ديمقراطية وبعد، متطلبات سابقة / د. فيصل الغويين




أوجدت الأحداث العاصفة التي مرت بكثير من الدول العربية تحت مسمى (ثورات الربيع العربي) ضرورة النظر إلى كثير من المفاهيم الأكثر تداولاً، مثل الديمقراطية، والمعارضة، وغيرها، فقد ثبت أنه:

* لا يمكن أن يكون هناك بناء ديمقراطي سليم من دون توافر ثقافة ديمقراطية في المجتمع، فلا ديمقراطية من دون تربية ديمقراطية.

* وهذه لا تكون من دون ثورة فكرية وثقافية وتربوية، وإصلاح للفكر الديني، وتفكيك للبنى والذهنيات المغلقة والموروثة، وهويات ما قبل الدولة من جهوية وقبلية ومذهبية وطائفية، لإنتاج الدولة الحديثة، دولة القانون والمؤسسات، وتكافؤ الفرص، والمواطنة.

* المدارس والجامعات المسؤول الأول عن تربية وإنتاج عقل جديد، يتجاوز التناقضات الثانوية، للتركيز على إنجاز الإصلاحات الضرورية، ومواجهة التحديات بوعي جديد، قادر على البناء الوطني، وقيادة التغيير. وهذا لا يكون إلا بثورة حقيقية في منظومة التعليم، تركّز على تنمية روح المبادرة والابداع، وتتجاوز لغة التلقين إلى لغة الحوار والمختبر، والتفكير النقدي، وربط المعرفة بالحياة والواقع والحاجة والتجربة، وبناء منظومة القيم التي تعزز روح التعاون والجماعة والتطوع والتضامن والتسامح وقبول المختلف، ونبذ كافة أشكال التعصب، وأحادية التفكير، والأحكام الجاهزة والمعلبة.

* على قادة الرأي والمفكرين والأطر السياسية، ضرورة إجراء المراجعات الجريئة والصريحة، للمساهمة في قيادة التغيير، بمنهجيات غير تقليدية، وبالاستناد إلى المعرفة والتحليل العلمي للواقع، لتكون قادرة على الفعل والاستشراف.

* لقد أثبتت الأحداث في بعض الدول العربية أنّ المعارضة كانت مستعدة للتعاون مع قوى خارجية، كانت السبب في تجزئة الأمة وبث الفرقة بين شعوبها ومكوناتها التاريخية، مقابل أن يكون لها حصة في الحكم، أو الحكم كله، وقدمت نفسها كنموذج سيء في تحولها لأدوات لهدم وتخريب أوطانها، فانتقلنا من السيء إلى الأكثر سوءًا.

* يعتقد البعض أنه يكفي أن يضع الشعب أصواته في صناديق الاقتراع حتى تكون مشاكلنا قد حلت بضربة عصا سحرية. هل هذا صحيح يا ترى؟ الشعارات الانفعالية قد تكون خادعة ومضللة، أو سطحية وتبسيطية أكثر من اللزوم. الأخطر من كل ذلك، قد يرفع شعار الديمقراطية أو يختبئ خلفها ألد أعداء الحرية والديمقراطية. الديمقراطية وحدها لا تكفي ، بل ينبغي أن يسبقها أو يرافقها على الأقل بناء دستوري وقانوني سليمين، للتأسيس لدولة الحريات الفردية والعامة، دولة القانون والمؤسسات التي تعامل الجميع على قدم المساواة. فالديمقراطية ليست صناديق اقتراع فقط، إنها فلسفة كاملة متكاملة للحياة والواقع، ولذلك من الصعب أن تحسم المعركة السياسية قبل أن تحسم المعركة الفكرية.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *