في مثال هام جدا ، د. أمين محمود يكتب: دردشة تاريخية ( حول موقف الإتحاد السوفياتي من إنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين )




د. امين محمود* ( الأردن ) – الأحد 5/7/2020 م …
* وزير أردني أسبق …

يلاحظ ان موقف الاتحاد السوفييتي تجاه فكرة الدولة اليهودية في فلسطين بدا في اعقاب الحرب العالمية الثانية يتخذ عدة صور ايجابية . ففي فبراير ١٩٤٥ – على سبيل المثال – عقد مؤتمر نقابات العمال بلندن والذي عرف ايضا باسم الموتمر التاسيسي للفدرالية الدولية لاتحاد العمال ، حيث اقر هذا الموتمر دون اعتراض او تحفظ من الوفد السوفييتي * ضرورة ايجاد علاج سياسي عن طريق عمل دولي لاصلاح الخطا الذي وقع على الشعب اليهودي * . وذهب الموتمر الى انه ينبغي ان تكون حماية اليهود من الاضطهاد والتمييز في اي بلد من بلدان العالم من واجب السلطات الدولية الجديدة ، والى انه ينبغي اعطاء اليهود الفرصة لبناء وطن قومي لهم في فلسطين عن طريق الهجرة والاستيطان الزراعي والانماء الصناعي على ان يكون ذلك مقرونا بتامين المصالح الشرعية لباقي السكان في فلسطين ( Judd L . Teller , The Kremlin, The Jews and the Middle East p 142 ) . وهذا يذكرنا تماما بما ورد في وعد بلفور قبل ذلك بما يقارب الثمانية والعشرين عاما .

وصرح المندوب السوفييتي في اعقاب المؤتمر مؤكدا على سياسة بلده الداعمة الى ضرورة حل المسالة اليهودية عن طريق تامين حصول اليهود على المساواة ونيلهم كافة حقوقهم المدنية والسياسية الاخرى في جميع بلدان العالم بما فيه حقهم في تاسيس وطن قومي لهم في فلسطين اسوة بالشعوب الاخرى . وهذا الموقف يعبر بلا شك عن التوجه المستقبلي الذي بدات القيادة السوفييتية تتبناه ، اذ اصبح موقفها بخصوص انشاء وطن قومي لليهود يحمل دلالة الدعم والتاييد لاي قرار عالمي يتخذ لدى النظر في مستقبل منطقة الشرق الاوسط ، وبمعنى اخر فان انشاء كيان سياسي لليهود في فلسطين بدا يظهر وكانه ذو فاندة استراتيجية للسوفييت.

وقد شهد عام ١٩٤٥ بروزا للاتحاد السوفييتي كقوة عالمية كبرى معترف بها من جميع دول العالم ، وذلك في اعقاب مؤتمر يالتا Yalta الذي عقد في نفس العام في شبه جزيرة القرم وحضره كل من روزفلت وستالين وتشرتشل ،. وجاء انعقاد الموتمر عشية انهيار القوة النازية ، حيث تم بحث العديد من القضايا العالمية المتعلقة بالتنظيم الدولي بعد الحرب . وتمكن الاتحاد السوفييتي بمهارته الدبلوماسية وانتصاراته العسكرية خلال الحرب الى جانب الحلفاء من تغيير صورته السابقة كلية على الساحة الدولية . واصبح يشكل واحدة من القوى العالمية المؤثرة على مستقبل العالم .

وقد اتسع النفوذ السوفييتي ليشمل اوروبا الشرقية باكملها اضافة الى الجزء الشرقي من المانيا ، وامتدت حدوده لتشمل مناطق فاقت بحجمها جميع التوقعات التي كان الاتحاد السوفييتي يحلم بتحقيقها في اي مرحلة من مراحل تاريخه بعد ان كان يعيش قبل الحرب في شبه عزلة على الساحة الدولية . وبالرغم من ان المؤتمرين لم يبحثوا مطالب القيادة الصهيونية الا انهم اتفقوا على الالتزام بانشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، وايلاء الاهتمام الكافي لموضوع الهجرات اليهودية اليها ، ودراسة امكانية فتح الابواب التي كانت موصدة في وجه هذه الهجرات ( Marlin Ebon, Communist Tactics in Palestine pp 266-267) .

غير ان موقف روزفلت نفسه كان يتسم احيانا بالغموض ، فبالرغم من التعاطف الذي كان يبديه تجاه * المعاناة * التي واجهها يهود اوروبا على يد النازيين ، الا انه بعكس خلفه ترومان كان يفضل معالجة المسالة الفلسطينية بروية بعيدا عن تاثير الانفعالات والضغوطات التي كان يمارسها عليه زعماء اليهود الامريكيين ، اضافة الى انه كان يشكك احيانا كثيرة في امكانية تلبية فلسطين طموحات * الشعب اليهودي * باقامة دولة له فيها ( Yaacov Ro’i , Soviet Decision Making in Practice m pp 15-16 ) . وكان روزفلت يرى ضرورة ايجاد ماوى للاحياء من اليود المشردين ، واخذت ادارته تمارس الضغط على بريطانيا لفتح ابواب فلسطين امامهم وترتيب وساىل نقلهم وحمايتهم ليتعايشوا جنبا الى جنب مع السكان العرب .

وحينما ووجه الحلفاء عام ١٩٤٣ بمشكلة ٦٠-٧٠ الف يهودي غالبيتهم من البلغار المسنين الذين شردوا من ديارهم على يد النازيين حاول كورديل وزير الخارجية الامريكي اقناع نظيره البريطاني باستيعابهم في فلسطين ، الا ان الاخير لم يستجب للطلب الامريكي بحجة ان حل هذه المشكلة سيودي الى مواجهة مشاكل اخرى شبيهة . ومما يثير الغرابة ان الولايات المتحدة لم تبد من جانبها اي استعداد لنقل هولاء المشردين اليهودالى الاراضي الامريكية حتى ولو بشكل موقت لا سيما وان سفنها كانت تعود فارغة بعد ان تفرغ شحناتها من العتاد والغذاء في الموانىء الاوروبية . والواضح ان الحركة الصهيونية نفسها لم تكن معنية بانقاذ يهود اوروبا المسنين بقدر ما كان يهمها انقاذ المشروع الاستيطاني الصهيوني القاىم على اكتاف المهاجرين اليهود الشباب ، وتوظيف معاناة المسنين من مشردي يهود اوروبا لتعميق ازمة الضمير الاوروبي تجاه معاناة اولىك المشردين . وانتهز بن غوريون هذه الفرصة فبادر الى الاعلان في مؤتمر صحفي عقده فور تولي ترومان الرىاسة بان الادارة الامريكية الجديدة ستقدم كل الدعم للمطالب الصهيونية ، كما اكدت له بان الاتحاد السوفييتي لن تعارض قيام دولة يهودية في فلسطين ، بل بالعكس سيتخذ موقفا مؤيدا لقيام مثل هذه الدولة اسوة بالموقف الامريكي . وكان ترومان قد بدا يكشف تحيزه الواضح تجاه الصهيونية لا سيما حينما طلب من تشرتشل في مؤتمر بوتسدام رفع القيود كاملة عن هجرات اليهود الى فلسطين والسماح للمستوطنين الصهاينة المقيمين فيها بتملك الاراضي وانشاء مؤسساتهم المستقلة والخاصة بهم . كما تلقى بن غوريون رسالة من اوليفر ستانلي وزير المستعمرات البريطاني نقل فيها اليه معلومات موثوقة بان الاتحاد السوفييتي سيدعم المطالب الصهيونية ، وان الحكومة البريطانية باتت تفكر جديا في التخلي عن الانتداب واحالة المسالة الفلسطينية الى الامم المتحدة لاتخاذ القرار المناسب بخصوصها ، وستلتزم من جهتها الحياد التام حرصا على مصالحها في العالم العربي كي لا تتعرض الى اية قلاقل او تهديدات .

ولَم تمض فترة طويلة على هذه التصريحات والمواقف الداعمة لفكرة الدولة اليهودية حتى بادرت الاحزاب الشيوعية في العديد من الدول الى اعلان مواقف داعمة ومؤيدة لهذه الفكرة ، واخذ المسؤولون السوفييت يتسابقون في التعبير ايضا عن دعمهم وتاييدهم لهذه الفكرة . ففي قول لرىيس البعثة الدبلوماسية السوفييتية في القاهرة : * ان وجود ثلاثة نواب يهود لوزير الخارجية السوفييتية يمثل ضمانة لمستقبل المسالة اليهودية * . وفِي قول اخر للقنصل السوفييتي في بيروت اثناء زيارته لفلسطين عام ١٩٤٥ عبر فيه عن ان * الشعب اليهودي من حقه استكمال انشاء وطن قومي له في فلسطين * . كما اعلن ان الاتحاد السوفييتي سيتخذ * الموقف المناسب الذي يتمشى مع التطلعات اليهودية * لدى عرض القضية على الامم المتحدة .

وفِي المقابل كانت تصدر باستحياء بين الحين والاخر اصوات سوفييتية مؤيدة للحق العربي في فلسطين ، ولكن مثل هذه التصريحات والمواقف لم تكن تمثل الموقف السوفييتي الرسمي المتجه نحو انشاء دولة يهودية في فلسطين . وبادر الاتحاد السوفييتي عام ١٩٤٥ الى الاعتراف بالوكالة اليهودية وسمح لها بفتح مكتب في موسكو . كما اخذ يضغط على طرح القضية الفلسطينية امام الجمعية العامة للامم المتحدة على امل ان يتم التوصل لتشكيل لجنة وصاية تشرف على انسحاب البريطانيين بحيث يكون الاتحاد السوفييتي عضوا فيها مما يضمن له تحقيق مبتغاه الهادف الى ايجاد موقع يتيح له التدخل في شوون المنطقة .
اخذ مستشارو ستالين من جانبهم يوجهون له النصاىح المتكررة ويمارسون عليه الضغوط الشديدة لاعلان موقف رسمي واضح وصريح يلتزم فيه الاتحاد السوفييتي بتاييد قيام الدولة اليهودية وعدم الاكتفاء بالاقوال والتصريحات غير الرسمية التي تصدر عن الدبلوماسيين السوفييت بين الحين والاخر . وبينوا له ان قيام مثل هذه الدولة في الوسط العربي الذي يعيش حياة * تخلف وجمود * وتتحكم فيه انظمة تدور في فلك الامبريالية الغربية سيودي لا محالة الى تثوير المنطقة وخلق حالة من حالات القلق وعدم الاستقرار، وتكون بمثابة الشرارة التي ستلهب المنطقة في وجه الامبريالية الغربية . كما اكد هولاء المستشارون لستالين ان بامكان الاتحاد السوفييتي توظيف الدولة اليهودية فور قيامها لخدمة مصالحه الاستراتيجية لا سيما وانه اصبح قوة مرهوبة الجانب لها دورها الموثر في اي تسوية سياسية يتم التوصل اليها لا للمسالة الفلسطينية فقط وانما ايضا لشتى التسويات الاخرى لقضايا الصراع المتعددة والمتواجدة في مختلف ارجاء العام .

ولعل هذا الموقف المتريث للاتحاد السوفييتي وعدم اقدامه على اتخاذ موقف رسمي واضح وعلني ازاء المسالة الفلسطينية يعود الى رغبته في التاكد من طبيعة الخطوات والتوجهات المرتقبة التي ستتخذها كل من بريطانيا والولايات المتحدة . وما دامت الامور مستمرة بهذا الشكل فان الاتحاد السوفييتي راى من الافضل ان يستمر الغموض في موقفه السياسي كي يتاح ل المجال للمناورة من اجل تامين الافضل لمصالحه قبل اتخاذه الموقف الرسمي ازاء هذه المسالة . غير ان السوفييت رغم تجنبهم الافاضة في بحث المطالب اليهوديةالمسالة الفلسطينية ، الا انهم لم يبدوا اي اعتراض على السماح لمهجري الغزو النازي من اليهود المتواجدين في دول اوروبا الشرقية بالهجرة الى فلسطين غلى امل ان يتمكنوا * بتوجهاتهم الثورية * من اثارة القلاقل والاضطرابات للانتداب البريطاني فيها .

لقد ادرك السوفييت اهمية التوقيت المتخذ لاطلاق هذه الهجرات اضافة الى التوعية من الطرح والاندفاع التي كان يتصف بها هولاء المهاجرون ، مما ادى الى تولد تصور سوفييتي بانه بات متوقعا ان يودي وصول هولاء المهاجرين الى فلسطين الى تاجيج المزيد من المشاعر المعادية لبريطانيا في مختلف ارجاء المنطقة . ولذا فان الاتحاد السوفييتي وجد ان من الانسب لمصالحه ان يغض الطرف ويتجاهل عن تدفق الهجرات اليهوذية الى فلسطين، مما اعتبره الكثيرون بمثابة ضوء سوفييتي اخضر معطى لانطلاق هذه الهجرات .
وكان لانعقاد مؤتمر القاهرة عام ١٩٤٦ والمخصص للدبلوماسيين السوفييت في منطقة الشرق الاوسط ، ردود فعل سلبية لدى البريطانيين . فقد تبنى المؤتمرون السوفييت كما ورد في سياق مناقشاتهم ، الراي الداعي الى ضرورة تكاتف جميع القوى المحلية في فلسطين وبالذات اليشوف ( المستوطنون اليهود في فلسطين ) لمقاومة الوجود البريطاني فيها والضغط بشتى الوساىل لانهاء الانتداب واجلاء القوات البريطانية عن البلاد . لقد اثار هذا الموقف السوفييتي القلق لدى تشرتشل الذي اصبح يشكك في النوايا السوفييتية حول اطماعها التوسعية الرامية الى ايجاد منفذ لها في المنطقة مما بات يشكل تهديدا للمصالح البريطانية فيها . ولذا فاننا راينا تشرتشل يسارع الى التراجع عن الموافقة على اجراء اية مباحثات حول المسالة الفلسطينيةاو عرضها للمداولات في المنابر والمؤتمرات الدولية قبل ان تضع الحرب اوزارها . وقد ادى هذا التحول في الموقف البريطاني حرمان السوفييت من اي فرصة للتدخل في الشان الفلسطيني قبل ان تستقر الامور وتنتهي الحرب .

وفِي المقابل ادرك المشاركون السوفييت في مؤتمر القاهرة بان مهمة ايجاد المدخل الذي كانوا يسعون اليه في المنطقة العربية لم تعد سهلة على الاطلاق . فبالرغم من ظهور بوادر تحسن في العلاقات السوفييتية العربية خلال الحرب، الا انها ظلت محدودة ومتارجحة ، ولَم ينتج عنها اية تداعيات او نتاىج تذكر . وقد تجنب السوفييت اقامة اي نوع من العلاقات مع القيادات العربية الرسمية انذاك بحجة انها كانت مرتبطة ومتحالفة مع قوى الامبريالية الغربية .

اما بالنسبة للجامعة العربية فقد ابدى الاتحاد السوفييتي تحفظاته منذ البداية على انشاىها لكونها انشئت بمبادرة بريطانية لتوظيفها – حسب رايه – في خدمة اهداف اقليمية يمكن اجمالها بما يلي :

١- توفير الحماية للمصالح البريطانية . ٢- التمهيد لانشاء حلف عسكري يكون معاديا للاتحاد السوفييتي . ٣- محاربة القوى التقدمية في العالم العربي التي تسعى الى تحقيق الاستقلال الحقيقي لبلادها في ظل انظمة ديموقراطية حرة . ٤- توفير الحماية للانظمة العربية التي تعمل وفق اجندات خاصة لخدمة مصالح حكامها من ناحية ومصالح الامبريالية الغربية من ناحية اخرى بدلا من.ان تسعى لتحرير شعوبها وبلادها وتتجه نحو العمل على توحيد امتها العربية وبناء قوتها الذاتية كي يتسنى لها مواجهة الاخطار المحدقة بها من كل جانب .

وفور كسب الحلفاء الحرب ضد دول المحور عقد مؤتمر بوتسدام في يولية ١٩٤٥ حيث شاركت به جميع القوى المنتصرة ، وطرح على الموتمر العديد من القضايا العالمية لمناقشتها والتوصل الى حلول بشانها . وبالرغم من ان المؤتمرين لم يتطرقوا لمعالجة المسالة الفلسطينية ، الا انهم تتبعوا باهتمام التساولات التي طرحها ترومان على تشرتشل حول فلسطين وذلك في جلسة حوار عقدت على هامش الموتمر وعبر فيه ترومان عن اهتمام شعبه بهذه المشكلة ، ومطالبا بازالة القيود المفروضة على الهجرات اليهودية اليها . كما طالب ترومان التعرف على التوجهات البريطانية حول الحلول المقترحة لهذه المشكلة ومناقشتها في جلسة لاحقة خاصة .

ومن الجدير بالذكر ان ترومان كان يعرف بارتباطاته الوثيقة بالاوساط الصهيونية على الساحة الامريكية منذ بداية حياته السياسية . وكان من اشد المناصرين اثناء عضويته في مجلس الشيوخ لمجموعة الضغط الصهيوني في الكونغرس التي كان. يتزعمها حليفاه الصهيونيان واغتر وتافت اللذان كانا يمثلان ولاية نيويورك . وفِي اثناء فترة ولايته كناىب رىيس كان داعية متحمسا لدعم المطالب الصهيونية داخل الادارة الامريكية وخارجها . واستمر هذا الحماس للصهيونية طيلة فترة ولايته كرىيس للولايات المتحدة بحيث اصبح البيت الابيض راس الحربة لتجنيد الكونغرس وباقي موسسات الدولة لدعم الاهداف الصهيونية .

غير ان تشرتشل لم يتمكن من ارسال ردوده على استفسارات ترومان بسبب انسحابه من الموتمر اثر خسارته في الانتخابات البرلمانية ليحل محله كليمنت اتلي الذي شارك في الموتمر برفقة وزير خارجيته ارنست بيقن . وبناء على اقتراح بيقن تم تشكيل لجنة تحقيق انجلو – امريكية لمعالجة المشاكل المتعلقة بفلسطين وتقديم التوصيات المناسبة لحلها .

وكان مما جاء في توصياتها : ١- السماح ل ١٠٠ الف يهودي بالهجرة فورا الى فلسطين . ٢- ان لا تكون فلسطين دولة عربية صرفة او يهودية صرفة . ٣- اقامة الحكم الذاتي فيها بضمانات دولية على ان لا تستاثر الاكثرية وحدها.بالكلمة العليا . ٤- بقاء فلسطين تحت الانتداب البريطاني الى ان يتسنى وضعها تحت وصاية الامم المتحدة . ٥- الغاء جميع القيود المفروضة على انتقال الاراضي . ولَم يتجه اهتمام ترومان من بين جميع هذه التوصيات سوى لتوصية واحدة طلب تنفيذها فورا وهي التوصية المتعلقة بتامين هجرة ١٠٠ الف يهودي الى فلسطين . ومن اللافت للنظر انه تم استبعاد الاتحاد السوفييتي تحت الضغط البريطاني من المشاركة
في اعمال هذه اللجنة ولَم يتح له اي دور في المباحثات التي كانت تجريها لجنة التحقيق الانجلو – امريكية حول المسالة الفلسطينية . وصرح ترومان معلقا على استبعاد الاتحاد السوفييتي من اعمال هذه اللجنة بقوله : * لا مكان للاتحاد السوفييتي لكي يلعب دورا في المباحثات المقبلة حول فلسطين . ان المكان محجوز فقط للولايات المتحدة وبريطانيا * .

وكرد فعل على هذا الموقف الذي اتخذته كل من بريطانيا والولايات.المتحدة ازاء استبعاده. من هذه اللجنة لجا الاتحاد السوفييتي الى استغلال هذا التوافق الامريكاني البريطاني للتقرب من العرب والعمل على كسب ودهم لا سيما وان هولاء كانوا يقاومون بشدة الموقف الغربي الممالىء للصهيونية ً، واخذت الاصوات العربية تنطلق من جانبها مطالبة بايجاد موقع للاتحاد السوفييتي ليشارك في المباحثات الجارية حول مستقبل فلسطين . وعندها بدات الخارجية الامريكية تدرك بان عدم مشاركة السوفييت في البحث عن تسوية * عادلة * للمسالة الفلسطينية سيودي الى اثارة المزيد من القلاقل والاضطرابات في المنطقة مما يشكل تهديدا للمصالح الغربية فيها . ولذا فانها رات انه لا بد من اشراك السوفييت في هذه المباحثات ليصبحوا جزءا من المنظومة الدولية التي تسعى الى ايجاد حل لهذه المسالة المعقدة ، بحيث تحول الولايات المتحدة دون لجوء الاتحاد السوفييتي مستقبلا الى ممارسة سياسة الابتزاز والمزايدة عليها في الاوساط العربية .

ومما يجدر ذكره ان الاتحاد السوفييتي لم يعترض اصلا على الاهداف التي شكلت اللجنة من اجلها ، وانما كان اعتراضه على الطريقة التي شكلت بها هذه اللجنة . اذ اعتبر تشكيلها على هذا النحو ارساء لدعائم تعاون امريكي – بريطاني على حساب المصالح السوفييتية . وكان السوفييت من جانبهم يسعون جاهدين في هذه المرحلة الى ارساء دعائم اقصى ما يمكن من التعاون مع الحلفاء وخاصة الولايات المتحدة وذلك ليضمنوا لهم دورا فاعلا ومؤثرا في التسويات الجارية حول وضع اسس نظام عالمي جديد . ومن الواضح ان السوفييت باتوا يدركون ان المنطق هو اقامة علاقات قوية مع الامريكيين افضل لمصالحهم من اقامة علاقات مع قوى متهالكة كالقوة البريطانية .

غير ان السوفييت لم يتمكنوا من مجاراة الولايات المتحدة التي تصدرت المشهد الجديد في المنطقة . واخذت تحل مكان البريطانيين فيها، واصبحت هي القوة المهيمنة على منابع النفط واستولت على الوضع الاستراتيجي في المنطقة بمجملها . وقد ابدى السوفييت قلقهم من هذا التدخل الامريكي المباشر في شوون المنطقة ، وخاصة حينما ساند الامريكيون ايران في مقاومتها للمحاولات السوفييتية الرامية الى التوسع في الشمال الايراني. كما تزايد القلق السوفييتي اكثر فاكثر بعد قيام الولايات المتحدة باتباع سياسة مناوئة لاي تدخل سوفييتي في اي جزء من منطقة الشرق الاوسط لا سيما بعد تزايد الاكتشافات النفطية فيها وتنامي اهميتها الاستراتيجية بالنسبة للدول الكبرى . ومن ناحية اخرى ادى تدهور الاوضاع الامنية في فلسطين وباقي بلدان المنطقة الى قيام بريطانيا باستخدام ذلك كمبرر لتثبيت وجودها العسكري ونفوذها الاستعماري بحجة المحافظة على امن واستقرار تلك البلدان .
وفِي تعليق للمحلل السوفييتي سيدرين حول هذه السياسة البريطانية قال : * لا شك ان القضية الفلسطينية حولت انتباه العرب عن قضاياهم المتعلقة ببالتخلص من الاستعمار، ونيل الاستقلال وقصر تركيزها على الصراع العربي الإسرائيلي فقط ، مما حدا.باحد الساسة البريطانيين الى القول بانه لو لم تكن القضية الفلسطينية موجودة لكانت تستحق ايجادها * ( هاشم بهبهاني ،الاتحاد السوفييتي والقومية العربية ، مترجم ، ص٧٢ ) .

وكان السوفييت من جانبهم يرقبون الاوضاع عن كثب ، ويتابعون السياسة البريطانية القاىمة على مبدا * فرق تسد * والتي لم ينتج عنها سوى اثارة المزيد من الاضطرابات والقلاقل في المنطقة، اضافة الى تعميق النظرة السلبية تجاه الاتحاد السوفييتي بدعوى تاييده ومساندته للاهداف الصهيونية .

وبالرغم من كل مظاهر القوة والهيبة العالمية التي حققتها بريطانيا خلال الحرب ، الا ان بذور الضعف والوهن بدات تتسلل الى جسمها الامبراطوري مما بات يهدد مكانتها العالمية وهيبتها الدولية. وقد ولد هذا قناعة لدى السوفييت بان بامكانهم في ظل تضاؤل الدور البريطاني تادية دور اكثر تاثيرا حينما يتم بحث القضية الفلسطينية في الامم المتحدة . وكانت وجهة النظر التي استقر عليها الموقف السوفييتي عشية قرار التقسيم هو ان لكل من العرب واليهود الحق في تقرير المصير وتشكيل حكومة موقتة على ان يتولى مجلس الامن الاشراف عليهما لحين توفر الادلة الكافية لديه باستكمال كل منهما لاعلان استقلال الدولة الخاصة به . وقد اعلن غروميكو في الامم المتحدة بين امور اخرى : * على المرء ان يتذكر الحقيقة المؤكدة بان سكان فلسطين يتالفون من شعبين : العرب واليهود ، ولكل منهما جذوره التاريخية في فلسطين * ( Nicholson Bethel, The Palestine Triangle ,p 198 ).
وهكذا استقر راي الاتحاد السوفييتي على تبني سياسة اقامة دولتين في المنطقة باشراف الامم المتحدة بحيث توفر له بطيبيعة الحال القيام بدور حيوي كواحد من الخمسة الكبار سواء داخل الامم المتحدة او خارجها ، واضفاء صفة الشرعية على هذا الدور الى جانب القوى الكبرى الاخرى في تقرير مستقبل فلسطين .

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *