أمين محمود يكتب: مشروع الدولة اليهودية في ( مدين ) شمال غرب السعودية

مدين وبلادها | | فريق الصحراء




د. امين محمود* ( الأردن ) – الثلاثاء 26 / أيار ( مايو ) / 2020 م …
* وزير أسبق

شهد المشرق العربي والمناطق المحاذية له محاولات استيطانية متعددة قام بها اليهود بدءًا من أواخر القرن التاسع عشر وحتى عام ١٩٤٨ حينما تمكنوا في ذلك العام من إقامة “دولة” لهم في فلسطين، وكان الهدف الذي ترمي اليه هذه المحاولات الاستيطانية هو ارساء البنية التحتية تمهيدا لإنشاء دولة بمقدورها استيعاب اكبر عدد من المستوطنين اليهود.

ومن الملاحظ ان غالبية الكتابات المعاصرة حول هذا الموضوع تقرن الاستيطان اليهودي بأرض فلسطين فقط، علما بان هناك بقاعا عديدة أخرى كانت مسرحا لهذه المحاولات الاستيطانية بشكل او باخر. ومن اهم تلك المحاولات الاستيطانية الجادة المحاولة التي حدثت على ارض مدين وهي المنطقة الساحلية الواقعة شمال غرب الجزيرة العربية حيث تتاخم حدودها الشمالية مدينة العقبة الاردنية .وتمتد جنوبا مسافة ٤٠٠ كم حتى مرفأ الوجه وكان عدد سكانها في نهاية القرن التاسع عشر لا يتجاوز العشرين الف نسمة ، وكان ينتمي غالبيتهم الى قبائل بدوية تعتمد في حياتها على الرعي وتربية الماشية ، وكان من أهمها قبيلة الحويطات التي كانت فروعها تمتد آنذاك لتشمل الاْردن وسيناء اضافة الى الحجاز . ورغم تبعية هذه المنطقة اسميا للدولة العثمانية الا انها كانت تخضع منذ عام ١٨٩١ للاشراف البريطاني وتتبع في ادارتها مركز السويس ، وقد ارتبطت مدين في التاريخ الحديث بالمشروع الاستيطاني الذي قام به بول فريدمان Paul Friedman بهدف إقامة مستوطنات يهودية في تلك المنطقة لتشكل نواة دولة يهودية ” J. Frankel , Friedman’s Project “.
ولمدين – على ما يبدو – أهمية خاصة في التراث اليهودي لدى العديد من الطوائف اليهودية . فقد تردد اسمها مرارا في الكتب السماوية وخاصة التوراة اضافة الى الكتب الدينية اليهودية الأخرى ، ولم يقتصر الأمر مثلًا على ذكر النبي شعيب عليه السلام ومحاولاته المضنية – رغم عدم جدواها – لهداية هذه القبائل المدينية الى دين الذات الإلهية ، وإنما نجد أيضا ذكرا للنبي موسى عليه السلام الذي اتخذ من مدين ملجا له هربًا من فرعون واستقر فيها مدة تجاوزت الأربعين عاما وتزوج فيها ابنة الزعيم المديني زيبورا Zippora وخلفت منه ابنين اثنين . ويقال ان يهوة اله المدينين هو نفسه يهوة اله العبرانيين الذي خاطب موسى عليه السلام في جبل الطور بسيناء التي كانت آنذاك امتدادا جغرافيا متصلا للنفوذ المديني .

أما بالنسبة لفريدمان صاحب هذا المشروع الاستيطاني فانه كان ينحدر من أسرة يهودية ألمانية وكان احد اجداده زعيما للطائفة اليهودية في برلين . وقد كان لمشروع لورنس أوليفانت تاثير كبير على تفكير فريدمان بإقامة مشروعه الاستيطاني في ارض مدين . ففي عام ١٨٨٠ قدم أوليفانت مشروعًا تضمنه كتابه ” ارض جلعاد ” دعا فيه الى احتلال البريطانيين سوريا الجنوبية ، وتسهيل مهمة اليهود في استعمارها واستصلاح أراضيها وتمكينهم من إقامة دولة لهم تكون خير سند وعون للمصالح البريطانية في منطقة شرق السويس”The Jewish Encyclopedia , Vol 5 ” . وقد تاثر فريدمان أيضا بمؤلفات ريتشارد بورتون الذي عمل خلال عامي ١٨٦٩-١٨٧١ قنصلا لبريطانيا في دمشق وخاصة كتابه ارض مدين. ويبدو ان إسهاب بورتون في الحديث عن الثروات الكامنة في هذه الارض من مناجم ذهب ومعادن ثمينة ، شجع فريدمان على القيام في نهاية عام ١٨٩٠ بزيارة خاطفة الى منطقة مدين حيث عاد محملا بعددكبير من الصناديق المليىة بعينات من المعادن والصخور ليقوم بتحليلها في مختبرات أوروبا . وقد نشر في برلين كتيبا تحدث فيه عن خصوبة ارض مدين وثرواتها المعدنية الهاىلة مؤكدا ان قيام دولة يهودية فيها سيوفر لليهود إمكانات اقتصادية واسعة تعينهم فيما بعد على مد نفوذهم الى فلسطين والبلاد المجاورة بسهولة فاىقة .وقد سبق لبعض المورخين المسلمين في العصور الوسطى كالمقريزي ان أشاروا الى اندلاع نيران شديدة في هذه المنطقة وقت الحر تظل مشتعلة مدة تقارب الأسبوعين ، وقد تكررت هذه الظاهرة مرارا مما يثير لدى الباحثين تساؤلات حول طبيعة الثروات الكامنة في جوف هذه الارض. ولعل هذا يشكل احد العوامل الهامة التي تفسر اهتمام العلماء اليهود بهذه المنطقة وقيامهم بدراسات لطبيعتها وخصائصها الجيولوجية “المصد السابق” .

قام فريدمان بالاتصال باللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر حيث تلقى وعدا منه بتسهيل مهمته وطلب منه تقديم مذكرة بتفاصيل مشروعه الى رىيس وزراء بريطانيا ، وقد تضمن المشروع ما يلي ؛

١- إقامة مستوطنات يهودية في مدين والمناطق المجاورة لها في الجزيرة العربية بحيث تتمتع باستقلال ذاتي تحت إشراف بريطانيا .

٢- حل مشكلة يهود أوروبا الشرقية بتهجيرهم الى مدين ووضع حد لهجراتهم الى أوروبا الغربية والعالم الجديد .

٣- تشكيل قوة عسكرية تفرض هيبتها على البدو وتحافظ على امن واستقرار المنطقة .

٤- انشاء وخط حديدي يربط مصر بالهند ويقوم المستوطنون اليهود بتوفير الحماية اللازمة له عبر الصحراء العربية . وهذا البند يحمل في طياته نية مبيتة لدى فريدمان ومؤيديه بتوسيع حدود النفوذ اليهودي لضم المزيد من الاراضي العربية الى الجنوب والشمال من مدين.

وعلى أية حال فان فريدمان قام باستقطاب إعداد كبيرة من المجندين والمتطوعين من علماء ومهندسين وكيماويين وجغرافيين (خيرية قاسمية، شؤون فلسطينية، يوليو ١٩٨٠، ص١٦٥) ، وقد تلقى الفوج الاول من هؤلاء المتطوعين تدريبات عسكرية في معسكرات خاصة في هنغاريا والنمسا . وقام فريدمان بنقل هؤلاء المتطوعين الى مدين بعدان انضم اليهم عدد من المتطوعين الآخرين من يهود مصر. ممن يتكلمون العربية وذلك اثناء توقفه في الاسكندرية .

بدا المستوطنون بعد استقرارهم في مدين بالتوجه جنوبا وأقاموا اتصالات مع سكان تلك المناطق وأخذوا.يحاولون إقناعهم ويغرونهم بالتخلي عن أراضيهم مقابل أموال مجزية. وقد نجح فريدمان بشراء بعض الاراضي قرب قلعة المويلح وأخذ يقوم بمحاولات اخرى لشراء المزيد من الاراضي . غير انه بدا يواجه معارضة من السكان العرب الذين اكتشفوا خداعه لهم حيث كان يدعي بانه يريد مجرد الإقامة بجوارهم دون ان يلحق بهم اَي اذى، ومما ادى الى اشتداد معارضة السكان العرب مشاهدتهم المستوطنين اليهود يتلقون تدريبات عسكريةبالبناذق.والمدافع والأسلحة البيضاء. وقد اتجه وفد من هؤلاء السكان العرب الى الحكومة المصرية طالبين مساعدتها في القضاء على هذه المحاولات الاستيطانية، غير انها لم تستجب لهم ، فاضطروا الى اللجوء بعدها الى الدولة العثمانية طالبين منها التدخل لحمايتهم .

وبالفعل تولدت لدى الدولة العثمانية الخشية من مغبة هذه الحملة الاستيطانية وما يمكن ان تجلبه من المزيد من التدخل الأجنبي خاصة وانه بدا يتضح لها ان بريطانيا تساندها هذا المشروع وتدعمه وَمِمَّا زاد من خشية الدولة العثمانية أيضا إمكانية عرقلة المستوطنين لطريق الحج. وهكذا وجدت الدولة العثمانية ان لا بد لها من التدخل للقضاء على هذه المحاولة الاستيطانية قبل ان تستفحل متذرعة بان ارض مدين لا زالت تابعة لها حتى ولو كان ذلك من الناحية الاسمية فقط ، اذ كانت القوانين العثمانية لا تبيح التملك للأجانب وخاصة في شبه الجزيرة العربية. وإزاء اصرار الدولة العثمانية على موقفها واحتمال تفجر خلاف في منطقة الحدود الفاصلة بين مصر والممتلكات العثمانية ونتيجة لازدياد معارضة السكان الأصليين ، ازاء هذا كله تخلت الحكومة البريطانية عن تأييدها لفريدمان وطلبت منه إنهاء مغامرته والانسحاب من مدين.

وبالرغم من هذه النهاية التي تعرض لها فريدمان في محاولته الاستيطانية الا انها حظيت بتأييد واسع لدى الأوساط اليهودية وظلت متأصلة في وجدانها الاستيطاني. . وقد أشار هرتزل إثناء عقد المؤتمر الصهيوني الأول عام ١٨٩٧ الى اعتقاده بان محاولة فريدمان كان من الممكن ان تنجح لو استمر الدعم البريطاني لها أو لو تدخلت الحكومة الألمانية لصالحها حيث كان النفوذ الألماني له مكانة مؤثرة لدى الباب العالي . كما اشاد هرتزل بهذه المحاولة الاستيطانية في مدين نظرا لما تتمتع به هذه المنطقة من أهمية دينية واقتصادية اضافة الى موقعها الاستراتيجي الهام . .ولعل هذا يفسر السر في الاهتمام الذي يبديه اليهود.تجاه هذه المنطقة . وليس بمستغرب ان المطامع التوسعية لا زالت تختمر في مخيلة الأوساط الصهيونية بدليل الاصرار الصهيوني المستمر على ابقاء هذه المنطقة مجردة من المخاطر التهديدية .

ان هذه المحاولة الاستيطانية اليهودية في مدين ومثيلاتها من المحاولات الاستيطانية الأخرى في المناطق العربية لم تجر في الزمن القديم ، بل جرت بالأمس القريب ، فالكل مهدد في هذا الوطن ما لم ينفض جميع أبناىه عن كاهلهم غبار الوهن واللامبالاة ويواجهون التحدي بقوة وتصميم . لقد بات من الضروري ان يدرك ابناء هذه الأمة ما يحاك ضدها من مؤامرات فيهبون مدافعين عن وجودها وبقائها ولا يركنون للتراخي والاستسلام فينتابها المزيد من التمزق والضياع وتصبح لقمة سائغة في افواه الطامعين والحاقدين . ان الخطر الصهيوني لن يكتفي بتهديد عروبة فلسطين وحدها فقط وإنما يمتد خطره وتهديده ليشمل الوطن العربي باكمله من محيطه الى خليجه …!!!

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *