التفاوت الطبقي في الدول الرأسمالية الإمبريالية – نموذج فرنسا / الطاهر المعز

نتيجة بحث الصور عن تفاوت طبقي"

الطاهر المعز ( تونس ) – الأحد 2/2/2020 م …  

تقديم:




كانت فرنسا، ولا تزال، من القوى الإستعمارية التي هيمنت على العديد من شعوب وبلدان العالم، ولا تزال الشعوب العربية تُعاني من الإستعمار الفرنسي المباشر للمغرب العربي، ومن نتائج اتفاق القوتين الإستعمارِيّتَيْن، فرنسا وبريطانيا، لتفتيت المشرق العربي، من خلال اتفاقية سايكس- بيكو، واحتلال فلسطين وتهجير شعبها، ومنح بريطانيا منطقة “عرابستان” العراقية لإيران، ومنح فرنسا منطقة لواء “إسكندرون” السورية لتركيا، وفي قارة إفريقيا، استعمرت فرنسا ما لا يقل عن عشرين بلد إفريقي، وبعد مرور قرابة ستة عُقُود على اتفاقيات الإستقلال الشّكْلِي، لا تزال هذه الدّول تستخدم اللغة الفرنسية، وتنتمي ثلاثون دولة إفريقية (من إجمالي 55 دولة في العالم) للمنظمة الدّولية للفرنكفونية، وهي إحدى الأدوات الرئيسية للهيمنة الثقافية الفرنسية، ولنشر الفرنسية في العالم، وعلى الصعيد العسكري، يقوم الجيش الفرنسي بعمليات عسكرية مُعْلَنَة في أفغانستان وسوريا والعراق واليمن والصومال، بالإضافة إلى ما لا يقل عن سبع قواعد عسكرية بعتادها، وجنود ينفذون عمليات حربية، في المنطقة، ويتنقلون في دول غرب افريقيا، ومن بينها ليبيا ومالي وإفريقيا الوسطى وساحل العاج وتشاد والنيجر والسنغال والغابون وغينيا وبركينا فاسو وموريتانيا، ولئن كان الهدف المُعْلَن لهذه العمليات العسكرية هو “الحفاظ على الأمن”، فإن الوقائع تُشير أن فرنسا تحاول الحفاظ على مصالحها ومصالح شركاتها التي تُهيمن على اقتصاد المُستعمرات الفرنسية التي حصل معظمها على استقلال شكلي، بين سنتَيْ 1960 و 1962، ليستمر الإستعمار الجديد، واعد الجيش الفرنسي بقوة إلى منطقة غربي افريقيا، بعد تراجع النفوذ الفرنسي أمام الصين والولايات المتحدة، وقوى أخرى… وتُسيطر الشركات الفرنسية على عدد من الثروات (النفط والفوسفات واليورانيوم والذهب والحديد…) وعلى قطاعات استراتيجية مثل البُنْيَة التّحتية والطاقة والموانئ والنقل بأنواعه، وشبكات الإتصالات والتجارة، واغتالت فرنسا ونظمت انقلابات ضد الزعماء الذين عارضو نُفُوذَها، أو حاولُوا الخروج من منطقة نفوذها…

تُسيطر فرنسا أيضًا على الموارد المالية وميزانيات وإيرادات دول منطقة “الفرنك الإفريقي”، أو “المجموعة المالية الإفريقية عبر عُمْلَة ( Franc CFA ) التي تَضُم أربعة عشر دولة، وسوف يتغير إسم العملة لصبح “إيكو”، دون تغيير جوهر الهيمنة المالية والنقدية الفرنسية على دول “الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا”، لكن الولايات المتحدة أصبحت تُنافس فرنسا (في إفريقيا) اقتصاديا، للهيمنة على قطاع الطاقة والمعادن، وكذلك عسكريا، عبر برنامج القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم” (حوالي سبعة آلاف جندي أمريكي وقواعد عديدة)، وبعد تورّط الجيش الفرنسي في مناطق عديدة في إفريقيا، منذ 2011، أصبح يحتاج لدعم الجيش الأمريكي، في مجال المعلومات والدعم اللُّوجِسْتِي، وأصبحت الحكومة الفرنسية (المُسْتَعْمِرَة) تطلب من الجيش الأمريكي (المُستعمِر) عدم الإنسحاب من المنطقة المُحيطة بالصّحراء الكُبرى، أو ما تُسمّى منطقة “الساحل الإفريقي”، وهي أراضي إفريقية، وليست فرنسية أو أمريكية، ولم تَعُد فرنسا قادرة على التخَلِّي عن الدّعم الأمريكي، ما يُظْهِر الوَهَن الذي أصاب الإمبريالية الفرنسية…

لا تزال فرنسا قوة امبريالية تدعم الكيان الصهيوني وتحتل أجزاء من سوريا وليبيا وغيرها، ضمن تحالفات دولية امبريالية، رغم الضُّعْف الذي أصابها، سواء كان ذلك في الخارج، أي في مناطق نفوذها التقليدية، مثل القارة الإفريقية، أو في الدّاخل، حيث زادت وتيرة الإحتجاجات العُمالية (إضراب الأُجراء) و الشعبية (احتجاجات أصحاب “السُّترات الصّفْراء”)، وتزامنت هذه الإحتجاجات مع زيادة الفوارق الطبقية بين الأثرياء والفُقراء، وزيادة حدّة الفقر بمختلف أشكاله، سواء كان فقْرًا نسْبِيًّا أو مُدْقَعًا (تحت مستوى خط الفقر)، وتتناول الفقرات الموالية مظاهر الفَقْر داخل الحدود الفرنسية، ما يُشير إلى استهتار الإمبريالية الفرنسية، وشركاتها العابرة للقارات، بحياة فُقراء إفريقيا، كما فُقراء فرنسا نفسها…  

من الشعارات إلى الواقع:

كان شعار الثورة الفرنسية (1789) “حرية، مساواة، أُخُوَّة”، وبعد قرنَيْن وثلاثة عُقُود تلاشت الحُرّيّة، حيث أصبحت قوات الشرطة تقمع بشكل منهجي المتظاهرين والمُحتجّين، وتُعرقل كافة أشكال معارضة السّلطة، أما الأخُوّة فلم يكن لها في يومٍ مَا مكان في فرنسا الإستعمارية، خارج الحدود وداخلها، وسوف نتناول في الفَقرات المُوالية، انعدام المُساواة، ودَوْر جهاز الدّولة في تنمية ثروة الأثرياء، بفضْل المال العام، الذي تجبيه الدّولة من الأُجراء (الضريبة على الدّخل) والفُقراء (الضرائب غير المباشرة أو ضريبة استهلاك السّلع والخدمات)، لتمنحه للأثرياء، بواسطة الإعفاء من الضريبة أو خفضها على الثروات وأرباح الشركات، ما رفع نسبة الفقر…

يمكن تعريف عدم المُساواة بعدم تساوي حظوظ أو فرص جميع المواطنين، من أجل الحصول على الخدمات، أو المنافع والمزايا، ليس في النصوص القانونية فحسب، بل في واقع الحياة اليومية…

أما في باب المساواة بين المرأة والرجل، فقد نَصّبت فرنسا نفسها، بيسارها ويمينها، بطلة المُساواة، لكن نشرت صحيفة “جريدة الأحد” (جورنال دي ديمانش) بتاريخ 21/01/2018 مقالاً عن التفاوت بين رواتب النساء والرجال، خلافًا للمبدأ القانوني “عمل مُتَساوٍ مقابل راتب متساو”، أو “نفس الراتب لنفس المنصب والمهنة”، وتتردّد النساء في اللجوء للقضاء بسبب صعوبة الإجراءات والبُطْء الشديد، وتمكنت بعضهن (في أحكام استثنائية) من إثبات التمييز ضد الدولة وضد مؤسسات القطاع العام، وعدم ترقية بعض النساء في السّلّم الوظيفي، طيلة ثلاثة أو أربعة عُقُود من العمل، خلافًا لزملائهن من الذُّكُور، وقدّرت منظمات الدّفاع عن حقوق الإنسان والنقابات، لم يقع التّبْلِيغ عن أكثر من 70% من حالات المَيْز في العمل، ومن الإعتداءات الجنسية ضد النساء، وفقدت 90% من النساء وظائفهن، بعد تقديم شكوى ضد المَيْز، بحسب دراسة نشرها المجلس الإقتصادي والإجتماعي والبيئي، وفقًا للبيانات التي أصدرها مكتب “المُدافع عن الحقوق” ( رسمي)…

مظاهر الفقر:

ارتفعت نسبة الفقر المُدقع (تحت مستوى خط الفقر) من 14,1% سنة 2017 إلى 14,7% من إجمالي عدد المواطنين، سنة 2018، أو ما يقارب 9,5 ملايين مواطن، يعيلون أكثر من  ثلاثة ملايين طفل، تحت خط الفقر (أقل من 1080 يورو شهريا)، ويعيش خمسة ملايين شخص بدخل شهري لا يتجاوز 855 يورو، من بينهم مليونان من العاملين الفُقراء، الذين يعملون بعقود مُؤقتة وهَشّة وبدوام جُزْئي، فيما يشغل حوالي ثمانية ملايين عامل وظائف لا يرغبونها، أو أقل من مستوى مؤهلاتهم وخبراتهم وطموحاتهم، وخلال الفترة المُمتدّة بين 2006 و 2016 لم يحصل 28% على أي زيادة في الراتب أو أي تقدّم في درجات سُلّم الوظيفة، بحسب معهد الإحصاء الرسمي، ويَعْسر على 21% من المواطنين توفير غذاء صحي وثلاث وجبات يوميًّا، كما يعاني 14% من البالغين من الإنكشاف المستمر للحساب المصرفي، ما يجعلهم يُسدّدون كل شهر، مبلغًا ماليا إضافيا للمصرف، لتغطية العجز “المُؤقّت”… وخلال فترة عشر سنوات ارتفعت حالات الفقر بنسبة حوالي 1% من السكان، وتوسعت الفوارق فارتفع دخل 10% من الأثرياء والميسورين، وكذلك رواتب كبار المُوظفين، بمعدل سبع مرات، مقارنة بدخل ورواتب 10% مِمّنْ يُعْتَبَرُون في أسفل سُلّم الوظائف، والسّلّم الإجتماعي، ويحصل 10% من الموظفين في أعلى السلم على رواتب تفوق 21 مرة رواتب العشرة بالمائة من العُمّال والمُوظفين في أسفل الجدول، وتضاعفت الفجوة بين الرواتب خلال أقل من خمسة عُقُود، بحسب بيانات 2018 التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الإقتصادية (رسمي)، سنة 2019، ويُشكل الراتب الدخل الوحيد للفُقراء، لأنهم لم يَرِثُوا ثروات عن أُسَرهم، أما بالنسبة لكبار الموظفين الإداريين (الكوادر، أو الإطارات) لا تُشكّل الرواتب دَخلهم الوحيد، لأنهم ورثوا ممتلكات وأراضي وعقارات وأسهم في شركات، ليُعيد الميراث إنتاج التفاوت الطبقي من جيل إلى آخر، فأصبح 10% من الفرنسيين يمتلكون نصف ثروات البلاد، وواحد بالمائة منهم يمتلكون 17% من إجمالي ثروات البلاد، فيما يمتلك 50% من الشعب الفرنسي 8% فقط من إجمالي الثروة، وارتفعت ثروات الأثرياء بدعم من سياسات الدولة، التي لا تُمثل سوى مصالح البرجوازية، والتي قَرّرَتْ خفض الضرائب على الثروات وعلى العائدات المالية للأسهم وأرباح الشركات، بالتوازي مع خفض بعض المِنَح والمزايا والخدمات الإجتماعية المُقدّمة للفُقراء، وكانت هذه “المزايا الإجتماعية” (المِنح المدرسية ومِنح الضّمان الإجتماعي، والدّعم المالي لبعض أصناف الفُقراء) تُساهم في رَفْعِ دخل الفقراء، وانعكست هذه القرارات السياسية سَلْبًا على أبناء الفُقراء والفئات العاملة، التي تمثل الطبقات أكثر من نصف السكان، لكن عدد أبناء كبار الموظفين الإداريين الذين يتابعون تعليمهم الجامعي، يفوق ثلاثة أضعاف عدد أبناء العُمال والكادحين والفُقراء، الذين لا يُشكّلون سوى 12% من إجمالي عدد طلبة مؤسسات التعليم العالي، ولا يحصل سوى نحو 3% منهم على درجة الدكتوراه أو ما يُعادلها…

في مجال السّكَن، يعيش نحو 22% من سكان البلاد في مساكن ضيقة أو لا تتوفر بها مقاييس المسكن اللائق والصّحّي، فيما يعيش نحو 800 ألف شخص (سنة 2016) في سكن مُؤقت، لدى أفراد الأُسرة أو الأصدقاء، وحوالي 155 ألف في الشارع، بدون مأوى، في المُدُن الكُبرى، وتؤدّي ظروف الصحة والسكن والعمل إلى اتساع الهوة في متوسط عمر الأثرياء الذين يفوق متوسط أعمارهم قبل الوفاة (84,4 سنة) حوالي 13 سنة، متوسط أعمار العُمال والفُقراء (حوالي 71,7 سنة)، إضافة إلى جَوْدة ظروف المتابعة والرعاية الصحية التي يتمتع بها الأثرياء…      

ورد في آخر دراسة نَشرها المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي يوم 23 كانون الثاني/يناير 2020، أن 400 ألف شخص التحقوا بصفوف الفُقراء سنة 2018، وأن موارد الدّولة خسرت، نحو ثلاثة مليارات يورو، جراء خفض ضريبة الثروات المرتفعة لأثرى الأثرياء، وحاولت الدّولة تعويض هذه الخسارة، عبر خفض التقديمات الإجتماعية للفُقراء، والعاطلين عن العمل (وهي مبالغ وقع اقتطاعها سابقًا من رواتب العُمال والموظفين، وليست من أموال الدّولة)، بنحو 1,3 مليار يورو، وقدّرت مختلف الدّراسات تَضَرُّرَ حوالي 60% من هذه الإجراءات الحكومية، ويتوقع معهد الإحصاء أن تُساهم قرارات الدولة في زيادة ثروة أثرى الأثرياء بنسبة لا تقل عن 2%، سنة 2020، وفي انخفاض دخل الفُقراء بحوالي 06%، بشكل مباشر وغير مُباشر، من خفض النفقات، والتخفيضات المُقَرَّرَة في “المَزايا الإجتماعية”…

الدولة في خدمة رأس المال:

أقرت ميزانية الدولة لسنة 2019، مِنَحًا ومزايا لصالح أرباب العمل، دون مطالبتهم بأي مقابل، بقيمة لا تقل عن عشرة مليارات دولار، بالإضافة إلى التخفيضات أو الإعفاء من الضريبة على الثّروات، المتأتية في مُعظَمها، من المُضاربة، ما يُؤكّد خطط الدولة في قَضْمِ مكتسبات الأُجَراء والفُقراء، ومنح الأثرياء مزايا ومنافع مالية عديدة، وقَدّر معهد السياسات العامة ( Institut des Politiques Publiques – IPP ) ارتفاع متوسط دخل 20% من المواطنين الأكثر ثراءً، بنسبة 2% سنويا، أو بمعدل 4500 يورو لكل أسرة، فيما قُدِّرَت خسائر 20% من الأُسَر الأقل ثراءً، بمعدل 284 يورو سنويا، لكل أسرة، بسبب الإجراءات الضريبية لصالح الأثرياء، بين سنتَيْ 2018 و 2020، وأدّت هذه التّدابير، بحسب معهد الإحصاء، إلى خسارة ثمانية ملايين مواطن، من الفئات المتوسطة والفقيرة ومن المتقاعدين، مبالغ سنوية، تتراوح بين 120 يورو و350 يورو سنويا، للشخص الواحد، منذ سنة 2018، في شكل خفض العديد من المنح، ومن بينها خفض مِنَح السّكن لذوي الدخل الضعيف…

خاتمة:

لم تهدأ احتجاجات “السترات الصفراء” ضد ارتفاع الرّسوم والضرائب غير المباشرة، التي أضَرّت بالفُقراء، رغم القمع الشديد والإعتقالات والإصابات الخطيرة والغرامات، كما ارتفعت وتيرة احتجاجات وإضرابات الأُجراء، خلال الرّبع الأخير من سنة 2019، وبداية سنة 2020، ضد خطط الحكومة التي تستهدف المكتسبات الإجتماعية (التأمين الإجتماعي والتقاعد) التي فَرضَها ميزان القُوى المُنبثق عن نضالات ومقاومة الأجراء والفُقراء الذين ساهموا في تحرير البلاد من الإحتلال النّازِي، وتهدف الحكومة تَدْمير نظام التوزيع القائم على التضامن الذي صممه “المجلس الوطني للمقاومة” بموجب قانون 24 نيسان/أبريل 1947. تبذل الحكومة اليمينية الفرنسية، ورئيسها القادم من مجموعة “روتشيلد” المالية، جهودًا كبيرة بهدف تحويل أموال نظام التقاعد المُقدّرة قيمتها بنحو 1,8 تريليون يورو، إلى المؤسسات الخاصة للتّأمين، أو ما يفوق أربعة أضعاف موارد الدولة من الضرائب، التي تُعادل قيمتها 410 مليارات يورو، سنة 2019…

تورطت الدولة الفرنسية في كافة بُؤر العدوان الإمبريالي من أفغانستان إلى غربي إفريقيا، ومن المحيط إلى المُحيط، دفاعًا عن مصالح الشركات العابرة للقارات، ذات المَنْشأ الفرنسي، فيما يُعاني فُقراء فرنسا من الفقر وفقدان المأوى ومن البطالة، ما يجعل من الضروري ومن المُلِح تَحالف فُقراء العالم ضد نفس العَدُو، المُتمثل بالإمبريالية والشركات متعددة الجنسية، ووكلائها في الدول الفقيرة

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *