سمات المجتمع الاستهلاكي (2/3) / د. عدنان عويّد





د. عدنان عويّد* ( سورية ) – الخميس 21/ أيار ( مايو ) / 2020 م …

* مفكر، أكاديمي وكاتب وباحث من سورية …

 البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الاستهلاكي:

    إذا كان منطلق النمو المعاصر للرأسمالية، هو التركيز على انتاج الحاجات الفردية القادرة على تحقيق أكبر قدر من الربح للمنتج، دون النظر إلى الحاجات الأساسية للإنسان الجمعي، مثل حماية الطبيعة، وصيانة المدن، وتأمين المواصلات والصحة والتعليم، والثقافة… إلخ. فمن هذا المنطلق بالذات تأتي علاقة التناقض بين حركة الرأسمال الخاص وحاجات الإنسان الأساسية، من أجل بقائه وتطوره.

    إنّ هذا التناقض الذي يخلقه اقتصاد السوق بالضرورة يهدف إلى تأمين رغبات ثانوية معدّة للاستهلاك والربح السريعين. وهذه الرغبات التي تأخذ الطابع الفرداني عموماً، غالباً ما تكون مسبقة الصنع وتافهة، في الوقت الذي توظف لها استراتيجيات هائلة ومتنوعة من الدعاية والاقناع لاقتنائها، ومن أجل إيصال المستهلك الذي يظن نفسه حرّاً، بينما هو في الواقع غير ذلك – إلى مرحلة الاستلاب والتمتع بسيادة وهمية من الصناعات والرغبات التي حددها له المنتج مسبقاً – تؤكد جملة المنتوجات المعروضة في الأسواق، مع ما يرافقها من حملات دعائية (وغالباً ما تبثّ الدعاية لمنتوج ما حتى قبل أن ينزل إلى الأسواق) أن ما ينتج بمعظمه تقريباً، كثيراً ما يحدده المنتج للمستهلك، فالطلب تحدده رغبة المنتج، وليس رغبة ومصالح المستهلكين المتبصرين، فالمنتجون في هذه الحالة يمتلكون وسائل الاقناع الخفية والظاهرة، هذه الوسائل التي سخّرت لها أرقى أنواع التكنولوجيا والبحوث العلمية والتي يأتي في مقدمتها “علم النفس”، مستخدمة في ذلك الصوت والصورة والأداة الجذب المستهلك وإيقاعه في فخ المنتج، بل تحويل المستهلك نفسه إلى عبد مسلوب الارادة تجاه السلعة، أي تحويله إلى مستهلك حسب الطلب والقياس، مستعداً لشراء أي شيء وحتى أتفه السلع.

    إذا، انّ القيم المتبعة في الانتاج هنا، تعمل جاهدة على مطابقة القيم المهيّجة للإنسان، أي القيم المحققة للّذّة والشهوة التي تزيد دائماً من شعور الإنسان بعدم الاكتفاء، هذا الشعور الذي راح اقتصاد السوق في المرحلة الرأسمالية المعاصرة، يركز على تنميته – أي الشعور بعدم الاكتفاء – من خلال السلع المنتجة والمعدّة بشكل مسبق لمن يمتلك القدرة الشرائية. لذلك نستطيع القول هنا: انّ المجتمع الاستهلاكي يعبّر في حقيقة الأمر عن الأفراد القادرين على الدفع.

    فعلى سبيل المثال: ان الانتاج الغذائي في البلدان الغنية مرتبط بالطلب المليء – أي القادر على التسديد – وليس الطلب المعدّ لحاجات الإنسان الأساسية، إلا أنّ الأشد خطورة في هذه الوضعية، هو أنّ الدول النامية الآن في كل من أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، يعانون من الجوع وذلك ليس بسبب رجل آخر قادر على الدفع، بل بسبب حيواناتهم أيضاً. فالاستهلاك الحيواني في البلدان الغنية، مؤمن قبل الاستهلاك البشري في هذه الدول النامية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، ان ما تأكله حيوانات الدول المتقدمة من الحبوب، يساوي ربع انتاج العالم أي ما يعادل استهلاك سكان كل من الصين والهند “مليار و300″ مليون نسمة. أما في فرنسا، فان استهلاك الحريرات اللازمة لـ”ثمانية ملايين كلب وسبعة ملايين قط” يوازي استهلاك سكان البرتغال. وما يلقيه الأمريكيون المترفون خلال عام في قماماتهم من فوائض، يكفي لاطعام مدة شهر مجمل بلدان افريقيا. ان طبيعة المجتمع الاستهلاكي في أوروبا، فرضت أن ينوجد للحيوانات ما ينوجد للإنسان، بل أفضل من ذلك فلهم حلاقوهم، وخياطوهم، ومطاعمهم… إلخ.

    إنّ شعوب الدول النامية، والملايين من الفقراء في دول العالم المتقدم ولدوا في عالم مملوك لقلّة من ملوك المال، يتحكمون بكل شيء في هذا العالم، بل هم يعملون منذ قيام الثورة الصناعية على خلق العالم كما يرغبون، أي بما يتناسب وتحقيقهم للربح، لذلك أصبح الإنسان المملوك هنا والذي حلت بدلاً عنه أعلى وسائل التكنولوجيا، مرفوضاً ومحرماً عليه العيش كإنسان، بل يمكن القول: ان وجوده كذات غير قادرة على الاستهلاك المسبق الصنع يشكل عبئاً على مجتمع الرفاه والسعادة الذي حددته طبيعة المجتمع الاستهلاكي، مجتمع التنمية القادرة على الدفع والثمن.

    فلابدّ إذا من استهلاك هذا الإنسان نفسه ككتلة بشرية، وعليه أن يترك المجال للآخرين المترفين أن يتابعوا حياتهم برفاه، ولكي يتابع هؤلاء حياتهم عليهم أن يجسدوا آراء “مالتوس” اللاإنسانية، هذه الآراء التي تقول على أن: “كل الأطفال الذين سيولودون بأكثر من حاجتنا، يجب أن يفنوا بالضرورة إلا إذا فسح لهم المجال بالموت وهم كبار”. والتي تقول أيضاً “فبدلاً من أن نوصي بالنظافة للفقراء، فإن علينا أن نشجع العادات المعاكسة… علينا أن نحشر مزيداً من السكان داخل المنازل… ونجعل الطريق أضيق ونهيِّئ الجو لعودة الطاعون… علينا أن نمنع هؤلاء النفر الخيّر الذين يعتقدون بأنهم يقدمون خدمة للإنسانية بتبنّي برامج تهدف إلى القضاء الكامل على الأمراض والأوبئة”.

    وما نراه الآن تحت راية النظام العالمي الجديد، وتحت الشعارات البراقة للمؤسسات المحركة من قبل مهندسي هذا النظام مثل شعارات “التنمية السكانية” وغير ذلك، الا امتداداً بهذا الشكل أو ذاك لنظرية مالتوس، ولكن بلبوس إنساني يخفي وراءه النوايا السيِّئة الهادفة لتحقيق التوازن السكاني بين القلة المترفة القابلة للاستهلاك، وبين الكثرة الفقيرة التي تشكل خطرا على رفاه تلك القلة. فهذا “يول ايرش” في كتابه “القنبلة السكانية” يقول: “السرطان نمو خارج السيطرة للخلايا والانفجار السكاني هو تكاثر خارج عن سيطرة الناس، علينا أن ننقل جهدنا لاجتثاث السرطان… وهذه ستتطلب الكثير من القراءات الوحشية البعيدة عن الشفقة”.

    إنّ الصيغة العملية لنظرية مالتوس راحت تمارسها الدوائر الاحتكارية بطرق ووسائل عديدة يأتي في مقدمتها خلق بؤر للتوتر، وتشجيع سباق التسلّح، وتصنيع أسلحة التدمير الشامل وغير ذلك.

    فعلى سبيل المثال، لقد بلغت النفقات العسكرية لدول العالم بليون دولار عام 1985، وأن مجموع ما أنفقه العالم على التسليح منذ بداية هذا القرن وحتى عام 1979 (7500) مليار دولار، أي ما يعادل (2500) دولار لكل نسمة اليوم، أو ما يكسبه وسطيا عامل هندي طوال حياته. يضاف إلى ذلك أن صناعة التدمير هذه تتطلب استهلاك جهد أكثر من نصف مجموع رجال العلم في العالم، بينما استهلكت ميزانية البحث في مجال التطور العسكري، ما يعادل أربعة أضعاف ميزانية البحث الطبي تقريباً في العالم، أو مبلغ ثلاثة مليارات دولار لتزويد مليار نسمة بمياه الشرب النقية. هذا إذا ما أردنا أن نضيف تلك الممارسات العدوانية التي تمارسها معظم المؤسسات المالية والاحتكارية تجاه الدول النامية والتي تأتي في مقدمتها “النوايا الحسنة” لصندوق النقد الدولي، أو صندوق البنك الدولي… إلخ. ففي عام 1982 قلصت أكبر المصارف الدولية الاحتكارية تقديم القروض للبلدان النامية، كما قلصت الشركات الفوق – قومية إلى حد كبير التوظيفات الأساسية المباشرة في بلدان آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية من (14.2) مليار دولار إلى (10.7) مليار دولار عام 1986م كما هبطت أسعار النفط الخام إلى ثلاث مرات بسبب اشباع السوق بصورة مصطنعة من قبل دوائر الرأسمال المالي العالمي، وفي العام نفسه تجاوزت خسائر البلدان العربية المنتجة للنفط (100) مليار دولار.

    تذكر آخر الاحصائيات المتعلقة بوضع البطالة في أوروبا بالذات نتيجة لطبيعة وآلية وحركة الرأسمال المالي عالمياً، والمتجهة عموما داخل اطار المجتمع الاستهلاكي، بأن هناك بطالة تقدر بـ(17) مليون عاطل عن العمل في القارة الأوربية، أي بنسبة 11% من مجموع السكان العاملين، وأن هناك (55) مليون نسمة من أصل (345) مليون أوروبي يعيشون تحت مستوى الفقر، وأنّ العمل الجزئي والبطالة المقنّعة يتزايدان باستمرار وهناك ما يقارب من 70% من الأعمال في السوق الأوروبية المشتركة، هي أعمال لبعض الوقت. هذا وتذكر المصادر أن قوة العمل مرغمة على العيش في حياة غير آمنة أو مستقرة. أما في وطننا العربي، فقد أكد تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي بجامعة الدول العربية، أن عدد العاطلين عن العمل في الوطن العربي بلغ (42) مليون عاطلاً حتى نهاية عام 1993. 

كاتب وباحث من سورية.

[email protected]

 

 

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *