دراسة مختصرة … المسطرة التشريعية، بين بطء الإجراءات واللاديمقراطية / فدوى شوقي و كمال ازنيدر

الأردن العربي – الثلاثاء 10/3/2020 م …




(*) فدوى شوقي : باحثة في الأداء السياسي والمؤسساتي

(*) كمال ازنيدر : كاتب إسلامي وباحث في الأداء السياسي والمؤسساتي

المسطرة التشريعية، وما أدراكم ما المسطرة التشريعية ؟! واحدة من المصطلحات القانونية التي يصعب الخوض في تأصيلها المفاهيمي. فهناك شح على هذا المستوى. بل هناك جفاف حاد تستعصي معه صياغة مقدمة جيدة لكل موضوع سيكون محوره الأوحد والأساسي هو المسطرة التشريعية. فالتعاريف، تقريبا هي هي. بل هناك تعريف واحد فقط لا غير، يصاغ هنا وهناك بطرق مختلفة. بالتالي لإغناء مثل هذه المواضيع في شقها المفاهيمي، فليس هناك مفر من الاجتهاد أكثر والعمل على إبتداع تعاريف ومقاربات تحليلية أو تأملية جديدة.

المسطرة التشريعية أو الإجراء التشريعي – بشكل مختصر ـ هي طريقة سن القوانين. هي مجموعة القواعد المتبعة من قبل الحكومة والبرلمان لتحويل المبادرة التشريعية من اقتراح أو نص مقترح إلى قانون جاري به العمل. بتعبير آخر، يمكن القول بأنها القنطرة التي لا مفر للمبادرة التشريعية من عبورها لتنضج فيها وتختمر وتتحول من مخيال إلى واقع.

طور هي يبدأ بالمبادرة التشريعية، أي من لحظة التقدم بمقترح أو مشروع القانون، وينتهي باعتماد هذا المقترح أو مشروع القانون ودخوله حيز التنفيذ. إجراءاتها تقتضي تعاونا مستمرا بين المؤسسات البرلمانية والحكومية وكذا القضائية في شخص المحكمة الدستورية. كما يتخللها تدخلا للمؤسسة الملكية في شخص الملك في المرحلة الختامية. وقد تعرف كذلك تدخلا في مراحلها الأولية للمواطنين وبشكل غير مباشر منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية.

بشكل عام، يمكن القول بأن المسطرة التشريعية هي عبارة عن مسار متشكل من ثلاث مراحل رئيسية :

– مرحلة إيداع المبادرات التشريعية ؛

– مرحلة فحص هذه المبادرات التشريعية من قبل المؤسسة البرلمانية ؛

– مرحلة المصادقة على المبادرات التشريعية والأمر بتنفيذها من قبل الملك.

المرحلة الثالثة أو الأخيرة، قد يتم استباقها بمرحلة أخرى وهي مرحلة الإحالة المحتملة أو المرتقبة للمبادرة التشريعية على المحكمة الدستورية لفحص مدى توافقها مع نص أو روح الدستور.

وهذا ما يدفع للقول أن القوانين تولد دائما بعد مبادرة، ثم مناقشة، ثم تصويت، ثم مصادقة وأمر بالتنفيذ ثم إعلان للعموم ونشر بالجريدة الرسمية.

الروح التي تسود مسطرة التشريع هذه هي روح البحث عن توافق بين مختلف فاعلي هذه المسطرة وخصوصا فاعليها الرئيسيين، أي التشاور والعمل المشترك بغية التوصل إلى اتفاق على تشريع أو نص تشريعي يرضي جميع الأطراف وعلى وجه الخصوص مجلسي البرلمان معا.

في إطارها، المبادرة التشريعية تتبع سيرا من الذهاب والإياب بين مجلس النواب ومجلس المستشارين : وهذا السير أو المسار هو ما يصطلح عليه بالمكوك أو التبادل المكوكي.

هذا المكوك أو التبادل المكوكي، في ظل دستور 1996، إذا لم يؤد إلى اعتماد نص مشترك من قبل المجلسين أو إذا استغرق الأمر وقتا طويلا، فقد تقرر الحكومة اللجوء إلى إجراء توافقي عبر تشكيل لجنة ثنائية مختلطة من أعضاء المجلسين مهمتها اقتراح نص مشترك متوافق عليه بشأن الأحكام التي مازالت موضع خلاف بين غرفتي البرلمان.

في حالة فشل محاولة التوفيق هذه، تلجأ الحكومة عموما للإمكانية المتبقاة لها وهي ترك الكلمة الأخيرة لمجلس النواب الذي لا يمكنه في هذه الحالة أن يقر النص المعروض عليه بشكل نهائي إلا بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء المتألف منهم عليه بنعم.

هذا الأمر لم يعد منصوصا عليه في دستور 2011. لكن غياب التنصيص عليه في الوثيقة الدستورية المعمول بها اليوم لا يعني بالضرورة أن هناك مانع دستوري يمنع الحكومة من اللجوء إلى محاولة التوفيق هذه. فقط ينبغي الحصول على موافقة مجلس النواب الذي يعود له في ظل الدستور الحالي التصويت النهائي على المبادرات التشريعية.

المبادرة التشريعية، بمجرد اعتمادها، تتم إحالة نصها أو نصوصها إلى الأمانة العامة للحكومة. ثم بعد ذلك يصدر الملك الأمر بتنفيذ القانون خلال الثلاثين يوما التالية لإحالته إلى الحكومة بعد تمام الموافقة عليه. ثم ينشر القانون الذي صدر الأمر بتنفيذه، بالجريدة الرسمية للمملكة، خلال أجل أقصاه شهر ابتداء من تاريخ ظهير إصداره.

هذه العملية، قد يتم استباقها – كما سبق وأشير لذلك – بعملية أخرى وهي الإحالة الإجبارية أو الاختيارية للمبادرة التشريعية على المحكمة الدستورية للبث في مدى توافقها أو تعارضها مع نص أو روح الدستور.

كل هذه المساطر والمراحل التي تمر عبرها مشاريع ومقترحات القوانين قد تقود إلى البطء في عملية التشريع، سواء بسبب طول وكثرة الإجراءات أو بسبب تداخل الاختصاصات وما قد ينتج عنه من عرقلة أو فرملة للعمل التشريعي بسبب تنازع المصالح، كما قد تقود إلى تبديد الديمقراطية وتكريس ديكتاتورية البرلماني إن لم يتم صياغتها بشكل فائق الذكاء يسمح بتجاوز البطء وكذا باحترام الإرادة الشعبية في الصناعة التشريعية.

1) مشكل البطء في عملية التشريع :

المسطرة التشريعية – كما يتضح – هي بمثابة التجهيزات الطرقية والقوانين المنظمة لحركة السير والمرور بالنسبة للحياة البرلمانية. تعقدها بشكل أكثر من اللازم ينتج عنه البطء في العمل التشريعي لمؤسسة البرلمان. وصياغتها أو هندستها بشكل غير محكم يؤدي لا محالة إلى العبث والفوضى في الحياة التشريعية. وهذا ما يجعل مهمة تحديد حلقاتها ومراحلها بشكل يوفق بين السرعة والعقلانية مهمة جد صعبة. فإذا كانت المبادرات التشريعية هي روح العمل البرلماني، فالمسطرة التشريعية هي بمثابة الجسد الذي تنتعش فيه أو تختنق هذه الروح.

ولهذا نرى اليوم أنظمة برلمانية تسارع إلى البحث عن سبل وآليات جديدة لتجويد مسطرتها التشريعية وجعلها أكثر ديناميكية. إيطاليا، كانت من الدول السباقة إلى تحديث نظامها البرلماني. فحتى عام 1993 كان النظام الإيطالي يمنح للغرفتين معا نفس المهام ونفس الاختصاصات. لكن بعد هذا تمت شيئا ما التفرقة بين مهام واختصاصات كل من المجلسين المشكلين للبرلمان الإيطالي.

وعلى مستوى جمعية مجالس الشيوخ لأوروبا، كان هناك نقاش دائر حول الثنائية البرلمانية ومدى تسبب الغرفة الثانية في بطء المساطر التشريعية. وقد أبرز هذا النقاش مجموعة من الأفكار وسلط الضوء على مجموعة من المغالطات، أهمها ما جاء على لسان كريستيان بونسليه الذي كان يشغل منصب رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي منذ عام 1998 حتى عام 2008 والذي كان له الفضل في طرح السؤال التالي وفتح نقاش حوله :

ـ “هل من الضروري حقا، على سبيل المثال، أن يتم عرض الميزانيات على المجلسين معا ؟”.

مثال آخر، البرلمان الفرنسي والذي لتفادي إعادة تكرار نفس الأشغال والمناقشات حول المبادرات التشريعية باللجن والجلسات العمومية أقر تعديلات مسطرية جديدة تجعل أعمال اللجن تنصب على ما هو تقني أو فني وتترك ما هو سياسي للجلسات العمومية.

بالنسبة لبعض المبادرات، قد يتم إجراء مناقشة كاملة لنصها أو نصوصها على مستوى اللجن. فقط التفسيرات المتعلقة بطريقة التصويت وكذا عملية التصويت التي سيتم إجراؤها في الجلسة العمومية. ويستثنى من هذا التعديل مشاريع ومقترحات التعديلات الدستورية، مشاريع قوانين المالية ومشاريع قوانين تمويل الضمان الاجتماعي.

ما أقدم عليه البرلمان الفرنسي من تعديل للمسطرة التشريعية هو التعديل الذي نأمل أن نراه على مستوى البرلمان المغربي الذي أصبح من مميزاته وسماته الأساسية ضياع الوقت وإعادة تكرار نفس الملاحظات والأسئلة بشكل يرهق أعضاء الحكومة ويتسبب في ضجر ونفور المتتبعين للنشاط البرلماني بل وحتى البرلمانيين أنفسهم… ناهيك عن تراكم المبادرات التشريعية العالقة بسبب مساطر لا تستقيم معها الحياة البرلمانية وتسير عبرها المبادرات التشريعية وخصوصا مقترحات القوانين بخطى حلزونية.

2) مشكلة غياب التعبير عن إرادة المواطنين :

البرلمان هو نظريا تجسيد للديمقراطية. هو المؤسسة المحورية التي من المفروض أن يتم التعبير من خلالها على الإرادة الشعبية. لكن ما هو نظري شيء، والواقع شيء آخر. ما هو من المفروض أن يكون شيء، وما هو كائن شيء آخر. فالبرلمان ببلدنا الحبيب قد يكون انعكاسا لإرادة أي شيء إلا لإرادة المواطنين. وأمام هذا الوضع المعاش منذ عقود جد طويلة يبقى السؤال مطروحا : متى ستكون لدينا بالمغرب مسطرة تشريعية، مصممة وفقا لخصوصيات الواقع البرلماني المغربي ومتطلبات الطبقات الشعبية، تقلص من هامش الحرية لدى البرلمانيين وتفرض عليهم التعبير عن إرادة الشعب لا إرادتهم الشخصية أو الحزبية في كل عمل من أعمالهم البرلمانية ؟

فنحن نتحدث كثيرا عن البرلمان كمؤسسة لصناعة التشريع، لكننا نهمل بشكل كلي أو شبه كلي الحديث عنه كمؤسسة لتفعيل الديمقراطية والتعبير عن الإرادة الشعبية. نركز على دستورية التشريع، لكننا نغفل الأهم وهو مدى ديمقراطية هذا التشريع وتماشيه مع الإرادة الشعبية. فليس كل ما هو دستوري هو ديمقراطي. ما هو دستوري قد يكون غير ديمقراطي وشكلا من أشكال الديكتاتورية أو السلطوية البرلمانية. بالتالي ما السبيل لدمقرطة عمل المشرع البرلماني وجعله معبرا عن إرادة المواطنين ؟ أخذا بعين الاعتبار الفجوة الكبيرة التي قد تحدث بين العمل التشريعي لمؤسسة البرلمان وإرادة المواطنين والتي قد ينتج عنها العزوف السياسي ومقاطعة الانتخابات، أو لم يحن الوقت بعد لسن آلية رقابية تمكن من فحص مدى ديمقراطية التشريع وتسمح بإلغائه في حالة إذا لم يكن معبرا عن الإرادة الشعبية ؟

هذا من جهة. من جهة أخرى، فبموجب الفصل 79 من دستور 2011 للحكومة أن تدفع بعدم قبول كل اقتراح أو تعديل لا يدخل في مجال القانون. كل خلاف في هذا الشأن تبت فيه المحكمة الدستورية في ظرف 8 أيام بطلب من أحد رئيسي المجلسين أو من رئيس الحكومة، مما يمكن الحكومة من السيطرة على السلوك البرلماني في المجال التشريعي وتوجيهه أكثر لما يكفل لها تمرير مشاريع قوانينها كما هي دون إحداث أي تغييرات تمس جوهرها، وكذا اتخاذه كوسيلة ضغط مستمر ودائم لكسر عزيمة أعضاء البرلمان وبالتالي ضمان عدولهم عن معاودة تقديم التعديلات التي قد تربك عمل الحكومة. وفي هذا تقييد لقدرة البرلمان على مزاولة وظائفه الأصيلة في التشريع والمراقبة، وفرض لنوع من الرقابة المقننة دستوريا على نشاطاته، مما يضعف من أدائه وفعالية تأثيره في سير ونجاعة المؤسسات.

فالديمقراطية التمثيلية كما هي معمول بها في بلدنا هذا هي غير ديمقراطية بما فيه الكفاية ولا تمثيلية بالشكل الكافي، لكي لا نقول بالمرة، لإرادة المواطنين. نفس الشيء نلمسه بأوروبا لكن بحدة أقل. فالممعن النظر في المجتمع الأوروبي سيرى من دون شك علامات على وجود أزمة في الديمقراطيات التمثيلية الأوروبية، نذكر منها على سبيل المثال : تزايد عدم ثقة المواطنين في رجالات السلطة، زيادة الامتناع عن التصويت بين الشباب والفئات الشعبية، ضعف الأحزاب السياسية التقليدية، تصاعد التصويت لليمين المتطرف، وتحكم المنظومات الاقتصادية في المنظومات السياسية، إلى آخره.

هيكليا، العديد من التساؤلات كانت تطرح وماتزال حول الطابع الديمقراطي لمؤسسات الديمقراطية التمثيلية. طوال تاريخها، واجهت هذه المؤسسات العديد من الانتقادات لعدم قربها بما فيه الكفاية من المبادئ التي تدعي العمل على ضمان حمايتها : مبادئ المساواة، الحكم بواسطة الشعب، إلى آخره. مونتسكيو وروسو، وقبلهم أرسطو، كلهم كانوا يعدون الحكم التمثيلي نظاما أرستقراطيا تمارس فيه السلطة من قبل نخبة صغيرة مستنيرة تفرض توجهاتها على بقية الشعب. وفي القرنين التاسع عشر وبداية العشرين، انتقدت الحركة العمالية مؤسسات الديمقراطية التمثيلية لعدم تمثيليتها لمصالح العمال وعدم مساواتها بين جميع المواطنين.

واليوم مازال الشك يحوم حول مقدرة الديمقراطية التمثيلية على إنتاج ممثلين منتخبين يمثلون الناخبين بشكل فعلي وفعال. فمصالح الممثلين المنتخبين لا تتطابق بالضرورة مع مصالح ناخبيهم. فكمثال بسيط، غالبا ما يحدد الممثلون لأنفسهم رواتب ومعاشات لا ترضي من قاموا بانتخابهم. كما أن تجمع السلطة السياسية في أيدي أقلية يميل إلى التشجيع على الفساد. الممثل المنتخب غالبا ما يجد نفسه منقسما بين مصلحته الفردية والمصلحة الجماعية لناخبيه. كما يمكن أن يخضع كذلك لتأثير بعض اللوبيات عليه.

نقطة أخرى، غالبا ما يكون من المستحيل على المرشح الفوز في الانتخابات دون الترشح تحت قبعة حزب سياسي. ونتيجة لهذا، قد يجد الممثل السياسي نفسه مضطرا إلى التحرك ضد قناعاته وآمال منتخبيه والامتثال للتعاليم والتوجيهات الحزبية للحزب الذي ترشح باسمه في الانتخابات. ناهيك عن كون هذا الحزب هو قد يجد نفسه مضطرا هو الآخر لمكافأة الممونين لحملاته الانتخابية ونشاطاته الحزبية بإيثارهم على منافسيهم، تبسيط معاملاتهم وإجراءاتهم الإدارية، منحهم صفقات عمومية، إلى آخره.

كل هذه النواقص والثغرات وما تسمح به من انحرافات وانزلاقات، تفرض إعادة النظر في نماذج الديمقراطية التمثيلية. فالعديد من بلدان العالم اليوم، أصبحت تسعى إلى تطوير وتعزيز المشاركة المواطنة باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة. فاستخدام الإنترنت، على وجه الخصوص، جعل من الممكن إلغاء الحواجز المكانية عن طريق إزالة القيود الجغرافية، والإكراهات الزمنية عبر إمكانية الفورية، وكذا تقليل التحملات المادية عن طريق التقليص من تكاليف تنظيم عملية التصويت. وبهذا أصبح بإمكان المواطنين المشاركة بسهولة أكبر، وبشكل مباشر وكذا فوري في صناعة التشريع.

فالاستخدام الجيد والاستغلال الحسن لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة من شأنه المساهمة في بعث روح الديمقراطية من جديد. هو سيسمح لا محالة بإحياء الديمقراطية، وسيصالح بين المواطنين والممارسة السياسية، ممكنا إياهم بالمشاركة والمساهمة في عملية صنع القرار، الشيء الذي سيمكن من تحقق الوعود الديمقراطية بخصوص حكم الشعوب لذاتها بنفسها وجعلها عمليا مبلورة ومفعلة على أرض الواقع.

كما أنه قد يعفينا من مؤسسة البرلمان في شكلها التقليدي ويمكننا من توفير المبالغ الباهظة التي ننفقها من ميزانياتنا على رواتب ومعاشات النواب البرلمانيين وبقية مصاريفهم. فالإستعمال الأمثل للتكنولوجيا الحديثة، من شأنه أن يغنينا عن الحاجة إلى إجراء عمليات انتخابية واختيار نواب يمثلوننا في مؤسسة البرلمان ويمكننا من تمثيل أنفسنا بأنفسنا وإبداء آرائنا بشكل مباشر عبر موقع لبرلمان إلكتروني. فاليوم، مع التقدم التكنولوجي الذي شهده العالم، إمكانية تفعيل الديمقراطية المباشرة والعمل بها بدون معيقات ولا مشاكل أصبحت بلمسة زر ممكنة.

ففي فترة ما بين الحربين العالميتين، اعتماد التمثيلية النيابية أدى إلى الاستيلاء على الديمقراطية وخلق أوليغارشية منتخبة حلت محل الشعب، كما أكد على ذلك ريمون كاريه دي مالبرغ. في “مبادئ الحكم التمثيلي”، يستحضر برنارد مانين هذه المفارقة الغريبة : في حين أن “الحكم المنظم وفقا للمبادئ التمثيلية تم اعتباره، في نهاية القرن الثامن عشر، مختلفا بشكل راديكالي عن الديمقراطية، أصبح اليوم يعد شكلا من أشكالها”.

الرأيين معا يحيلاننا على المقولة الشهيرة لجان جاك روسو : “لا يمكن أن يكون هناك تمثيل في السيادة، لنفس السبب الذي يجعلها غير قابلة للتنازل، فهي تتكون أساسا من الإرادة العامة، والإرادة لا تمثل مطلقا ؛ فهي إما أن تكون هي نفسها أو تكون شيئا آخر، وليس هناك حل وسط. ومن تم فإن نواب الشعب ليسوا ممثليه ولا يستطيعون أن يكونوا ممثليه، إنهم ليسوا سوى وكلاء مكلفين، فلا يستطيعون البت في شيء بصورة نهائية. ويعتقد الشعب الإنجليزي أنه حر، ولكنه مخطئ تماما ؛ فهو لا يكون حرا إلا أثناء انتخابات أعضاء البرلمان، ولكنه بمجرد أن يتم انتخابهم يصير الشعب عبدا، فهو ليس شيئا على الإطلاق. فطريقة استعماله لحريته في فترات الحرية القصيرة تجعله جديرا بأن يفقدها”.

الاستيلاء أو التحول هذا يمكننا اليوم الانقلاب عليه بفضل تقنيات التواصل الجديدة بالشكل الذي تم ذكره سابقا، أو على الأقل عبر خلق موقع برلماني يسمح بمراقبة عمل البرلمانيين عبر نشر مقترحاتهم وعمليات تصويتهم، إلى جانب سن مساطر تشريعية تمكن ناخبيهم من الطعن في قراراتهم إذا لم تكن معبرة عن إرادتهم الجماعية أو الغالبية. فكما قال إميل تشارتير : “إن ما يحدد الديمقراطية ليس أصل السلط، إنما الرقابة والسيطرة المستمرة والفعالة التي يمارسها المحكومين على الحكام”.

فتحكم الناخبين في منتخبيهم شرط أساسي وضروري لتحقق الديمقراطية. ولهذا يجب تقييد المنتخب بقيود قانونية لضمان عدم انحرافه وإفراطه في استخدام السلطة الموكلة إليه. فعندما يقترح قانون في مجلس الشعب، فما يطلب منه ليس بالضبط إبداء موافقته الشخصية عليه أو رفضه، وإنما تمثيل ناخبيه والتعبير عن رأيهم العام بخصوص هذا القانون بالبت إذا ما كان مطابقا أو لا لإرادتهم الجماعية أو الغالبية، كما أكد على ذلك جان جاك روسو الذي حدد مهام البرلماني وصلاحياته في ما يلي :

– كل نائب لا يمثل إلا الدائرة الانتخابية التي قامت بانتخابه ؛

– كل نائب هو وكيل شخصي لناخبي دائرته ؛

– كل نائب يتقيد بتعليمات الناخبين الذين يمثلهم ويسهر على العمل على حسن تنفيذها ؛

– كل نائب هو عرضة للعزل من قبل ناخبيه عن طريق سحب الوكالة منه في حالة إخلاله بمهامه النيابية ؛

وكل قراراته وتصرفاته التي يقوم بها والتي لا يكون مصدرها التعليمات التي يتلقاها من الناخبين هي عرضة للإبطال.

فأساس القانون ومصدر الحكم وكذا روح الديمقراطية ونبض قلبها هو الشعب. المواطنون هم أصحاب الكلمة الأولى والأخيرة في تدبير وتسيير شؤون دولتهم. بالتالي ضروري من قوانين ومساطر تحمي الإرادة الشعبية، تضع قيودا على حرية الحاكم أو النائب وتمنعه من الانقلاب على الشعب والعودة به إلى أزمنة العبودية.

لائحة المصادر والمراجع :

 

  1. Tam Tran Huy, “Accélérer la procédure législative ? Oui… mais”, La chaîne officielle du Sénat français “Public Sénat”, Lien web : https://www.publicsenat.fr/lcp/politique/accelerer-procedure-legislative-oui-1035910
  2. Règlement de l’Assemblée Nationale (Septembre 2019)
  3. Association des Sénats d’Europe, Les Sénats et la qualité de la législation, Hémicycle du Sénat de Belgique – Mardi 13 novembre 2001 – [En ligne : https://www.senate.be/doc/misc/seneurop_13-11-2001_fr.pdf]
  4. Jean-Jacques Rousseau, Du contrat social ou principes du droit politique, Editions Magnard – Paris (1986)
  5. Ariane Vidal-Naquet, Le citoyen co-législateur : quand, comment, pour quels résultats ?, L’unité mixte de recherche Droits international, comparé, européen [En ligne : https://dice.univ-amu.fr/sites/dice.univ-amu.fr/files/public/1.2.avidalnaquet_ccd5_0.pdf]
  6. Sylvain Allemand, La démocratie : une idée simple et… un problème, Sciences Humaines, Mensuel N° 81 – Mars 1998 [En ligne : https://www.scienceshumaines.com/la-democratie-une-idee-simple-et-un-probleme_fr_9818.html]
  7. Loïc Blondiaux, La démocratie participative, Ressources en Sciences économiques et sociales, Écoles normales supérieures [En ligne : http://ses.ens-lyon.fr/articles/la-democratie-participative-entretien-avec-loic-blondiaux]

(*) فدوى شوقي : باحثة في الأداء السياسي والمؤسساتي

(*) كمال ازنيدر : كاتب إسلامي وباحث في الأداء السياسي والمؤسساتي

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *