طرامب… و السطو على النفط السوري / د . بهجت سليمان

دام برس : دام برس | طرامب… و السطو على النفط السوري .. بقلم : د . بهجت سليمان

د. بهجت سليمان * ( سورية ) – السبت 2/11/2019 م …




* السفير السوري الأسبق في الأردن …

رغبنا في الاعتراف أم لم نرغب ، فإنّ السّياسة الأميركيّة المعاصرة تثبت يوماً بعد يوم قدرتها على مواكبة إمكانيّات النّهب السّياسيّ ، قَبْلَ النّهب الماليّ الذي يرغب البعض في أن يعتبره الوجه الأكثر جلاءً للسّياسة الأميركيّة المعاصرة بطبعتها ” الطرامبويّة “.
و إذا كان ( طرامب ) قادماً من خلفيّة اقتصاديّة و ماليّة صريحة ، لم يُخفِ نزعته الاستثماريّة فيها لأموال التّابعين الطّائلة من المحميّات الأميركيّة كما هو الحال مع دول “الخليج العربيّ” ، فإنّ هذا الواقع الفجّ لا ينطبق على عموم السياسات الخارجيّة ل”البيت الأبيض” الأميركيّ في التّعامل و السّلوك الأميركيين مع باقي دول العالم ، التي تربطها بأميركا علاقات ظرفيّة من المدّ و الجزر في بؤر الصّراعات العالميّة ، مباشرةً أو على نحو غير مباشر ، تبعاً لتعقّد ظروف و طبيعة الصّراعات الدّوليّة في بعض بقاع العالم ، كما هو الأمر في “الشّرق الأوسط” و في سورية بخاصّة.
و نخصّ هنا العلاقات الدّولية المتمحورة على سورية اليوم ، باستثناءات نسبيّة و مطلقة ، نتيجة للتّعقيد الشّديد الذي يطبع الخلافات و التّفاهمات و الابتزازات الدّوليّة و ( الإقليميّة ) المتبادلة في مناسبة “الحرب الدولية على سوريّة ” ، بعد أن اتّسعت رقعة السّياسة الأميركيّة في سورية إلى ما يتجاوز ( طرامب ) كسياسةٍ و خلفيّات شخصيّة ، إلى جهاز كامل واسع من السّاسة و الخبراء الأميركيين المشاركين في صنع القرار الأميركيّ الخارجيّ ، كما جرت العادة في صنع القرار السّياسيّ الأميركيّ المعاصر.
و إذا كان ( طرامب ) قد اشتهر شخصيّاً بأسلوبه التّجاريّ المباشر الهادف إلى جني الأرباح الماليّة من بعض أتباعه في منطقتنا ، فإنّ في حقل السّياسة و السّياسيين الأميركيين المُخضرمين ، مَنْ استطاع الاستفادة من هذا “الأسلوب” و إعادة توظيفه توظيفاً سياسيّاً يبدو فيه ( طرامب ) المؤلّف و المُخرج الوحيد لهذه “البصمة” الخاصّة بحيث يجري إرضاء غروره الشّخصيّ الذي لا يخفيه بنزعته الذّاتيّة ، التي أصبحت عُرْفا ً أميركيّاً و عالميّاً في وقت واحد ، في الوقت الذي تُمرِّرُ فيه ” الدّولة العميقة ” في أميركا سياساتها الخارجيّة الخاصّة التي تعتبرها جزءاً من ” الأمن القوميّ” الخارجيّ ، بتوقيع الرّئيس الأميركيّ نفسه ، و هو ما يُعتبر ضربة سياسيّة و ماليّة مزدوجة لا تنقض واحدتها الأخرى و لا تتناقضان.
ليس من المهمّ كثيراً أن نقفَ عند جدّيّة تصريحات ( طرامب ) الأخيرة حول الشّهوة الأميركيّة للنّفط السّوريّ و لا على حجم النّفط السّوريّ المستخرج من المنطقة الشّماليّة الشّرقيّة السّوريّة ، إلّا بالقدر الذي تتقاطع فيه تصريحاته العسكريّة المباشرة ضدّ السّوريين مع تصريحات وزير الدّفاع الأميركيّ بالاستعداد للدّفاع عن المصلحة الأميركيّة بالبترول السّوريّ ، و لو بالدّماء و المقاتلين الأميركيين المنذورين للتّضحية بأنفسهم في سبيل “حفنة” من النّفط لا تساوي قيمة الدّماء الأميركيّة الجاهزة للانتحار من أجل ذلك “الهدف” المتواضع ، قياساً بالجشع الأميركيّ ، و كذلك بالتّقاطع مع ما يجري في المنطقة الشّماليّة الشّرقيّة من سورية ، و أخيراً بالتّوضّعات الجغرافيّة السّياسيّة للقوى الدّوليّة الأخرى على الأراضي السّوريّة كنتيجة اختياريّة للسّوريين ، جرّاء الدّفاع الباسل الذي خاضه الجيش العربيّ السّوريّ مع الحلفاء و الشّركاء الرّوسيّ و الإيرانيّ ، أو ما كان منه كاعتداء أو غزو مباشر من الدّول الأخرى للأراضي السّوريّة كما في مثال الأميركيّ و التّركيّ.
و أمّا عندما نعمل على تبيّن خلفيّات “الموقف الأميركيّ” الأخير من سورية و من “النّفط السّوريّ” ، و بخاصّة عندما نقارنها بتصريحات أخرى للرّئيس الأميركيّ نفسه من تعبيراته المختلفة و المتعدّدة ، التي تُفصح عن موقفه الشّخصيّ و عن الموقف الأميركيّ العامّ في السّياسة الأميركيّة الخارجيّة المباشرة من “الحرب الدولية على سّوريّة ” ، حيث يتبيّن لنا بوضوح عدم انشغال أميركا بأهداف عسكريّة في سورية ، و بسأم ” الأميركيّ” عامّة و الرّئيس الأميركيّ خاصّة ، من حرب “الموت” في سورية، و “عبثيّة” هذه الحرب ؛ فإنّنا نصل إلى نتائج مغايرة تماماً للتّصريحات الأميركيّة المتعلّقة باستعداد الأميركيّ للقتال و الموت من أجل النّفط السّوريّ.
فما الذي يريده الأميركيّ بالتّحديد ؟ و ما هي أهداف التّصريحات الأميركيّة الأخيرة التي سيقت في إطار إخراج مختلف لحقيقة الرّغبة الأميركيّة المُضمرة؟
لا يحتاج الأمر إلى الكثير من العناء من أجل التّحليل الصّائب لما يقبع خلف موقف ( طرامب ) و السّياسة الخارجيّة الأميركيّة تجاه سورية و نفط سورية.
و حيث تتوضّح اللمسات الأخيرة للموقف العسكريّ الأميركيّ نحو سورية ، يصطدم الجشع الأميركيّ بعقدة التّسوية السّياسيّة مع ” الرّوسيّ ” على الأراضي السّوريّة ، بحيث يبدو للأميركيّ أنّ درب النّهب الماليّ و السّياسيّ لآثار الحرب السّوريّة ليست درباً مباشرة ، و هي بحاجة إلى الالتفاف حول التواءاتها المعقّدة و الصّعبة ؛ بحكم التّواجد الرّوسيّ الشّرعيّ الثّقيل في سورية كأحد الضّمانات الاستراتيجيّة السّوريّة لدرء مختلف الابتزازات الإقليميّة و الدّوليّة للدّولة السّوريّة.
و قبل أن ندخل في الأهداف الأميركيّة المباشرة من تصريحات الرّئيس الأميركيّ و وزير الدّفاع الأميركيّ و استعدادهما للقتال و التّضحية في سبيل ” النّفط ” ، فإنّ علينا ألّا ننسى حجم دور أثر هذه التّصريحات في تطمين “التّركيّ” القلق من الانسحاب الأميركيّ من الشّمال الشّرقيّ السّوريّ ، ما يُفسّر التّردّد الأميركيّ في الانسحاب أو الاستقرار العسكريّ في الحدود السّوريّة – التّركيّة ، الأمر الذي سيُبقي “التّركيّ” ، أيضاً ، في تردّد من خياراته “الاستراتيجيّة” التي لا يُريد لها “الأميركيّ” الاستقرار في ظلّ تفاهمات أميركيّة – روسيّة ، حول ضرورة انسحاب التّركيّ بأقلّ الخسائر المتوقّعة ، حال استمراره في عمليّة الاعتداء على الأراضي السّوريّة و الشّعب السّوريّ.
لم يدخل ( طرامب ) إلى “البيت الأبيض” الأميركيّ على مطيّة أصوات العامّة من الأميركيين كما يُشاع ؛ و من يعتقد ذلك يحتاج لفهم طبيعة عمليّة “انتخاب” الرّؤساء الأميركيين و لمعرفة دهاليز رحلة “الرّئيس” الأميركيّ من الصّفوف الخلفيّة “الواعدة” ، إلى حظوة بيوت السّلطة و المال الأعرق في العالم من نادي “البيلدربيرغ” العالميّ المتنقّل في الدّول الأوروبيّة ، إلى ابتسامات الشّركات الماليّة الاحتكاريّة الأميركيّة و إيماءاتها بالموافقة على المرشّح للانتخابات ، مروراً بتقديم “المرشّح” للرّئاسة في خيار شبه وحيد للنّاخبين ، مع اعتبار أنّ ترشيح شخصيّتين كلّ واحدة منها تعود ملكيّتها لأحد الحزبين الحاكمين في أميركا ، لا يعني توفّر الاختيار ما بينهما ، مع أنّ الاختيار ما بين الشّخصيّتين لا يُعتبر في مقاييس الانتخابات “الدّيموقراطيّة” الأميركيّة المزيّفة خياراً يجوز البناء عليه.
إنّ مجرّد وصول رئيس أميركيّ إلى “البيت الأبيض” يعني بالضّرورة مصادرته المسبّقة أو اللاحقة من قبل أكبر شركات المال و الإعلام و النّفط و السّلاح في الولايات المتحدة الأميركيّة ، بما هو مَدينٌ لها به من دالّات و ديون معنويّة و التزامات بوعود قطعها المرشّح السّابق ، في ما يُشبه القسَم السّرّيّ الخاصّ كأوراق اعتماد له ، عليه الوفاء بها في صيغة أكثر من كونها “أدبيّة” ، بعد أنْ مثّلت رحلته الطّويلة من “المجتمع” اليوميّ إلى كرسيّ الحكم.
تقضي هذه الصّورة التّمثيليّة الحقيقيّة لصناعة الرّئيس الأميركيّ بجملة من الالتزامات ، ليست مقتصرة على التزامه و تعضّيه بالمصالح العليا للشّركات الأميركيّة المختلفة ، و حسب ، و لو أنّها أكثر المؤشّرات إخلاصاً ل”الرّئيس” لوعوده التي قطعها على نفسه لخلفيّاته السّياسيّة و ليس للنّاخب الأميركيّ البسيط.
و في هذه “البحبوحة” من حرّيّة الرّئيس الأميركيّ في اتّخاذ القرار ، و هي بحبوحة متواضعة ، يمكن للمحلّلين خلع الصّفات المختلفة التي تقارب قراءاتهم الخاصّة جدّاً لعلاقات و انتماءات و تحوّلات “الرّئيس”.
هذا واقع حقيقيّ ؛ فكيف ، إذاً ، يكون عليه الأمر إذا كان الحديث يدور حول ( طرامب ) نفسه الذي لم يكن بعيداً ، أصلاً ، في انتماءاته الطّبيعيّة ، عن أوساط المال و الشّركات الاحتكاريّة في أميركا ، بوصفه رجل أعمال من الطّراز المحترف و العتيق؟
في هذه السّياقات ، فإنّه و من باب المُكمّلات المسرحيّة في السّياسة أن يفي “الرّئيس” بوعد شعبيّ قطعه على نفسه في برنامجه الانتخابيّ ، تنويعاً على وعوده الجوهريّة لأصحاب النّفوذ ، يرفع من سويّة شأنه الاجتماعيّ المُمَسرح ، بشرط أن لا يتعارض مع المصالح الأعلى لعليّة طبقة المال الأميركيّة ؛ و هو الأمر الذي أشكل و يُشكِل على البعض من “المحلّلين السّياسيين” ممّن يعتبرون “الرّئيس” ، أو رئيساً أميركيّاً ما ، ممثّلاً للطّبقات الاجتماعيّة الدّنيا في أميركا ، إذْ لم يحصل أمر كهذا بالمطلق في تاريخ أميركا منذ “استقلالها” و حتّى اليوم.
و بالعودة إلى حديثنا عن ( طرامب ) و النّفط السّوريّ ، فإنّ تصريحاته و تصريحات وزير دفاعه المتناغمة في الإيقاع ، لا تبتعد عن مجريات هذا التّحليل ، و لو أنّها تسلك سلوكاً في منحيين مباشرين عل الأقلّ.
ففي المقام الأوّل ، تعتبر هذه التّصريحات وفاءً بوعود انتخابيّة سرّيّة قطعها الرّئيس مع احتكارات النّفط الأميركيّة ، بوصفها تشكّل جزءاً أساسيّاً من كتلة “الدّولة العميقة” في أميركا ، و تلبية لأمر منها ، له ، للخروج بجزء من الربحيّة الماليّة العالميّة في الأماكن السّاخنة من الصّراع الذي تضطلع به “الولايات المتّحدة” و تخوضه ، لأسبابها دائمة التّوفّر ، في إطار طرح نفسها كوصيّة على العالم ، و “تعويضاً” مناسباً لها عمّا تكلّفته من “أتعاب” في إدارات الصّراعات الدّوليّة و سهرها على “الأمن” العالميّ.. و بالأدق ، على زعزعة الأمن العالميّ..
و في المقام الثاني ، فإنّ تصريحات ( طرامب ) و وزيره و مستشاريه ، تدخل في إطار إشعار روسيا في سورية بالرّهان الأميركيّ على الاستفادة من ثروات سورية الطّبيعيّة ، حتّى لا يُشكّل خروج أميركا بقرار رئاسيّ أميركيّ “مجانيّ” إحراجاً ل (.طرامب ) أمام خلفيّاته السّياسيّة ، لا سيّما أنّه على أبواب معركة انتخابيّة جديدة ، قريبة.
و على كل حال ، فإنّ التّصريحات الرّئاسيّة الأميركيّة ، تشكّل وسيلة غير مباشرة لإعلام روسيا بضرورة بحث “الأمر” مع القيادة السّوريّة و التّشاور الرّوسيّ – السّوريّ حول أفضل سبل تحقيق هذه “الرّغبة” الماليّة – السّياسيّة الأميركيّة ، التي تجشّم ( طرامب ) عناء تحمّل مسؤوليّتها مضطراً ، في إطار الصّورة التي سبق بيانها من الظّروف.
( طرامب ) مكلّف ، عبر تصريحاته ، بنقل رسالة من لوبيّات الضّغط الأميركيّة و صانعة السّياسات الخارجيّة ، إلى كلّ من سورية و روسيا ، للتّفاوض الأمثل مع الدّولة السّوريّة لإبرام عقد “شرعيّ” بين الحكومة الأميركيّة بمن يُمثّلها من أصحاب نفوذ احتكارات النّفط الأميركيّة ، و بين الدّولة السّوريّة و بوساطة روسيّة ، يبدو معه اقتراح هذا “التّعاقد” حول استخراج النّفط السّوريّ من آبار الشّمال الشّرقيّ في سورية ، و الإتجار به ، في “منفعة متبادلة” ، يبدو ، بنظرهم ، وصفة مغرية لسورية في ظلّ العقوبات الأميركيّة على السّوريين.
و هذا جانب آخر ، و هو الأهمّ ممّا قلناه أعلاه حول أسباب التّردّد الأميركيّ الهزليّ و التّضارب في قرارات سحب القوّات الأميركيّة من سورية ، يجعل من خروج القوّة العسكريّة الأميركيّة “الرّمزيّة” في محيط آبار النّفط السّوريّة ، من أراضي الجمهوريّة العربيّة السّوريّة ، خروجاً أقلّ إحراجاً أمام “التّركيّ” و قوى الإرهاب الأخرى التي ترى في الأميركيّ ، و ما زالت سفينة خلاص و مرجعيّة أخيرة في الضّياع ؛ كما يجعله أقلّ إيلاماً للأميركيّ الغازي الجشع.
و لكن ماذا لو رفضت سورية هذا “العرض” المبطّن بالتّهديد ؟ .. أو هذا التّهديد المبطن بعرضِ صفقة تجاريّة مع الدّولة السّوريّة؟
لا يتأخّر الجواب بطبيعة الحال .. فأن يجري تهديدنا من جديد في سورية بإطالة عمر الصّراع ، هو أمر اعتدنا عليه ، بعد أن جرّبناه بمختلف طُرُزِهِ و أيقنّا وأكدنا بأنّ نهاية كلّ غاز إلى الاندحار.
و إذ يبقى هنالك في “السّياسة” ما هو بقيّة أخرى ، دوماً ، تخرج عن طور التّحليل ؛ فإنّ الأمر أولاً و أخيراً يخضع لقرار دولة سياديّ في سورية ، لا يمكن البتّ فيه إلّا في وقته ، من كلّ تغيّر و من كلّ ظرف جديد أو مستجدّ

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *