سوريا، بعض هوامش العدوان التركي / الطاهر المعز

صورة ذات صلة

الطاهر المعز ( تونس ) الجمعة 18/10/2019 م …

انطلق العدوان التركي ضد العرب، منذ تأسيس الدولة العثمانية (رسميًّا سنة 1299) وتواصل مع النسخة “العلمانية” بقيادة كمال أتاتورك، ثم مع النسخة الإخوانية بقيادة نجم الدين أربكان (كانون الثاني/يناير 1996) ومن تلاه، حتى الآن (سنة 2019)، وسواء كان النظام يحكم في تركيا باسم الإسلام أو باسم الجيش أو باسم العلمانية، تظل الشوفينية قاسمًا مشتركًا بين الأحزاب الحاكمة ونواب البرلمان، ويظل العداء للشعوب المُجاورة، وخاصة للعرب، وللأكراد، مُتأصِّلاً، في تركيا العثمانية كما في تركيا الأطلسية والمُتَصَهْيِنَة، ويتنزّل الفصل الجديد للعدوان الأخير ضد سوريا (الشعب والوطن، كما ضد النظام، أو الحكومة)، الذي بدأ منذ 2011، وتحول إلى غزو واحتلال (بداية من يوم الإربعاء 9 تشرين الأول/اكتوبر 2019) ضمن هذا المسار العدواني الطويل…




أوردت بعض المواقع الأمريكية والتركية والعربية، منذ سنة 2016 (أثناء قصف تركيا محافظة ومدينة “الموصل”) أخبارًا عن اتفاق أمريكي تركي، يهدف تقسيم شمال سوريا إلى ثلاث مناطق بين أكراد سوريا في مُحيط القامشلي، و”داعش” حول الرقة، وتركيا، عبر الإخوان المسلمين المحليين، ولا يزال هذا التقسيم من أهداف الولايات المتحدة والعدوان التركي الحالي (تشرين الأول/اكتوبر 2019)، ولا تعترض روسيا عن مثل هذه “الحلول”، لكن الدولة السورية أعلنت رفض التقسيم…

بدأ العدوان الحالي الواسع، يوم الإربعاء التاسع من تشرين الأول 2019، بموافقة روسيا (“الصديق” غير الموثوق للنظام السّوري) وبدعم من أعضاء الحلف الأطلسي، الذين يحتلّون جزءًا من سوريا، وخصوصًا الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وألمانيا بدرجة أقل، وهي قوى امبريالية عضوة في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتدعم الكيان الصهيوني، وتحاكم أي معارض أو ناقدٍ للصهيونية كإيديولوجيا، أو الكيان الصهيوني كجهاز دولة احتلال استيطاني، ودعمت هذه الدول الإستعمارية انفصال الأكراد، وتقسيم سوريا، ولكنها لا تزال تعتبر “حزب العمال الكردستاني” (وفرعه السوري) مجموعة أو منظمة “إرهابية”…

من جهتها، أنْشأت تركيا أكثر من ثلاثين منظمة إرهابية، من اللاجئين السوريين، ومن الإرهابيين الأجانب الذي تدفّقُوا إلى سوريا، عبر تركيا التي سلحتهم ودرّبتهم، بدعم من حلف شمال الأطلسي، واستخدمت تركيا هذه المليشيات الإرهابية لغزو سوريا، كجيوش برية “وكيلة” لتركيا، التي يَسَّرت تَقَدُّمَهَا في الأراضي السورية عبر القصف الجوي والصاروخي والمدفعي، فيما انسحب جزء من الجيوش الأمريكية تدريجيًّا، من بعض المناطق التي تحتلها في شمال سوريا، غير عابئة بالأكراد، قيادات ومنظمات وأفراد، وسحبت فرنسا وبريطانيا المئات من “القوات الخاصة” التي كانت تدعم مليشيات الأكراد، وقياداتها التي أظهرت عداءً لبقية المواطنين السوريين، وللدولة السورية، ولكنها اضطرت للتفاوض مع الحكومة السورية، بعد أن رفضت كافة المقترحات والحلول التي قدمتها الحكومة، طيلة أكثر من ست سنوات، ووافق الرئيس السوري، والجيش، على ضمان أمن المواطنين الأكراد (الذين قُتِل منهم خلال سنوات الحرب أكثر من 11 ألف مواطن)، شريطة أن ينضموا إلى قوات الأمن الوطني، والدفاع عن الوطن المُشترك، وإنهاء الإنفصال المسمى “حكمًا ذاتيا”، ولم تطلب الحكومة السورية أي شرط آخر، رغم الطعنات العديدة التي رافقت ولاء قيادات المنظمات الكُردية للإمبريالية الأمريكية، واستخدام الأكراد، كدروع بشرية لحماية قوات الاحتلال الأمريكية، رغم  هزيمة داعش، التي كانت ذريعة للإحتلال الأمريكي والأطلسي…

تواجه سوريا حظرًا اقتصاديا، بينما تحتل مليشيات الأكراد، بدعم أمريكي وأطلسي، حقول النفط والغاز، والسدود ومنابع المياه والأراضي الزراعية الخصبة، وصوامع تخزين الغذاء والحبوب، وتركت أمريكا، مشاكل تعتبر بمثابة القنابل الموقوتة، ومن بينها منطقة معبر “التنف” الحدودي بين العراق وسوريا، حيث أقامت قوات الإحتلال الأمريكي قاعدة عسكرية، ومخيما به حوالي 65 ألف لاجئ، كانت أمريكا تمنعهم من التنقل نحو المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش النظامي السوري، وأدّى إعلان الإنسحاب الجزئي الأمريكي إلى استفاقة الأنظمة العربية من غفوتها، وأعربت جميع الحكومات العربية (باستثناء قَطَر) عن تضامنها مع الحكومة السورية، بعد أن دعمت معظمها المليشيات الإرهابية، ودعمت مخططات تقسيم سوريا، بالمال وبالسلاح وتدريب الإرهابيين، وتيسير تَسَللهم إلى سوريا، وقد يؤسس هذا الموقف الجديد، إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية والتجارية، والإستثمار لإعادة إعمار سوريا، خصوصًا بعد إعلان الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي استخفافهما بالحلفاء من خارج الحلف الأطلسي (باستثناء الكيان الصهيوني)، فيما استغلت روسيا (وكذلك الصين) الوضع لصالحها، لتتحالف مع تركيا والكيان الصهيوني، وتتفاوض مع قيادات مليشيات الأكراد، ولتحاول تحسين العلاقات مع حُكّام الخليج، وبيعهم السلاح، مع المحافظة على علاقات طيبة مع إيران، وتمكنت روسيا من الجمع بين المتناقضات، وأصبحت لها علاقات طيبة بسوريا، وبالكيان الصهيوني الذي يحتل جزءًا من سوريا، ويقصف أراضيها باستمرار، وبإيران والسعودية التي تعتبر إيران العدو الرئيس، كما تمكنت روسيا من إقامة علاقات جيدة مع منظمات الأكراد ومع حزب الله ومع بعض المنظمات الإرهابية، ومع تركيا، وغيرها، ومن جهة أخرى دعم حُكّامُ مشيخة “قَطَر” وقادةُ الدين السياسي، من الإخوان المسلمين، بمن فيهم قادة “حماس”، العدوانَ التركيَّ، ضد دولة عربية وضدج شعب عربي، وبالمناسبة، لا بأس من التذكير بتعاون “حماس” مع المنظمات الإرهابية لتسليمهم مخيم اليرموك، في أطراف دمشق، ما تسبب في مجازر ضد الفلسطينيين وتهجير وهدم وتخريب المخيم…

تمكنت القوات النظامية السورية من دخول “منبج” و”عين العرب” ومنطقة “الطبقة”، بينما قصفت الطائرات الأمريكية قوات الجيش السوري، بهدف منعها من استعادة الأراضي، أو عرقلة تقدمها نحو منبج وعين العرب ودير الزور والحسكة والقامشلي، أي مناطق شرق الفرات، التي كانت الولايات المتحدة (بالتحالف مع قادة مليشيات الأكراد) تعتبرها مناطق “مُحرّمة” على أصحابها، من الحكومة السورية والجيش النظامي السوري، فيما هددت تركيا بإغراق أوروبا بالمهاجرين (اللاجئين) وبعناصر المنظمات الإرهابية التي كانت تحت حراسة الأكراد، بتكليف أمريكي، بالتوازي مع اعتزام تركيا إحلال عشرات الآلاف من السوريين الموالين لها، أو الذين كانوا في تركيا، في مناطق بعيدة عن مناطقهم الأصلية، لخلق توترات، وربما نزاعات مسلحة، بين السوريين أنفسهم، وهو ما عملت من أجل حصوله حكومات الولايات المتحدة فرنسا وبريطانيا وألمانيا، وتركيا والكيان الصهيوني، بدعم مالي من أسرة آل سعود والأسر الحاكمة في الخليج…   

 

دور حلف شمال الأطلسي وروسيا:

تنتمي معظم دول الإتحاد الأوروبي إلى حلف شمال الأطلسي، وتظاهرت حكومات ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، بالتنديد بالهجوم التركي (وتركيا عضو أيضًا في حلف شمال الأطلسي)، لكن عدة معطيات تُؤشِّرُ إلى تورّط الحلف في الغزو التركي، فقد التقى “ينس ستولتنبرغ”، الأمين العام لحلف “ناتو” يوم الحادي عشر من تشرين الأول/اكتوبر 2019، مع الرئيس التركي “أردوغان”، ووزير خارجيته، وأصدر الأمين العام تصريحًا داعمًا لتركيا، وورد ضمن هذا التصريح، “إن المخاوف الأمنية التركية مشروعة، فهي في خط المواجهة، وتتعرض للهجمات إرهابية، وللعنف، ولن يترك حلف ناتو عضوًا من أعضائه عُرْضة للتهديدات الأمنية، فنحن ملتزمون بالدفاع عن أمن كافة الأعضاء…”، ولذلك عزز الحلف قُواته الجوية والبحرية في تركيا، واستثمر الحلف أكثر من خمسة مليارات دولار في تطوير القواعد العسكرية والبنية التحتية، وأنظمة الدفاع الصاروخي، في جنوب تركيا، أي على الحدود مع سوريا، وتُظْهر هذه الوقائع زَيْفَ التنديد بالهجوم التركي، أو إعلان حظْر بيع بعض أنواع الأسلحة، وما ذلك سوى مسرحية رديئة الإخراج…

لم تتخذ حكومة تركيا قرار العدوان الموسع على سوريا بمفردها، بل بتنسيق مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وكذلك مع روسيا، حيث تتجاوز علاقاتهما (بين تركيا وروسيا) سوريا إلى مجالات الطاقة والأسلحة الإستراتيجية، وغيرها، وأعلنت وزارة المالية الروسية، قبل أقل من 48 ساعة من العدوان التركي، أن موسكو وأنقرة قد وقعا اتفاقية حول استخدام الروبل الروسي والجنيه التركي في معاملاتهما التجارية، مع تعزيز التعاون المصرفي، وتأمين مبالغ المبادلات بين البلَدَيْن، بحسب محطة “روسيا اليوم” (يوم الثلاثاء 08 تشرين الأول/اكتوبر 2019)، التي أعلنت ارتفاع حجم التبادل التجاري بين روسيا وتركيا بنسبة 16%، سنة 2018، ليصل إلى 25,5 مليار دولارا، وتحادث الرئيسان بوتين وأردوغان بالهاتف، يوم إعلان العدوان (الإربعاء 09/10/2019)، ويمكن إدراج تصريح الرئيس الروسي بشأن “أهمية ضمان وحدة سوريا وسلامة أراضيها واحترام سيادتها”، في باب “واجب العزاء”، أي في باب “الكلام الفارغ” من أي محتوى جِدِّي، وصرح “سيرغي لافروف”، وزير الخارجية أثناء زيارة لتركمانستان: “منذ بداية الأزمة السورية ، نشدد على أننا نتفهم مخاوف تركيا بشأن أمن حدودها”، ودعا إلى تطبيق اتفاقية “أضنة” بين تركيا وسوريا (1998) والتي تنص على التنسيق الأمني المباشر بين الحكومتَيْن…

اعترضت روسيا في مجلس الأمن، يوم الخميس 10/10/2019، على مشروع قرار لإدانة تركيا، بذريعة “معاملة الوجود العسكري غير المشروع للدول الأخرى، مثل الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وغيرها…” بنفس الدرجة، وتحاول روسيا خدمة أهدافها الخاصة، وهذا مشروع، ولكن أهداف هذا المشروع الروسي، تتعارض في جوانب منها، مع مصالح سوريا، سواء كان ذلك في الجنوب (الجولان)، أو في الشمال السوري، وتأمل روسيا إخراج تركيا من محور أمريكا وحلف شمال الأطلسي، ولو كان ذلك على حساب مصالح أحد أهم الحلفاء في المشرق العربي…    

 

خاتمة:

أظهرت الأحداث منذ العدوان على العراق سنة 1991، ثم احتلاله، سنة 2003، اصطفاف الأنظمة العربية، بدون رادع وبدون “حياء” وراء الجيوش الغازية والتي عملت على تفتيت الدول العربية القطرية، أي زيادة تقسيم ما وقعت تجزئته في اتفاقيات “سايكس بيكو”، وساهمت الأنظمة العربية في العدوان على العراق، ثم على ليبيا وعلى اليمن وعلى سوريا، وسلحت ودربت المجموعات الإرهابية، مما يجعلنا نعود للتأكيد على محاربة ثالوث العدوان، الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية، رغم الضّعف الحالي والوهَن الذي أصاب حركة التحرر العربية، خصوصًا بعد اعتراف قيادات منظمة التحرير الفلسطينية “بحق” المُحتل و”شرعية” استيلائه على فلسطين…

يمكن أن نوجه النقد إلى من يدعي صداقتنا، لكن عملية المقاومة والتحرير هي شأننا، قبل أن تكون شأن الأصدقاء، الذين يقتصر دورهم على دعم مطالبنا ونضالاتنا…

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *