أوروبا “الكورانية” بين نهاية ليبرالية متوحشة والسير نحو إشتراكية إنسانية / أ.د. جمال الشلبي

أ. د. جمال الشلبي* ( الأردن ) – الإثنين 6/4/2020 م …

عندما نشر الكاتب الأمريكي الشهير فرانسيس فوكوياما كتابه” نهاية التاريخ” عام 1992 متغنياً بانتصار الغرب بقبيادة الولايات المتحدة الأمريكية وقيمه الإنسانية، ونظامه الديموقراطي، ومبادئه الاقتصادية الليبرالية على المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي وكتله الشرقية بعد “حرب بارده” امتدت نصف قرن تقريباً 1945-1989 شابها تنافس أيديولوجي، وحروب بالوكالة، ونماذج  تنموية متنافسة ..وغيرها، لم يكن يدر في خلده بأن نشوة الانتصار هذه لن تدوم طويلاً!!ً.




فبعد مرور أقل من 30 عاماً من تنبؤه القائم على فكرة أن العالم قد وصل إلى نهاية تطوره الفكري والأيديولوجي نحو الإنسان والمجتمع والدولة، وان “العولمة” بما تشمل من ثورة معلومات واتصالات لم يشهد العالم مثلها من قبل” كفيلة” أن تعمم هذا النجاح على كل أطراف المعمورة، يأتي فايروس كورونا ليكشف عن الوجه القبيح لهذه “الليبرالية الجديدة” ليس فقط  إزاء أعدائها الذين يرون فيها شكل من أشكال الهيمنة، والسيطرة، وخلق “روح التبعية” الاقتصادية والسياسية والثقافية بل وأيضاً داخل دولها التي تتبناها ومجتمعاتها الإنسانية التي أصبحت تعاني من أيديولوجيتها ” البربرية”، وهي المدارة من جانب “حفنة” من الرأسماليين المحليين والمرتبطيين بمؤسسات مالية دولية لا تنظر إلى الإنسان وحياته إلا بمنظار الربح والخسارة، وبما يتماشى مع طموحاتها ومصالحها الذاتية فقط

وتعد أوروبا “النموذج المثالي” لمعرفة مدى تعرية فايروس كورونا الركائر والقيم والمبادئ التي تقوم عليىها الليبرالية الجديدة المتوحشة بشكل أكثر مما هو موجود في الولايات المتحدة الأمريكية التي عممتهاعلى حلفائها الأوروبيين، وفرضتها عليهم كونها دائماً تذكرهم بدورها في تحريرهم من “النازيين” من ناحية، وإعادة بناء دولهم عبر “مشروع مارشال” الأمريكي من ناحية أخرى.

 وان كان صحيحاً ان التذمر من هذه “الأيديولوجيا الشرسة” برز من خلال الصراع  بين إدارة باراك أوباما وبرنامجه” أوباما كير” وإدارة دونالد ترامب وبرنامجه” قانون الرعاية الصحية” الذي حرم 14 مليون مواطن أمريكي من التأمين الصحي، عندما حسمت إدارة ترامب الليبرالية الجوفاء قرارها عام2017، مؤكدةً غبائها بدفع أمريكا ثمنه  الآن في ظل فايروس كورونا وما بعده.

اليوم، يعيش الأتحاد الأووربي في ظل أزمة فايروس كورونا أصعب لحظاته القاتلة التي لم يشهد مثلها منذ الحرب العالمية الثانية 1939-1945؛ فأعداد الوفيات تزداد بين سكانه البالغ 511.8 مليون نسمة ضمن جغرافيته الممتدة على 27 دولة ليصل عدد المصابين بهذا الفيروس إلى 610846 إصابة، ووفاة 44132 شخص.

وهناك شعور سائد لدى الجميع، الرسمي والشعبي، بأن ” الأوروبي” لم يقم بواجبه تجاه أعضائه، لا من حيث التضامن الصحي في حده الأدني، ولا من حيث التضامن المالي الرمزي، أو حتى التضامن المعنوي المتوقع، لا سيما بعدما أغلقت دول الاتحاد الأوروبي حدودها عن بعضها البعض دون أي تنسيق بينها أو توجيه من المفوضية الأوروبية، ناهيك عن غياب أي استراتيجية منظمة ومدروسة من جانب بروكسيل العاصمة الأوروبية صاحبة الأمر والنهي!.

وتتبدى سودوية “المشهد الأوروبي” الرسمي إذا ما تذكرنا بأن دول الاتحا الأوروبي ما زالت تحظى بالمراتب الأولي في أعداد الضحايا بسبب الفايروس مثل إيطاليا التي بلغ أعداد خسائرها البشرية إلى الآن 14682وفاة، وحلت إسبانيا بالمرتبة الثانية بعدد 11744 وفاة، في حين بلغ عدد الوفيات الفرنسية 6507 وفاة بالمرتبة الثالثة أوروبياً!!.

ولسوء الحظ – أو ربما لحسن الحظ – للبشرية ومنها أوروبا واتحادها المدان، فقد عرى فايروس كورونا المؤسسات الصحية وبرامج الرعاية للجمعيع ووالتأمينات الصحية للدول الغربية الديموقراطية الغنية والصناعية، وعرى كذلك المقولات السياسية والأيديولوجية    ” الرنانة” القائمة عليها هذه الدول، وقيمها الليبرالية الجديدة بصورها الأكثر قسوة وعنفاً في الغرب عموماً وأوروبا خصوصاً.

وفي ظل انتشار الفايروس وعدم وجود دلائل على نهايته بالمنظور القريب، وفي ظل غياب الخيارات المتاحة وإمكانية الانهيارات التامة للاقتصاديات الأوروبية، بادرت “النخبة الأوروبية” الحاكمة على طرح نموذجين لمعالجة آثار انتشار فايروس كوروناعلى “الفضاء الأوروبي”؛ منطلقة من من السهل إلى الصعب، ومن المتاح إلى الممكن، ومن الحالي إلى المستقبلي. وتتمثل هذه الاستراتيجية ببعدين:

الأول: عملية التدخل السريع مالياً

يتمثل بضخ أموال ضخمة لتحريك الاقتصاد ودعم الشركات والعمالة فيها، كما فعلت ألمانيا بوضع صندوق بقيمة 550 مليار يورو لهذه الغاية، واتباع سياسة ” دعم بلا حدود”.

في حين أقرت الحكومة الفرنسية برئاسة إدوارد فيليب مبلغ 45 مليار يوروو لمساعدة الشركات والموظفين على اعتبار أن فايروس كورونا يفرض”حرباً اقتصادية ومالية”. إيطاليا من جهتها وهي الدولة الأكثر تأثراً بفايروس كورونا رصدت 25 مليار يورو لانقاذ ما يمكن إنقاذه، مع إجراءات صحية صارمة باغلاق كل شيء تقريباً، ودفع رواتب الشركات من ميزانياتها الخاصة، في حين كرست إسبانيا 20.25 مليار يورو، والسويد51 مليار يوور، والدنمارك 15 مليار.

ثانياً: التأميم!

قد تبدو هذه الاستراتجية نوعاً من” الردة ” المحرمة من الناحية السياسية والاقتصادية في إطار الليبرالية الجديدة التي هيمنت على العالم منذ نهاية القطبية، وتسيد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الأوروبين من عام 1990 وإلى الآن. فها هو وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي برونو لومير، يعلن في 17 آذار/ مارس 2020 عن استعداده لاستخدام “كل الوسائل”، بما في ذلك “التأميم”، “لحماية” الشركات الفرنسية المهددة من قبل وباء فبيروس كورونا؛ وقد بدأت فرنسا باعداد لائحة بأسماء الشركات التي قد يتم تأميمها مستقبلاً.

الملاحظ بأن قرار فرنسا جاء بعد 4 أيام من إعلان وزير المالية الألمانية بيتر ألتماير من الحزب الديموقراطي المسيحي يوم 13 آذار/ مارس 2012 بأنه “لتجنب

لتجنب حالات الإفلاس وإنقاذ مئات الآلاف من الوظائف، قد يفكر في الاستحواذ على ممتلكات الدولة في الشركات الكبرى؛ أي” التأميم المؤقت” كما قال!.

وبالنسبة لإيطاليا ذات “الروح الاشتراكية” منذ أن كانت الأحزاب الشيوعية والاشتراكية تستحوذ على ثلث مقاعد البرلمان في سبعينات القرن الفائت، كونهم التيار الذي واجه الفاشية والنازية في الحرب العالمية الثانية، فقد أعلنت بأنها جاهزة لتأميم شركة الطيران الوطني” أليطاليا” برصد مبلغ 600 مليون يورو لقطاع الطيران الوطني ككل تكون لـ “أليطاليا”منه “حصة الأسد” حسب وزير النقل الإيطالي باولو ميشيلي الذي أكد” أن تجربة كورونا عززت لدي الفكرة بأن شركة الطيران الوطنية هي شركة استراتيجية لبلدي”.

بالتأكيد، يجب أن لا تشتاحنا السذاجة بالظن أو الاعتقاد بأن مفهوم” التأميم” سيكون بالطريقة الاشتراكية السوفييتية أو المصرية المعروفة لدى الجميع، بل هو شكل من تأكيد دور “الدولة الوطنية” وقدرتها على تطمين المستمثرين والمساهمين، سواء الأجانب منهم أو المحليين، عبر المال الوطني الضامن، بالإضافة إلى حماية الاقتصاد الوطني ومساندة الشركات الصغيرة والوسطى وموظيفها على البقاء والاستمرار.

وتبقى التساؤلات قائمة ومتمثلة بمجموعة من الأسئلة السياسية التي تحتاج إلى إجابات في المستقبل:

  • هل حقاً غير فايروس كورونا الرؤى والأفكار الوطنية والأيديولوجيات العالمية؟

  • وهل من الممكن التخلص من “إرث” الليبرالية الجديدة بعدما قامت بافلاس الدول قبل شعوبها؟

  • وماذا عن موقف الولايات المتحدة الأمريكية في حالة تعمقت “مغامرة” الاتحاد الأوروبي بالابتعاد عن” الليبرالية الجديدة” الأمريكية؟

  • كيف يمكن أن تتجه دول الاتحاد الأوربي الأغنى والأكثر تأثراً بانعكاسات فايروس كورونا على اقتصادياتها في حين أنها تعاني أصلاً من مديونية- باستثناء ألمانيا بالطبع – تصل إلى 2.14 تريلون$، تمثّل 134.4% هذا العام من الناتج  المحلي الاجمالي الإيطالي، والحال نفسه لفرنسا التي لديها ديون وصلت إلى 2 تريليون و380 مليار يورو يمثل 098.1% من الناتج المحلي الاجمالي أيضاً؟

  • وهل يمكن أن تسهم قضية “الديون القاتلة” في دفع أوروبا نحو “اشتراكية اجتماعية” على “المنوال الأوروبي” وليس المنوال السوفييتي السابق وكتلته؟!!

*أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الهاشمية

[email protected]

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *