هل تعوض تركيا في ليبيا ما فاتها في سورية؟ / العميد د. أمين محمد حطيط

نتيجة بحث الصور عن حطيط

. العميد د. أمين محمد حطيط ( لبنان ) – الأربعاء 1/1/2020 م …

لعبت تركيا منذ انطلاق الحرب الكونية ضد سورية، لعبت دور راس الحربة في العدوان طامحة إلى اتخاذ سورية بوابة تدخل منها إلى كامل المنطقة العربية لإعادة إنتاج الدولة العثمانية البائدة وأعادة الروح إلى موقع خليفة المسلمين الذي طمح اردغان بان يلبس عباءته ويعتم بعمامته، متكئا على تنظيم الإخوان المسلمين المعروف النشأة والسلوك والارتباط منذ ان ابتدع قبل قرن من الزمن.




ظن اردغان ان حلمه الذي حشدت له قوى ناهزت ال 260 ألف إرهابي، تقاطروا من 80 دولة ظن ان حلمه ممكن التحقق بأهون السبل وبأقصر المهل حتى ان غروره دفعه لتحديد مهلة 3 أشهر للتنفيذ مهلة رآها كافية لان تفتح له أبواب المسجد الأموي في دمشق ليؤمم الصلاة فيه باعتباره “أمير المؤمنين ” العائد إلى حكم المنطقة كما كان قبل الحرب العالمية الأولى. وبنى اردغان كل حساباته وعقد الصداقات والتحالفات واتخذ مواقع العداء من الأطراف على أساس ان هذا الحلم محقق لا محالة وفقا لهذا التخطيط.

لقد تصرف اردغان في الميدان مصدقا نفسه بانه بات فعلا ولي أمر الشعب السوري وبانه صاحب الولاية العامة على سورية وكل شؤونها وسمح لنفسه بان يوجه الأوامر للحكومة السورية ويضع الخطط لتنظيم حياة السوريين الذين حملهم على ترك بيوتهم واللجوء إلى مخيمات أعدها مسبقا في تركيا ثم شرع بالتعامل مع السوريين الذين وقعوا في فخه او قبضته او وصلت يده إليهم باعتبارهم رعايا للدولة العثمانية المستعادة واعتمد حيالهم سياسة التتريك والسلخ عن أصولهم وجذورهم سعيا لتكريس مفهوم رعايا السلطان الجديد بصددهم.

بالمقابل صمدت  سورية وواجهت بصلابة العدوان الكوني الذي تنفذه تركيا و اخرين بدعم إقليمي و دولي فشكل الرد الدفاعي السوري سدا منيعا بوجه الأحلام التركية حيث وجهت سورية و حلفاؤها الركلة ثم الصفعة ، يعقبها ركله فصفعة لقوى العدوان فأسقطت الحلم التركي  على أبواب حلب التي سرق اردغان معاملها و على أبواب دمشق التي زنرها اردغان بحزام إرهابي أجرامي خانق ، ما الزم  اردغان بالانكفاء  إلى الحدود و التحصن في إدلب و منطقتها إلى عفرين التي احتلها ثم راح يطرح المشاريع للشمال السوري من منطقة منزوعة السلاح إلى منطقة حظر جوي إلى منطقة امنه  إلى منطقة سلام إلى غيرها من التسميات التي جعلها عنوانا لمشاريعه العدوانية .

هنا وفي لحظة تعثر تركيا في سورية وانفضاض العدد الأكبر من تجمع أعداء سوريا الدوليين، مدت روسيا وإيران اليد إلى تركيا رغبة منهما بان تراجع مواقفها وتوقف عدوانها على سورية ما يخفف من حجم متطلبات كسر العدوان على سورية وتقصير الوقت اللازم لاجتثاث الإرهاب منها وخفض الثمن اللازم لذلك. وهنا ننوه بان اليد الروسية – الإيرانية لم تمد إلى تركيا جهلا بحقيقة الأهداف والسلوكيات التركية، بل كانت املأ في ان تراجع تركيا مواقفها بعد النتائج السلبية التي حصدتها وبالتالي فرصة لإخراج تركيا من مازق مؤكد أدخلت نفسها فيه، في مقابل تحقيق مصلحة سورية مؤكدة تتمثل بالمحافظة على امنها واستقلالها ووحدة أراضيها وسيادتها عليها. بهذه الخلفية تكونت منظومة استنة الثلاثية لرعاية حل المسالة السورية.

لقد كانت استنة ثم سوتشي، فرصة لتركيا لتخرج من مازقها السوري، لا بل كانت فرصة لحجب الوجه العدواني الإجرامي البشع لاردغان عبر تقديم تركيا عضوا في منظومة الأمن والسلام في المنطقة إلى جانب روسيا وأيران. لكن المطامع التركية والأحلام الخبيثة لدى اردغان دفعته إلى اعتماد السياسية الزئبقية المتقلبة والمتنقلة بين صفتين صفة الراعي للسلام والأمن في المنطقة من خلال عضويته في مثلث استنة وصفة المعتدي صاحب المشروع التركي الخاص في سورية وهي الصفة الغالبة التي تتقمم أي اعتبار أخر. وامتهنت تركيا سياسية الكذب والانقلاب على التعهدات والنكول بالاتفاقات التي كانت تلتزم بموجبها بشيء ما ضد الإرهاب لدفع عجلة استعادة الأمن إلى سورية. وكان المشروع التركي الخاص هو المتقدم دائما لا بل ان الخبث التركي دفع اردغان إلى حد تسخير اتفاقات استنة وسوتشي في سبيل كسب الوقت والحؤول دون الجيش العربي السوري وتحرير إدلب. لعبة لعبها اردغان منذ أيلول 2018 حيث كسب خلالها أكثر من 15 شهرا تأخيرا لانطلاق معركة تحرير إدلب من 65الف إرهابي من السوريين والأجانب.

لقد استفاد اردغان من هذا التأخير وأطلق عدوانه في شمال سورية تحت تسمية ” نبع السلام ” لإقامة المنطقة الأمنة حسب زعمه وليتمكن من أنشاء حزام تركي بعمق 35 كلم وعرض 460 كلم داخل الأرض السورية، يحدث فيه تغييرا ديمغرافيا ويفرض عليه تتريكا يمكنه من اقتطاعه والحاقه بتركيا، ممنيا النفس أيضا بان يمنع سورية من تحرير منطقة إدلب ليضمها لاحقا بالصيغ نفسها ما يمكنه من وضع اليد على مساحة إجمالية تزيد عن 25 ألف كلم2 أي مقدار 1\7 الأراضي السورية.

لكن سورية ودفاعا عن أراضيها وحماية لشعبها عملت على خطين في مواجهة الخطة التركية، فاندفعت قواتها إلى شرقي الفرات حيث خططت تركيا لأنشاء المنطقة الأمنة تزامنا مع إعلان أميركا سحب جنودها من المنطقة، واستطاع الجيش السوري ان يجهض الخطة التركية بوصوله إلى الحدود مع تركيا في أكثر من نقطة ولم يتمكن الأتراك من احتلال أكثر من 4500 كلم2 من أصل 14000 خططوا لاحتلالها ثم، كانت المواجهات الميدانية التي تمكن من القول بان عملية “نبع السلام ” العدوانية التركية لم تنجح ولن تحقق أهدافها. 

أما على الاتجاه الغربي فقد اطلقت سورية عملية تحرير إدلب مدعومة من روسيا و ايران متجاوزة كل الكذب التركي و الخداع الاردغاني ، انطلقت سورية للتحرير بالقوة  بعد ان كانت وجهت رسائل ميدانية متتالية منذ مطلع العام 2018 ثم صيف 2018 حيث انتهت إلى تحرير خان شيخون ، ثم كانت الرسالة السياسية العسكرية الأهم بزيارة الرئيس بشار الأسد إلى المنطقة و وقوفه على مشارف إدلب متعهدا بالتحرير التام و القريب ، رسائل توخت سورية منها أفهام تركيا ان حبل الكذب قصير و ان إدلب ستحرر بالقوة ان لم تنفذ تركيا تعهدها بإخراج الإرهابيين منها على مراحل نظمها اتفاق سوتشي بعد قرارات استنة ..و بهذا احرج اردغان على الاتجاهين الشرقي و الغربي و كان وضعه في الغربي اصعب ، نظرا لوجود 65الف إرهابي سيكون مضطرا لتلقي نصفهم على الأقل في حال أنجزت سورية تحرير المنطقة و سيحار في وجهة استعمالهم و مصيرهم  .

هنا وكعادته لجأ اردغان إلى فتح باب عدوان جديد ضد دولة عربية أخرى، فكان اختياره لليبيا التي يؤمل ان يستغل حكومة السراج الإخوانية التي تقوم في طرابلس الغرب وان يعدها بالدعم العسكري مقابل عقود إذعان توقعها معه في موضوع الحماية والثروة النفطية والغازية والمنطقة الاقتصادية الخاصة بها.

لقد اتجه اردغان إلى ليبيا  بعد سقوط حلمه في سورية، و بدأ بنقل الإرهابيين اليها من سورية في مهمة بالغة الخطورة و التعقيد حيث ستكون ليبيا اذا نجح مشروع اردغان  الجديد ، ستكون محل  تجميع الإرهابيين  بقيادة تركية و سيشكل  هؤلاء قوة ضاربة تتقدم الجيش التركي عندها يستطيع اردغان ان يضغط بهم على كل من مصر و الجزائر و يضمن الإمساك بقرار تونس و المغرب  حيث الحكومات الإخوانية ، و ابتعد اردغان كثيرا في حلمه هذه المرة و اعتقد انه من ليبيا و بإرهابيين  ينقلهم من سورية سيحكم الدول العربية في أفريقيا حيث يبدو انه أعاد النظر في لائحة الأولويات لديه، فبدل ان ينطلق من سورية للسيطرة على بلاد العرب في أسيا وأفريقيا يبدو انه قرر التمركز في ليبيا والتوجه منها شرقا إلى مصر وغربا إلى المغرب العربي فيضمن السيطرة و يتحكم  بالغاز و أنابيبه معا .

إنها أضغاث أحلام اردغان التي لا نرى لها في ارض الواقع قابلية للتحقق في ظل وجود تكتل دولي منسق او ظرفي يواجهها خاصة بوجود الجهوزية المصرية والرفض الأوروبي والممانعة الروسية فضلا عما ينتظره في الدول العربية ذاتها. لكن رغم الفشل المنتظر يبقى من شان هذا الخطة التركية الإجرامية أثارة الفوضى وتسعير الصراع في المنطقة خدمة للمشروع الصهيواميركي وخاصة ان مثل هذا الصراع سيمكن إسرائيل من التغلغل أكثر والدخول طرفا او مكونا في هذا الحلف او ذاك لتثبيت نفسها في المنطقة كقوة إقليمية قائدة فيكون اردغان الفاشل في مشاريعه ناجحا كالعادة في خدمة إسرائيل حليفته الاستراتيجية.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *