ملاحظات حول منهج طرح قضية الديمقراطية في النظم السياسية العربية / محمد عادل زكي

 محمد عادل زكي ( مصر ) – الأحد 23/2/2020 م …

(1)
“إن صحة حل مسألة ما إنما يرتبط بمدى صحة طرحها”، ابتداءً من إيماننا بهذا المبدأ نتقدم عبر سطورنا تلك ببعض الملاحظات “المنهجية” حول إشكالية الديمقراطية في النظم السياسية العربية. فلعل جُل المعالجات الفكرية المرتبكة، والتحرك العشوائي على أرض الواقع؛ إنما يجدا مردهما في الإصرار على تجاهل المبدأ المذكور.



(2)
لقد جرى تناول إشكالية الديمقراطية في النظم السياسية العربية انطلاقاً من نقطة بدء جوهرية تم الاتفاق عليها من قبل جُل المعالجات الفكرية، وهي (عدم وجود ديمقراطية) في هذه الأنظمة، ومن ثم صار الهدف محدداً سلفاً في المطالبة المستمرة (بتطبيق) الديمقراطية بمظاهرها المختلفة من تداول السلطة، وحيادية وسيلة إسنادها، وحرية المعارضة، وإنزال أحكام القانون على أعمال الإدارة، واحترام أحكام القضاء، والفصل بين السلطات، والمصارحة، والشفافية، واحترام حقوق الإنسان… وغيرها من مظاهر الديمقراطية السائدة في النظم السياسية الغربية.
المشكلة تكمن هنا _ وحتّى بعد الحركات الاحتجاجية في بعض بلدان عالمنا العربي_ في التعاشي عن المقولة المركزية الَّتي تنص وبوضوح على:”تتمتع مؤسسة الحكم في الأنظمة السياسية العربية، عبر تكونها التاريخي في ركاب الرأسمالية العالمية، بقدر وافر من الاستبداد المتصادم مع الديمقراطيات الغربية”. الحال الذي يُعد معه السعي إلى تحقيق الأهداف المرجوه والمنادى بها درباً من دروب اليوتوبيا؛ ما لم نكون الوعي الهيكلي بالتكون التاريخى لظاهرة الاستبداد السياسي في عالمنا العربي؛ من أجل فهم القانون الموضوعي للأزمة. الأزمة الَّتي أخذت في التشكل على أرض الواقع منذ أول عدوانية معاصرة للرأسمال الدولي على العالم العربي من خلال الهجمات الأوروبية الاستعمارية، كما سنرى، على أجزاء الوطن العربي المختلفة.
إن اعتبار البعض مقولتنا المركزية مجرد رصد لواقع يومي معاش يُمثل (خطأً منهجياً) تعين لفت النظر إليه؛ إذ أن مقولتنا المركزية يلزم أن تتعدى ذلك الاختزال، كي تحتفظ بوجودها القوي كقاعدة تحكم عمل مقولة فرعية يجرى نصها على:”وجود أزمة ديمقراطية فى النظم السياسية العربية”. إن محاولة وضع مقولتنا المركزية خارج هذا السياق هو الأمر الّذي لا يعنينا مناقشته فى مقامنا هذا، لأننا لم نقل به قط.
نقطة البدء إذاً تنبع من: الوعي بالتكون التاريخي لاستبداد أنظمة الحُكم، وهو وعي من المحظور منهجياً فصله عن الوعي بتاريخية تكون ظاهرة التخلف الاجتماعي والاقتصادي في المجتمعات العربية. يلزم هنا الوعي بالخصوصية التي تتمتع بها الأنظمة السياسية في دول الخليج العربي. تتبدى تلك الخصوصية من خلال نمط الإنتاج السائد فيها؛ والذي لم يسمح بعد بتحويل الفوائض النفطية إلى رأسمال؛ الأمر الذي ربما يفسر من جهة ما تلك الاحتمالية الضعيفة لقيام ثورات ضد الأنظمة الحاكمة فى الخليج العربي على الأقل فى الوقت الراهن؛ مع احتمالية كبيرة لقيام ثورات حقيقية ضد هذه الأنظمة في المدى البعيد، حينما تتأثر الشعوب في الخليج العربي بشكل سلبي، وهو من المتوقع، بالصراع الجدلي ما بين الريع الّذي تحصله الحكومة والربح الّذي تستحوذ عليه الشركات الإمبريالية الكبرى في مجال النفط والتعدين. وحينئذ ستبدو دفاعات الأنظمة الملكية عاجزة عن مواجهة ما سيحدث إذا ما فقدت وسائل الإعلام قدرتها، والخطوط الحمراء مهابتها في مواجهة أجيال شابة لا يتم توظيفها بشكل أمثل، ومؤسسات سياسية فاسدة، مع تراجع الالتزامات الأمريكية، وتغيرات النظم السياسية في المنطقة، ووعود إنفاق عام مُبَالغ فيها، قد تُرهق حتى ميزانيات دول الخليج الأكثر ثراءً.
(3)
إن تكوين الوعي بالتكون التاريخي لاستبداد أنظمة الحكم العربية لا يمكن تحقيقه بعيداً عن الوعي، الناقد، بخمسة أمور:
أولاً: إن عالم اليوم هو وحدة واحدة. هو كُل. هو نظام رأسمالي عالمي (يتمتع من خلاله 350 شخص بعائد سنوى يتساوى مع عائدات مليارين ونصف من السكان، ويسيطر 20% من 80% من موارده الطبيعية، وتبلغ ثروة ثلاثة من أغنى أغنياء العالم ما يُعادل المنتوج المحلي لأفقر 48 دولة، كما أن ثروة 200 من أغنى أغنياء العالم تتجاوز نسبتها دخل 41% من سكان الكوكب مجتمعين) والنسيج العربي لا يعدو أن يكون أحد أجزاء النسيج الكُلى جيوبولتيكياً.
ثانياً: هذا الكُل الملتحم، وغير المتجانس بطبيعة الحال، لم يبرز إلى الوجود بغتة، فهو نتاج تراكم تاريخي تعين لاستيعابه الوعي بعدة أفكار:
)أ) حقيقة تكون الرأسمال كظاهرة تاريخية لا تعرفها المجتمعات السابقة على الرأسمالية المعاصرة، مع الوعي بأن الرأسمال ليس مبلغاً من النقود وإنما هو علاقة إجتماعية؛ ومن هنا فإن الدولة، كتنظيم اجتماعي، داخل هذه العلاقة وليست خارجها. ونحن لا نستطيع البحث في الدولة “كشيء” مختلف عن النظام الرأسمالي أو خارج عنه.
(ب) دور الغزو الاستعماري الأوروبي في إدماج اقتصادات البلدان العربية في الاقتصاد العالمي المعاصر (العدوان الفرنسي على مصر والشام 1798، العدوان البريطاني 1807، احتلال فرنسا للجزائر 1830، احتلال بريطانيا لمصر لعدن 1839، احتلال فرنسا لتونس 1881، احتلال بريطانيا لمصر 1882، السيطرة البريطانية على السودان، ثم على عمان 1891، ثم السيطرة الفرنسية الإسبانية على المغرب1912، ثم السيطرة الإيطالية على ليبيا 1912، ثم سيطرة بريطانيا على فلسطين تحت الانتداب 1912، وعلى العراق 1920، ثم السيطرة الفرنسية على سوريا ولبنان تحت الإنتداب 1920.
(ج) دمجها كاقتصادات تابعة؛ تعكس بشكل واضح، بل فاضح، معظم الخصائص الَّتي ترتبت على إدماجها في السوق الرأسمالية الدولية وقيامها بدور محدد في تقسيم العمل الدولي. نقول دمجها كأجزاء تابعة، وطبعاً كأجزاء تابعة لنفس نمط الإنتاج السائد في الاقتصاد المتبوع، وبالتالى لنفس نمط الإنتاج المهيمن على الصعيد العالمى، وإنما بمظهر متخلف لهذا النمط، ولذلك نجد، عكس ما تقوله النظرية الرسمية للطلاب، أن التخلف الاجتماعي والاقتصادي نتيجة للاندماج في النظام الرأسمالي العالمي المعاصر، وليس سبباً لعدم الاندماج. الاندماج الَّذى يجعلنا نرصد مسألة التقسيم الدولى للعمل، في تغيره المستمر لصالح الرأسمال الدولي الساعي لفرض هيمنته على جميع الأجزاء المتخلفة من النظام الرأسمالي العالمي المعاصر.
(د) هذا الدمج يستلزم أحد أمرين: إما تبديل في الهياكل السياسية والاجتماعية بما يتلائم مع المصالح السياسية للأجزاء المتبوعة؛ تكريساً لنمط تقسيم العمل الدولي وتأكيداً لعلاقات الاستغلال. مع تأييد الانقلابات الداخلية الدموية غالباً على أي نظام حكم وطني. وإما الإبقاء على الهياكل الموالية بل وترسيخ وجودها الاجتماعي وتعزيزه، بما يضمن لها الحفاظ على المكاسب الاقتصادية التي حققتها في الحقبة الاستعمارية، وضمان استمرارها بعد استقلال البلدان المستعمَرة.
(هـ) طبيعة القوانين الحاكمة لحركة الاقتصاد الرأسمالي الدولي.
ثالثاً: هذا الكل، غير المتجانس، يتطلب الوعي بتاريخية تكونه عبر التراكم الأولي للرأسمال. أنه الوعي الذي يستلزم تكوين الموقف الرافض من فهم التراكم على أساس ميثولوجي؛ إبتداءً من هذا الموقف تعين البحث في أمرين:
(أ) سر التراكم الأولي، والَّذى لا يُعتبر سوى عملية فصل المنتِج عن وسائل الإنتاج.
(ب) الكيفية التي تم من خلالها تحقيق التراكم فى المستعمرات، وبصفة خاصة بلدان العالم العربى.
رابعاً: يتساوق التكون التاريخي للتخلف الاقتصادي والاجتماعي مع تخلف ثقافي ومعرفي (وبالتبع تخلف حقوقي وسياسي) يجد تبلوره الكامل غالباً في الصنميات العقائدية الدينية وشبه الدينية؛ كمحاولة لتلمس الخلاص من القمع اليومي وقهر الأنظمة البوليسية في إطار ميتافيزيقي غير قابل للمناقشة، أو في إطار مادي متطرف. تلك الصنميات، في لهثها غير الغائي وبطرحها ذي المدخل الآدائي، لن تجد نفسها إلا مندمجة كُليًا في منظومة الرأسمال العالمي وخاضعة لآليات حركته وقوانين تطوره، مع ادعائها الرفض، دون وعي غالباً بماهية المرفوض، وإعلانها البوهيمي محاولة تغييره، بلا خط منهجي محدد أو رؤية علمية واضحة. فمثلاً كان من غير المستهجن على الإطلاق رؤية تحالفات مريبة؛ ففى بلدان مثل مصر والجزائر، كان يقف الليبراليون بجانب الدولة ضد الحركة الإسلامية. الدولة التي سحقتهم في الماضي! ولم يكن الليبراليون وحدهم الذين اندفعوا إلى التخبط بسبب صعود الحركات الإسلامية، بل وأيضاً اليسار، الذي لم يعرف كيف يتعامل مع ما يراه نظرية ظلامية تساندها قوى رجعية، وتتغلغل في أوساط الجماعات الأشد فقراً في المجتمعات، ونتج عن ذلك نظريتين متعارضتين: النظرية الأولى: وهي التي نظرت إلى الحركة على أنها تناسخ رجعي، كنوع من الفاشية، وسادت هذه النظرية في مصر والجزائر. النظرية الثانية: وهى التي رأت في الحركات الإسلامية حركة تقدمية للمقهورين في مواجهة الإمبريالية الدولية، وسادت هذه النظرية في إيران، كما لاقت رواجاً في بعض شرائح اليسار في بعض البلدان العربية.
(ج) ويمكننا هنا أن نضيف أنه لم يكن من المستغرب إعلان بعض التيارات في حقل اليسار، كأحد أشكال اليأس، التحالف، المؤقت طبعاً، مع النظام (البرجوازي) من أجل إقامة المجتمع الشيوعي المنشود!
خامساً: وبتحول الشطر المتخلف إلى اقتصاد تابع، تتوقف شروط تجدد إنتاجه على ما يحدث في باقى الأجزاء المتقدمة والمتبوعة من النظام، فإنه يتعين أن يتحول المجتمع بأسره إلى مجتمع تابع. تابع لنمط الحياة المهيمن في الشطر المتبوع، ومن ثم تابع سياسياً لمراكز صنع القرار السياسي في الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي المعاصر. تلك التبعية السياسية التي تلائم طبيعة الحياة الاجتماعية، المكونة تاريخياً، في الشطر المتخلف والخاضع تماماً لأنظمة حكم مرتبكة ومتواطئة، حتى بعد حركات الاحتجاج في بعض البلدان العربية، إنما تميع أحياناً في ظل خلق وعي شعبوي زائف بأن النظام الحاكم نظاماً وطنياً مخلصاً؛ وهو في الواقع من أهم حلفاء الإمبريالية الأمريكية العالمية في المنطقة، وهو الأمر الذي يتجسد فى حركات الإسلام السياسي بوجه عام، وفي تنظيم الإخوان المسلمين بوجه خاص، والذي يحفل تاريخه بالتحالفات المريبة، مع التاج البريطاني بصفة خاصة، منذ ثلاثينات وأربعينات القرن الماضى. ثم عمل قيادات التنظيم فيما بعد على تجسير العلاقات مع النظام الأمريكي.
(4)
أن مراعتنا الفكرية لما هو مدون عاليه تجعلنا نتقدم ببعض من الثقة نحو طرح مجموعة من الأسئلة المنهجية والتي يمكننا بلورتها في الأتى:
(أ) هل مهم أن نسأل كيف تندمج المجتمعات العربية في المنظومة الرأسمالية العالمية؟ أم الأهم هو سؤال: إلى أي حد هي مندمجة؟ ومنذ متى؟ أزعم أن مطالعة الاتفاقية الطريفة، المسماة بالاتفاقية الاستثنائية بين شيخ البحرين والحكومة البريطانية عام 1892، قد تعيننا على الإجابة، فالاتفاقية الطريفة نصت على:”أقر أنا عيسى بن على شيخ البحرين، في وجود اللفتيانت كولينيل أ. س. تلبوت، المقيم في الخليج، بأننى بكامل إرادتي أرتبط وأوافق باسمي وباسم ذريتي ومن يخلفني على ما يلي: أولاً: ألا أكون طرفاً في أي اتفاقيات أو اتصالات بأي دولة أجنبية عدا بريطانيا العظمى. ثانياً: ألا أسمح، دون موافقة الحكومة البريطانية، بإقامة وكيل أو معتمد لأي دولة أجنبية على أرض البحرين. ثالثاً: ألا أبيع أو أؤجر أو أرهن أو أمنح، بأي طريقة أخرى، أي جزء من أجزاء البحرين لاحتلال دولة أجنبية سوى بريطانيا العظمى”.
(ب) ما مدى، وعمق، الفساد في الأنظمة السياسية العربية؟ وهو سؤال تستصحب إجابته بحثاً في طبيعة هذا الفساد وأسبابه التاريخية. كما تستدعي الإجابة بحثاً مواز في التركيبة الاجتماعية للأنظمة الحاكمة ذاتها وصولاً إلى نوع السلطة، والطبقة التي تمثلها هذه السلطة.
(ج) ما مدى التواطؤ الحاصل بين الرأسمال (كعلاقة اجتماعية) ومؤسساته الدولية وبين السلطة في الأنظمة السياسية العربية التابعة؟
(د) ما مدى التناقض ما بين الرأسمال (كعلاقة إجتماعية) وبين السلطة الحاكمة (كعلاقة اجتماعية) مضادة، أي عكس ما يسوق أيديولوجياً بأنه تحالف؛ من أجل تحييد الجماهير الغفيرة بجعلها، في مرحلة أولى، كلها في كفة واحدة على اختلاف مصالحها الطبقية، ثم جعلها، في مرحلة ثانية، خارج علاقات التناقض ما بين قطبي اتخاذ القرار السياسي، ومن ضمنه قرار تجدد الإنتاج على الصعيد الاقتصادي وما يصاحبه من سعي نحو السيطرة على شروط هذا التجدد. أنه السعي الذي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال نظام حكم وطني؛ وهذا ما يرفضه الرأسمال العالمي دائماً، وعادة ما ينجح في إجهاض معظم حركات التحرر الوطنية، ويتصدى وبكل ضراوة لكل محاولة لفك الروابط مع الأجزاء المتقدمة.
(5)
إن محاولتنا تقديم إجابة عن أسئلتنا الثلاثة السابقة يتعين أن تحرص على عدم إدانتها بثلاثة أمور:
(أ) عدم انطلاقها من الفهم المادي الجدلي للتكون التاريخي للظواهر الاجتماعية.
(ب) تخليها عن الحلول الثورية، والتفاتها عن تلك القوة، المعنوية على أقل تقدير، الكامنة في الشعوب العربية.
(ج) عدم وعيها بأن السلطة ليست عدواً في ذاتها فحسب؛ بل لما صارت معه كأداة لتكريس هيمنة ثقافة واحدة ونمط حياة وحيد. نمط لا يعطي للحياة معنى، ولا يمنحها هدفاً. نمط الحياة الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة (500 قاعدة عسكرية في 145 دولة يتمركز فيها 250 ألف موظف و650 ألف جندي) بعد أن تولت القيادة من أوروبا عقب تهميشها واختراقها سياسياً واقتصادياً وثقافياً.
(6)
إن إجابتنا عن أسئلتنا السالفة على نحو واع بما هو مدون عاليه، نفترض أنها ستؤدى بنا إلى استنتاجين أساسيين:
(أ) على صعيد الفكر، هناك أزمة أولية؛ تلك التي نطلق عليها “أزمة فهم الأزمة”.
(ب) على صعيد الواقع، هناك تحرك خاطيء في اتجاه خاطيء؛ من أجل الحصول على شيء مبهم.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *