينيون إيران كواحدة من أهم الدول لربط آسيا بأوروبا من خلال مبادرة الحزام و الطريق التي تمثل أهم المبادرات بولاية الرئيس الصيني شي جين بينغ في السياسة الخارجية ، التي تهدف إلى إعادة هيكلة نظام قواعد التجارة العالمية و ممارسات الإستثمار ليصبح نظام أكثر ملاءمة للصين ، بالإضافة إلى إبراز القوة الناعمة و إنشاء الإسس لهيمنة الصين في أوراسيا . أضف إلى ذلك إيران لم تكن فقط الشريك التجاري و زبونها النفطي ، بل أمتد التعاون بينهما كما اشارت مجلة فورين بوليسي الأمريكية ليشمل مبيعات الأسلحة و الميزان الجيوإستراتيجي ضد الولايات المتحدة . إذا الصين هي العملاق القادم في القرن الواحد و العشرين .

  • كاتب و محلل سياسي يمني

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *