رحلة الإنسان إلى أعماقه السحيقة / إبراهيم أبو عواد

نتيجة بحث الصور عن ابراهيم ابو عواد

إبراهيم أبو عواد ( الأردن ) السبت 15/6/2019 م …




1

     أحيانًا ، يتعلق الإنسانُ بامرأة ، ليس لأنه يُحبها ، بَل لأنها تُذكِّره بامرأة كان يُحبها . وهذا الغرقُ في الذكريات يُمثِّل استسلامًا للماضي ، وعَودةً إلى العُمق التاريخي للأحزان الدفينة والآمال الضائعة . ولا بُد من انقلاب الذاكرة على الذكريات ، وتحوُّل الذكريات إلى فأس تُحطِّم جبلَ الجليد الجاثم على القلب . والهروبُ إلى الأمام ليس حلًّا لمواجهة العواطف الجيَّاشة ، والمشاعرِ المتمردة . والحلُّ يَكمن في قُدرة الإنسان على التَّحَوُّل إلى أيقونة لا تُكسَر ، وزهرة لا تُسحَق تحت الأقدام . وهذا لا يتحقق إلا إذا صارَ الإنسانُ رُوحًا للآخرين ، وصَوْتًا لمن لا صوت له .

2

     عندما يستمع الإنسانُ إلى الصرخات المنبعثة من أعماقه السحيقة ، سيُدرك أن الثورة الحقيقية تتجلَّى في تفجير الطاقة الرمزية في لغة الأحلام ، وعندئذ تصيرُ الأحلامُ واقعًا مُعَاشًا وملموسًا . وإذا امتلكَ الإنسانُ القدرة على تأويل الأصوات وتفسير الألوان ، والسيطرة على دلالتها الرمزية ، سيتوصَّل حتمًا إلى فَك شيفرة أحاسيسه المُختلطة ، ومشاعره المُتداخلة ، لأن عناصر الطبيعة هي مصدر المشاعر الإنسانية ، والإنسانُ ابن بيئته . ولا يُمكن معرفة مسار حركة النهر إلا مِن خلال معرفة مَنبعه لا روافده ، لأن الروافد فروع ، والمِحَكُّ الحقيقي هو تحديد الأصل . والطبيعةُ هي أُم الإنسان ، الذي جاءَ مِن التراب ، وسيعود إلى التراب . وهذا يعني أن البداية والنهاية معروفتان . ومعَ هذا ، فالغُموض يتَّضح في الحياة لا الموت ، لأن الحياة حركة ، والموت سُكون ، والحركةُ تُولِّد انفعالات كثيرة ، تتفجَّر وتنبعث كالشَّظايا . وكُلما ازدادت الشَّظايا صَعُبت السيطرة عليها ، وصار مِن العسير تحديد أماكنها . أمَّا الموتُ فهو نقطة مركزية واحدة ، مِثل الضربة القاضية ، التي تُنهي اللعبة ، وتقضي على الأحاسيس ، وتجتث المشاعر مِن جُذورها .

3

     إن رحلة الإنسان إلى أعماقه السحيقة، هي مسار الحرية والتحرر . الحريةُ في عالَم استهلاكي يقوم على تقديس المادة ونبذ الرُّوح ، والتحرُّر مِن سَطوة الذكريات الحزينة التي تتكرَّس كوحش كاسر يُطارد الإنسانَ ، ويُصادر المعنى من حياته اليومية . واكتشافُ الذات هو بالضرورة اكتشاف للعالَم . ومَن يَطمح إلى اكتشاف تفاصيلَ الحياة ، وهو عاجز عن اكتشاف نفْسه التي بين جَنْبَيْه ، كمن يُريد اكتشاف سِر الموت ، وهو عاجز عن معرفة أسرار حياته . وليس كُل عائش حَيًّا ، وليس كُل مَدفون مَيْتًا .

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *