الواقع العربي والتحديات الداخلية والخارجية / د. عمر مقدادي


د. عمر مقدادي ( الأردن ) السبت 15/6/2019 م …
إن الواقع العربي اليوم مؤلم، ولا أعتقد أنّ هناك أمَّةً في العالم تشهد من الصراعات والتحدّيات كما هو عليه حال الأمّة العربية الآن، فهذه الأمَّة تشهد مزيجاً من الأزمات التي بعضها هو محصّلة للتدخّل الخارجي والأطماع الأجنبية، وبعضها الآخر هو نتيجة إفراز لأوضاع داخلية يسودها الاستبداد السياسي والتمييز الاجتماعي والفشل الاقتصادي والفساد، ويظهر ذلك من خلال تحكم صندوق النقد الدولي في اقتصاديات بعض الدول العربية وارتفاع المديونية وتراجع النمو الاقتصادي وتردي نوعية التعليم. كما تعاني بعض دول هذه الأمة من الحروب الأهلية والطائفية والتدخل الأجنبي وانتعاش الروح المذهبية وتردى الروح الوطنية, بالإضافة إلى المشكلات الاجتماعية من مثل: البطالة والعنوسة والمحسوبية وانتشار الجريمة والغش والتزوير والتدليس والكذب الإعلامي، أضف إلى ذلك نهب وسرقة المال العام في الوقت الذي تعيش فيه شرائح كثيرة من شعوبنا العربية حالة الفقر والبطالة بين الشباب، وانقسام وتشرذم وتربص واتهامات بين الدول والمجتمعات العربية، كما نرى في المشهد ملامح العمل على تأزيم المنطقة من خلال ما يسمى بصفقة القرن ومحاولة بدء صراع مع ايران، فالاستعمار بشكله الجديد لا يريد الدول العربية إلا مجموعة من الدويلات الضعيفة إلى جانب الكيان الصهيوني الذي يريدونه قويًا اقتصاديًا وعسكريًا، فمخطئ من يظن يومًا أن الدول الغربية الاستعمارية تريد الاستقرار والحرية والديمقراطية لشعوبنا العربية. فهي لا تريدها سوى جزر منفصلة عن بعضها يقاتل بعضها بعضًا، فهم لا يريدون دولًا وشعوبًا عربية قوية تملك غذاءها ودواءها وسلاحها، يريدون فقط لنا أن نظل قابعين في مؤخرة الأمم والشعوب، يصادرون قرارنا السياسي والاقتصادي.




إن سياسات الدول الكبرى ستكون عاملاً حاسمًا في رسم خارطة العالم العربي المستقبلية والآثار المترتبة على ذلك، والتي ستجبر الدول العربية على مواجهة صراع الحضارات على الموارد الطبيعية والخدمات العامة والسوق الإلكترونية والعالم الافتراضي والتقنيات العلمية والطبية والثورة المعرفية والتطورات التكنولوجية المتسارعة بالإضافة إلى تحديات الطبيعة، مع كونهم يعانون من غياب مقومات المصالحات الوطنية والتنسيق الإقليمي العربي، وعدم الاتفاق على مصدر وحجم واحتمالية حدوث التهديدات القادمة وكيفية مواجهتها، فصورة الواقع في دول الخليج العربي في ظل تراجع أسعار النفط في العالم ودفع فاتورة ما يسمى مقاومة الإرهاب سيؤدي بالضرورة إلى خفض الدعم الحكومي لمواجهة انخفاض أسعار النفط على المدى الطويل بسبب الصراعات الاقتصادية العالمية والعقوبات على بعض الدول المنتجة للنفط، أما فيما يتعلق بسوريا والعراق واليمن والسودان والجزائر وليبيا، فيبقى السؤال عما إذا كانت الحدود الحالية لتلك الدول قادرة على الصمود في ظل أطماع إقليمية ودولية، وفي حال نشوء دويلات جديدة هل سيكون هناك استقرار سياسي في المنطقة؟ ، وينطبق الحال كذلك على الدول العربية في شمال إفريقيا التي تعاني البطالة وارتفاع نسبة الفقر والتوزيع غير المستدام للثروات والقوى البشرية التي تحتاج لتأهيل يتناسب مع طموحات تلك الدول بالإضافة إلى عدم الاستقرار السياسي لهذه الدول، ونعتقد بأن بعض الدول على وشك أن تدخل في أزمة مائية والاحتمال المنطقي مستقبلًا صراع المياه بالإضافة إلى الصراعات والفتن الداخلية. وفي ضوء هذه التحديات التي تواجه الأمة وأقطارها العربية يتفق الجميع على أهمية صياغة مشروع وحدوي يسعى للتعاون العربي المشترك لتحقيق الأمن القومي العربي ويضمن التكامل الاقتصادي، لتكون الشعوب العربية هي المستفيد الأول والأخير من ثمرات هذا المشروع.

إن حال الأمة العربية مثير للشفقة بين القهر والفقر والحروب والجهل والفساد فهي عاجزة على الساحتين الإقليمية والدولية وتعاني من التخلف الحضاري، بالرغم من المزايا الإستراتيجية والاقتصادية لها، وأعتقد أن المسؤولية تقع على الجميع وليس فرد بعينه أو حكومة بعينها، ولذلك علينا كشعوب وحكومات المبادرة من أجل أحداث التغيير المعرفي الثقافي والحضاري والانفتاح على العالم بثقة ورفع الحظر عن العقل العربي الناقد وجعل الحوار المتمدن سبيلاً إلى ذلك ووضع المزيد من الثقة في الشعوب العربية لتصبح قادرة في النهوض والخروج من كهوف الظلام واللحاق بركب التطور والمدنية من خلال إنجاز مشروع وحدتها وتضامنها. أما آن لهذه الأمة أن تستفيق من سباتها، هذه الأمة التي كانت تعيش بحق معنى قول الله تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) صدق الله العظيم ، وكان خليفتها هارون الرشيد يخاطب السحابة قائلًا: ( أمطري حيث شئت فإن خراجك آت إلي )، نرقب هذا الأمل بفارغ الصبر، فما نحتاجه في هذه المرحلة هو الوعي بواقع الأمة والعمل المخلص والوحدة .
والله ولي التوفيق د. عمر مقدادي

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *