الإرتطام في الحب / د. سمير محمد أيوب

د. سمير محمد أيوب ( الأردن ) الثلاثاء 5/11/2019 م …




الإرتطام في الحب
عشوائياتٌ في الحُب – الخامسة
جِئتُكَ موقِنَةً ، أنَّكَ خريجُ أكثرَ مِنْ خمسينَ عاما في الحُب . وجَدتُكَ مِنْ أوائلِ الذين تعرَّفوا عليه ، قبلَ المَشيبِ وبعدَ المَشيب . جئتُ لأسألكَ ، أيبقى الحبُّ آيةً في الجَمالِ ، بعد أوَّلَ ارتطامٍ وثانٍ وثالثٍ ، أم …؟ أسألكُ بالطبعِ عنِ الحبِّ المُقيمِ ، لا عن وهمِ الأقنعةِ ، ولا هَوَسِ الفقاقيع ؟ فأنا أدركُ ، أنَّ عواصفَ أوَّلَ ارتطامٍ ، غرابيلٌ نزيهةٌ ، أوعلى الأقل أكثرُ نزاهةً ، مِنْ لُهاتِ التَّباكي وظُلمِ التَّشاكي ، ومِنْ تعقيداتِ التقاضي ، سرعانَ ما تَحرقُ الأقنعةَ وتكشفُ البشاعةَ في المستور .
إنها مربيةٌ مثقفةٌ بارعةُ الجمال ، تقاعدت دون أن تتزوج ، قلت وأنا أشْعِلُ لها لُفافتها الثانية ، في مكتبيَ المُطل على القلعة في عمان ، وأدني لها فنجالَ قهوتها ،: الحبُّ يا سيدتي ليسَ آيةً في الجمالِ قبلَ الارتطامِ ، ولا آيةً في القُبحِ بعدَه ، بل تدرجاتٍ رماديةٍ . في عُلاقاتِنا مع الآخر ، يجبُ أنْ ندركَ منذُ البدء ، أنَّ في كلٍّ مِنا ، مساحاتٌ ملغومةٌ غيرَ أمنةٍ ، وعِرَةً مُفخخةً ، بكثرةٍ مِما تقاتلَ حوله عابرون . تَعجُّ بما يُقالُ وما لا يُقال لأحدٍ .
قالت وهي تحتضنُ فنجالَ قهوتِها وتُهندِمُ جلسَتَها : ما العملُ ساعتَها ؟
قلت وأنا أسندُ رأسيَ بين يديَّ : إنْ كنتِ موجوعةً وذاتَ قلبٍ قنوعٍ ، فأنتِ ومالكُ الدنيا سواء . إلتمسي له عُذرا ، إن الْتقيتيهِ شاحبَ الوجهِ ، أو إن اتصلتِ به ولم يَرُد ، قد يكونُ مُنهمِكا أو مُنهَكا ، غيرَ قادرٍعلى فعلِ شيء . التَمِسي له عُذرا ، إنْ لمْ يبتسم في وجهِكِ ، أو مرَرتِ بقربِه ولمْ يَرَكِ ، قد يكونُ في عالَمٍ آخر ، لا تدرين عنه شيئا ولا تتوقعين .
قالت وهي تعبثُ بتسريحتِها : كيف لي أنْ أعيش في وطنٍ بِلا مُستقبلٍ ، وأن يكونَ ترتيبيَ الاوَّلَ فيه ؟
قلتُ وعدوى العبثِ بشَعرِالرأس ، قد انتقلَتْ إلى أصابعي أنا الآخر : الحبُّ مخزنُ قلقٍ وغِيطانُ فرَحٍ . بعضُ صناديقه سوداءُ مُغلقةٌ كصناديقِ الطائرات . نكتشف فيها كلَّ يومٍ ، تفاصيلَ ترفعُ الضغطَ وأخرى ترفع السكر . ولكن ، كلُّ مفاتيحُها كلامُ مُهْتَم . كوني له شرايينَه ، وحينا رئةً يتنفَّسُ بها ، الإهمال والنَّقُ والحصار والتحقيق والتنكيش والبحبشة والإفراط في عتاب أناني ، يا سيدتي ، تقتلُ أيَّ علاقةٍ مهما كانت قوية . يُفَضِّلُ الشركاءُ في العادة ، الأكثرَ اهتماما على الأكثر وسامة أو الأكثر غيرة . تذكَّري وأنتِ تُسرِّحينَ شعرَكِ ، أوترشِّين عطركَ المُفضل ، أنْ تَسأليه مثلا ، أنِمتَ جيدا البارحة ؟
قالت وعيونُها العميقةُ تومِضُ خُبْثا : وماذا أقولُ له إنْ جاء يسألُني ؟
قلتُ مُبتسما بخبثٍ يكادُ يُوازيَ تخابُثَها : لا تكتفي بالقول أنا بخير ، فهي لا تُقالُ إلا للغرباء . أما الأحبة ، فنسارعُ لعناقِهم والإبحارُ في عيونِهم . ونقولُ للمرة الألف لهم : كلُّهُم غيرُكَ في الغِياب ، ووحدُك الحاضرُ .أعْبرُ كلَّ شيءٍ إليك ، أحببتك بِكُلَّيَ وبِتفاصيلي . حتى لم تَعُد بيننا مسافة . كِلانا هُنا ، والعِناقُ ليس محضَ صُدفة يا حبيبي ، تعالَ نرجعُ أطفالا مرَّةً أخرى . أعِرْني شفتيكَ ، فلَمْ أعُدْ أعْرِفُني ، حتى أنِّي نسيتُ فيكَ مَلامحي .
قالت وبعضُ قَلقٍ مُتَوتِّرٍ يفوحُ مِنْ صوتِها: وإنْ خانَ الشراعُ واحترقَ شيءٌ ما في القلب ، وتباعَدَتِ الطُّرُق ؟
قلتُ وأنا أضعُ جانبا ، قَلَماً كان بيدي يتجول فوق ورقٍ أمامي : تلك حكايةُ عشوائيةٍ قادمةٍ ، إن شاء الله .
الاردن – 3/11/2019

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *