د. أمين محمود يكتب: الهجرات اليهودية الى فلسطين

محطات.. هجرة اليهود إلى فلسطين‎ - YouTube

د. امين محمود* ( الأردن ) – الأحد 17 / أيار ( مايو ) / 2020 م …
* وزير أردني أسبق …



لا شك انه كان للهجرات اليهودية دور مركزي في التطورات التي أدت إلى قيام الدولة الإسرائيلية. فقد أخذت تشكل فور اندلاع الحرب عام ١٩٤٨عاملاً حاسماً يستند عليها المجهود الحربي اليهودي، وليس من قبيل المبالغة إذا ما رددنا مقولة بن غوريون بانه لولا تزويد إسرائيل بالسلاح والمهاجرين ومن الكتلة السوفييتية بالذات لما تمكن الإسرائيليون ان ينهوا الحرب لصالحهم بهذا الشكل السريع وغير المتوقع . وكانت القيادة العسكرية للمنظمات الصهيونية (الهاجاناة) قد شكلت في هذه الأثناء لجنة تتولى مسؤولية الهجرة. بحيث كانت تقوم بتجميع الراغبين في الهجرة من اليهود الأوروبيين في مكان محدد ثم تقوم بتهريبهم داخل فلسطين بطرق سرية وغير مشروعة ويجري استيعابهم بعد ذلك ضمن قاطنيها من المستوطنين اليهود. واتخذت من إستانبول مركزا رئيسا لهذه اللجنة، وتمكنت من انشاء شبكة كبيرة من العاملين بطرق خفية. وأخذت تعمل بنشاط من خلال وحدات في أوروبا الشرقية اطلق عليها اسم “وحدات الانصار”، حيث كانت مهمتها القيام بالمهام الصعبة والمتنوعة وراء خطوط الجيش النازي .

ولدى اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها نقل بن غوريون قيادة الهاجاناة الرئيسية في أوروبا الى باريس للبدء في تأدية المهام الطارئة لتهريب ما يزيد عن مليون شخص يهودي ممن كانوا محتجزين في مراكز الإعتقال النازية . وقاموا بتشكيل وحدات مدربة ومزودة بأعضاء متمرسين من ذوي الامتدادات والإتصالات الواسعة في مختلف ارجاء أوروبا، حيث كان من مهامها اضافة الى تهريب المهاجرين تزوير المستندات والوثائق الرسمية التي قد تحتاجها هذه الوحدات اثناء قيامها بعملية التهريب. وكان القائمون على هذه الوحدات يتجولون بحرية داخل المدن الألمانية والنمساوية بموافقة صامتة او ضمنية – على ما يبدو – من جانب ضباط الحلفاء وتمكنوا من القيام بعمليات ملاحقة ومتابعة لمن كانت تحوم حولهم شبهة قتل او تعذيب لمعتقلين يهود وكان العديد من هولاء المشتبه بهم يتنكرون في زي المشردين او يقومون بتغيير هوياتهم وتزييفها .

اما بالنسبة لموقف الاتحاد السوفييتي الرسمي تجاه مسألة الهجرات اليهودية فانه لم يكن سلبياً، وإنما كان له بعض التحفظات عليها وكان موقفه يتلخص في ان الدولة اليهودية القادمة ستكون ملجأ لاستيعاب المهاجرين اليهود الوافدين من دول أوروبا الغربية ؛ ومن ناحية اخرى كان يرى أنه من المتوقع أن لا يكون بمقدور هذه الدولة اليهودية ان تستوعب اكثر من مليون مهاجر معظمهم ممن سينزح من تلك الدول على اعتبار ان يهود أوروبا الشرقية – كما كان يعتقد السوفييت – غير معنيين بالهجرة. ونظرًا لان غالبية يهود أوروبا الغربية كانوا غير مهتمين بالهجرة واختاروا البقاء في بلادهم، فان المسؤولين الصهاينة قاموا بإبلاغ نظرائهم السوفييت بان الدولة اليهودية بحاجة ماسة الى المساعدة السوفيتية لرفع الحظر عن الهجرات اليهودية والسماح لكل يهودي وخاصة ممن هو في سن الجندية بالقدوم اليها أيا كانت البلد القادم منها، اذ ان هذا الحظر المفروض على تلك الهجرات كان يعتبر من أسوأ القيود التي كانت تعاني منها الدولة اليهودية لا سيما وان الحرب الفلسطينية بدأت تشتد ويستعر أوارها (Y. Ro’i , Soviet Decision Making in Practice , p. 142 )

وقد أوضحت غولدا مئير في لقاء لها مع احد المسؤولين السوفييت ان الهجرة كانت ضرورة لا بد منها لبناء الدولة وتوطيد دعاىمها. واكدت على ضرورة عدم وضع أية قيود عليها. وقد أبدى المسؤول السوفييتي استعداد بلاده في هذه المرحلة تسهيل عملية تقل المهاجرين اليهود القادمين من ألمانيا والنمسا الى فلسطين وذلك عبر دول أوروبا الشرقية ، غير ان غولدا كانت تدرك ان المنبع الحقيقي للهجرات اليهودية هو أقطار أوروبا الشرقية، لان من هذه الأقطار دون غيرها يستطيع المجتمع اليهودي في فلسطين تلقي التعزيزات البشرية القادرة على القتال من اجل اقامة الدولة اليهودية .

ولكن الاتحاد السوفييتي كان يتعامل مع قضية الهجرات بمنتهى الحيطة والحذر، دون ان يعترف علانية بانه كان يشجعها او يحث عليها إلا ان العديد من المسؤولين سواء كانوا من السوفييت او من أوروبا الشرقية كانت تصدر عنهم في محادثاتهم الرسمية تلميحات بان الديموقراطيات الشعبية في أوروبا الشرقية تلقت تعليمات صريحة من فوق، والمقصود هنا بطبيعة الحال السوفييت، وذلك لمساعدة اليهود الاشتراكيين في حربهم ضد القوى الإمبريالية وعملائها وبالرغم من ان الاتحاد السوفييتي كانت يداه مقيدتين بسبب موقعه كدولة عظمى والتزامه بقرارات الحظر الدولية المتعلقة بالسلاح والهجرات، الا ان جورج مالنكرف سكرتير عام الحزب الشيوعي السوفييتي آنذاك أكد في احدى مقابلاته الصحفية ان بلاده لا تعترض على تزويد الصهاينة بالسلاح او تجنيد الشبان اليهود في أوروبا الشرقية والسماح بتدريبهم وإرسالهم الى جبهات الحرب في فلسطين. وكان السوفييت ينظرون الى هذا الإجراء كوسيلة لمساعدة اليهود في حربهم ضد العرب الذين كانوا يتلقون – كما اوردت مصادر إعلامية سوفييتية متعددة – دعما من بريطانيا وأمريكا بمختلف الوسائل والسبل. ومن الغرابة بمكان ان يروج الاعلام السوفييتي لمثل هذه المقولات علما بان إسرائيل كانت تتلقى بالخفاء من الولايات المتحدة وباقي الدول الغربية عبر وسائل مختلفة دعماً لوجستياً سخياً لتمويل مشترياتها من سلاح وغيره سواء كان ذلك من الغرب او الشرق .

وهكذا اصبح من الواضح ان مجيء مثل هذا النوع من الهجرات اليهودية الى فلسطين من دول أوروبا الشرقية ما كان ليتم الا بتنسيق كامل مع هذه الدول وبموافقة تامة من الاتحاد السوفييتي، حيث كان غالبية المهاجرين ينقلون مباشرة الى جبهات القتال. وخير مثال على ذلك الاتفاقية التي تم ابرامها في يوليو ١٩٤٨ بين ممثل الهاجاناة وانا بوكر وزيرة الخارجية الرومانية والتي ووجهت بمعارضة شديدة من جانب العديد من أفراد السلطة الرومانية، الا ان الوزيرة بوكر لم تابه لهذه المعارضة طالما ان الضوء الأخضر قد صدر من موسكو للسماح بهجرات يهودية من رومانيا وفق جدول زمني يتفق عليه . وذلك لمساندة اليهود في الحرب الدائرة آنذاك في فلسطين.

وقد أكدت انا بوكر في حديث لها مع الصحفيين الرومانيين بان للكتلة السوفييتية مصلحة حيوية في الوقوف الى جانب إسرائيل وتم وفق هذا الاتفاق السماح لخمسة آلاف مهاجر يهودي بالتوجه الى إسرائيل شهريا . وقد انتهز المبعوث الإسرائيلي فرصة لقائه مع الوزيرة الرومانية واتفق معها أيضا على شراء كميات كبيرة من النفط الروماني اضافة الى البحث في إمكانية تزويد بلاده بما تحتاجه من أسلحة ومعدات عسكرية.

ومن الجدير بالذكر ان المهاجرين من أوروبا الشرقية كانوا يمضون فترة من التدريب العسكري قبل توجههم إلى الدولة اليهودية. وكان ذلك يتم بموافقة صريحة من الاتحاد السوفييتي بل وبمشاركة مدربين سوفييت احيانا وذلك للإشراف على هذه الكوادر من المهاجرين اليهود الشباب الملتحقين بدورات تدريب. ففي تشيكوسلوفاكيا -على سبيل المثال – قامت السلطات التشيكية بتأمين معسكر حربي وأرض للتدريب وأسلحة تم وضعها تحت تصرف هؤلاء المتدربين والذين كان العديد منهم قد خدم في صفوف الجيش التشيكي. وكان يدير العملية التي كانت تضم أيضا ضباطًا ومجندين يهودا قدموا من فلسطين لتلقي المزيد من التدريب انطونيو سوخور وهو شخص غير يهودي كان مسؤولا عن الاستخبارات وتدريب سلاح الدروع في الجيش التشيكي وقد تمكن سوخور من تجنيد الف ضابط ومجند من يهود وغير يهود لتلقي التدريب في قاعدة عسكرية مهجورة في بوهيميا . وقد انضم إلى سوخور فيما بعد تسعة مدربين اخرين من الهاجاناة لتنسيق برامج التدريب.

واستمر تدريب المتطوعين حتى نهاية نوفمبر ١٩٤٨ حيث تم نقلهم وتوزيعهم بعدها على الوحدات اليهودية المقاتلة. وقد شارك العديد منهم بما فيهم سوخور نفسه في العديد من العمليات العسكرية ضد العرب. وكان سوخور قد قام مع عدد من الخبراء التشيك لدى وصولهم فلسطين بتدريب الضباط اليهود على استخدام المعدات التي تم شراؤها من تشيكوسلوفاكيا . ولم ينتظم هؤلاء اليهود التشيك في وحدة عسكرية رسمية ، وإنما اطلق عليهم لقب لواء Brigade على غرار اللواء الأجنبي أو الدولي الذي شارك في الحرب الأهلية الأسبانية عام ١٩٣٦ . وكان الهدف من إنشاء هذا اللواء توفير الجنود المدربين الذين كان اليهود في امس الحاجة اليهم ، اضافة إلى كونه مصدرا لهجرة يهودية جديدة على أمل ان يستقر معظم هؤلاء المتطوعين اليهود في فلسطين حتى بعد انتهاء الحرب . وبالفعل استقر هؤلاء المتطوعون في البلاد واتخذوا من مستوطنة روش بينا مقرا لهم .

وقام التشيك بعد ذلك بإصدار تعليمات يسمحون بموجبها لافراد الهاجاناة باستخدام قطارات معينة لنقل المهاجرين اليهود من الحدود البولندية إلى الحدود النمسوية ومن ثم إلى الجزء الواقع تحت الاحتلال الأمريكي في ألمانيا وذلك بمنتهى السرية والكتمان خوفا من أية إحراجات دولية قد تتسبب بها هذه العملية. وكانت تتم بعد ذلك عملية أخرى بمساعدة الأمريكيين لتامين نقل.هولاء المهاجرين إلى فلسطين. وهذا ان دل على شيء فانما يدل على مدى التورط الأمريكي في مسالة الهجرات اليهودية غير المشروعة إلى فلسطين جنبًا إلى جنب مع الاتحاد السوفييتي. وما.لبثت الحكومة التشيكية ان قررت الاعتراف الرسمي بالدور الذي كانت تقوم به الهاجاناة تجاه الهجرات اليهودية واعتبار نشاطاتها في هذا الصدد نشاطات مشروعة . ويبدو ان هذا القرار لقي صدى إيجابيًا لدى السوفييت والأمريكيين على حد سواء . وكان الأمر الأكثر اثارة للاهتمام ان الهاجاناة لم تكن تبحث عن المهاجرين العجزة أو كبار السن بل كانت تبحث عمن هم في سن الجندية من الذكور شريطة ان يكونوا اقوياء البنية وتتراوح أعمارهم بين سن ١٧-٣٥ عامًا، وانحصر اكثر الاهتمام بالبحث عن سائقي الشاحنات والدبابات وعمال الراديو وجميع أنواع الميكانيكيين. غير ان الأولوية كانت البحث عن طيارين مدربين .

ومن ناحية أخرى فان القرار التشيكي برفع الحظر عن الهجرات اليهودية ترك اثره على الحكومة البولندية التي سارعت إلى إلغاء حظرها المفروض على الهجرات اليهودية ، واصدرت قرارا بفتح حدودها أمام هجرات يهود أوروبا الشرقية بحيث تم السماح بمرور ٢٥٠٠ – ٣٠٠٠ مهاجر يوميا عبر أراضيها ليتم نقلهم بتنسيق كامل بين الهاجاناة من جانب والقوات الأمريكية والسوفيتية من جانب اخر (J. Kimche The Secret Roads , pp. 88-93)، وتم استخدام ميناء بورغاس البلغاري حيث اقلعت منه السفينتان بان يورك وبان كرسنت اللتين كانتا تحملان أعدادا كبيرة من المهاجرين اليهود
(J . Soustelle . The Long March of Israel , p. 153 ).

ومما يسترعي الانتباه هو حجم ذلك التعاطف الذي كان يبديه وزير الخارجية التشيكي مازارايك تجاه الصهيونية وتطلعاتها لاحتلال فلسطين وإقامة دولة يهودية فيها. لقد كان له الفضل في اعتراف بلاده الرسمي بجهود الوكالة اليهودية في احكام قبضتها على فلسطين. كما اظهر في مناسبات عديدة دعمه الشخصي للصهاينة. وفي تعليق مثير للدهشة حول القضية الفلسطينية قال مازارايك : لا اعرف الكثير عن انابيب النفط ولكنني اعرف الكثير عن أنبوب اخر كان الدم اليهودي يتدفق منه طيلة اجيال عديدة (D. Horowitz , The State in the making , p. 250 ).

وقبل وفاته بأسابيع قليلة سمح لافراد الهاجاناة بالقيام بحملة واسعة لجمع التبرعات والأموال من ابناء الجالية اليهودية التشيكية. كذلك لقي ممثلو الهاجاناة دعما ملموسا على الصعيدين الرسمي والخاص من مختلف أعضاء الحكومة التشيكية. وقام شخصيا باستصدار تصريح من وزارة المالية يسمح لهم بإخراج الأموال من تشيكوسلوفاكيا.

كما لعب كل من نائب وزير الدفاع وزير الصناعة وهما يهوديان دورا مهما في تسهيل مهمة بعثة الهاجاناة في شراء الأسلحة والحصول على مساعدة الجيش التشيكي في تدريب الضباط والطيارين والمظليين اليهود . وبالمقابل فانه عندما كانت تبرز صعوبات أمام الهجرات اليهودية من أوروبا الشرقية كما حدث في أواخر عام ١٩٤٨، فانه كان من المنطقي الاستنتاج بان ذلك كان مرتبطا بالتغير في الموقف السوفييتي. وكان من الواضح ان السوفييت بموقفهم المتغير هذا أرادوا ان يستخدموا الهجرة كوسيلة ضغط من اجل مزيد من ارتباط الدولة اليهودية بالاتحاد السوفييتي.

غير ان الإسرائيليين لم يتوقفوا من جانبهم عن تكثيف ضعوطهم على السوفييت لإعادة التسهيلات للمهاجرين اليهود إلى سابق عهدها، لا سيما حين ربط بن غوريون بين مجيء الهجرات وبين إمكانية السيطرة على النقب الذي ابلغ الاسرائيليون السوفييت بانه يحتوي مخزونا كبيرا من الثروات المعدنية مما اثار اهتمام السوفييت بمصير هذه المنطقة. كما أبدى بن غوريون اصراره على ان إسرائيل لا تستطيع دون تلقيها المزيد من الهجرات ان تضمن سيطرتها على هذه المنطقة الاستراتيجية الهامة التي كانوا لا بد من القيام بتنمية السكان فيها وتطويرها بالسرعة الممكنة.

وتأكيدًا لهذا الموقف طلبت غولدا مىير من المسؤولين السوفييت عشية مغادرتها الاتحاد السوفييتي بعد انتهاء مهمتها الدبلوماسية فيها زيادة أعداد المهاجرين اليهود من رومانيا وهنغاريا حيث كان يعيش فيهما ما يزيد على نصف مليون يهودي. كما أبلغت غولدا وزير الخارجية السوفييتي بان بقاء إسرائيل واستمرارها مرهون باستمرار تدفق المهاجرين اليهود اليها، وإذا لم تتعزز إسرائيل بزيادة سريعة في عدد السكان والاستيطان في مناطقها الخالية فانها لن تحصل على السلام . وتم الاتفاق بينهما على ان أولىك الذين كانت الحاجة تتطلب بقاءهم في بلدانهم الحالية أو الذين لا يرغبون بالهجرة إلى إسرائيل فلهم الحق في بقائهم حيث هم . كما تم الاتفاق أيضا على تحديد موعد نهائي لوقف الهجرة بعدها ، اذ ان استمرار االهجرة تشكل ظاهرة محرجة لجميع الأطراف (بلغ عدد المهاجرين اليهود الى إسرائيل خلال الحرب حوالي ٦٨٧ الف مهاجر وكانوا على النحو التالي : 48% من الكتلة الشرقية ، 38% من العالم العربي، 9% من الدول الأسرية ، 4% من الدول الغربية ، 1% من الدول الأفريقية . وهي نسب تقريبية).

وهكذا اصبح من الواضح أهمية الهجرة اليهودية في العلاقات السوفييتية الإسرائيلية اضافة إلى كونها أصبحت تشكل عاملا مهما في العلاقات بين الدول الكبرى وعلاقات هذه الدول مع الدول العربية من ناحية ومع الإسرائيليين من ناحية أخرى. ومن المفارقات الغريبة التي يلحظها المتتبع لهذه العلاقات انه في الوقت الذي كان يبدو فيه واضحا موقف الكتلة السوفييتية المؤيد للجانب اليهودي وباذلًا جهده الدؤوب من اجل اخراج فكرة الدولة اليهودية إلى حيز الوجود .كانت وسائل الإعلام السوفييتية تقوم من جانبها بتوجيه النقد تلو الآخر متهمة بتزويد الغرب عرب فلسطين بالسلاح والعتاد عن طريق الدول العربية أو من المستودعات البريطانية في المنطقة، اضافة إلى التعزيزات في القوى البشرية التي كانت بريطانيا تقدم لها التسهيلات اللازمة لنقلها من الأقطار العربية المجاورة إلى فلسطين. وكان الهدف من هذه الادعاءات السوفييتية بوجود مثل هذا الدعم العسكري الغربي لعرب فلسطين ايجاد تبرير لمساعداتها العسكرية الضخمة إلى إسرائيل، وابراز مدى الحاجة الإسرائيلية الماسة لمثل هذه المساعدات. كما تمادت وساىل الإعلام السوفييتية في ادعاءاتها بان الحرب الفلسطينية لم تكن سوى حرب استقلال للشعب اليهودي مشيرة في الوقت نفسه إلى ان دعم حروب الاستقلال كان احد المبادىء الرئيسة للسياسة الخارجية السوفييتية .

الا ان هذه الادعاءات السوفييتية لم تكن في واقع الأمر تستند إلى أي دلائل أو براهين تشير إلى ان الغرب كان يقدم الدعم العسكري إلى عرب فلسطين . فلو عدنا إلى الوراء قليلًا لوجدنا ان الدولة اليهودية نفسها منذ ان كانت مجرد فكرة تعود في اصولها إلى منشأ إمبريالي غربي تزعمته بريطانيا وفرنسا بادىء الأمر ثم انتقل فيما بعد إلى الولايات المتحدة التي لعبت دورا رئيسا في تاسيس الدولة اليهودية بتنسيق كامل وجهد مشترك مع الاتحاد السوفييتي . لقد ادركت الدول الغربية ذات الأطماع الإمبريالية التوسعية ان إقامة دولة يهودية يودي خدمات جليلة لمصالحها في الشرق . ولذا فانها بدأت تتسابق في استغلال جميع الوسائل التي تساعدها للاستثمار بتأييد اليهود بشكل عام والمتنفذين منهم بشكل خاص لمشاريعها المتعلقة بتوطين اليهود وتوظيفهم في خدمة المصالح الغربية بحيث يصبح دور الدولة اليهودية الوليدة مجرد اداة من أدوات الدولة المهيمنة عليها تؤمن مصالحها وتحرس مواقعها.

وبالإضافة ذلك فقد أخذت القناعة والرغبة تتزايدان لدى غالبية دول أوروبا الغربية بأهمية اختيار فلسطين لتوجيه هجرات اليهود اليها. ومن الغرابة بمكان ان نجد السوفييت ينادون من جانبهم بان تكون فلسطين مستقرا للاجئين والمشردين اليهود القادمين من دول أوروبا الغربية في أعقاب الغزو النازي، في حين نجد الدول الغربية تدعو إلى ان تكون فلسطين مستقرا للاجئين اليهود الوافدين من الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية. انها المصالح ولا شيء غيرها تتولى تحديد مسارات السياسات والعلاقات الدولية المتشابكة وتوجيهها بالشكل الذي تراه تلك الدول يقدم الأفضل لها ولمصالحها .

 

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *