نتائج الانتخابات الإسرائيلية… أيّ شكّل الحكومة فالأسوأ مقبل / د. فايز رشيد




فايز رشيد

الأردن العربي – الخميس 11/4/2019 م …

أعلنت مصادر إسرائيلية مختلفة، أن هناك تساويا بين تكتل الليكود وتحالف أزرق أبيض، بعد فرز 97% من صناديق الاقتراع، غير أن معسكر اليمين بزعامة نتنياهو، يمكن أن يوسّع قاعدته إلى 65 مقعدًا مقابل 55 مقعدا لمعسكر غانتس. وتشير قاعدة معسكر اليمين والتحليلات الإسرائيليّة إلى أن نتنياهو سيكلّف بتشكيل الحكومة المقبلة، وأن ائتلافه سيكون مستقراً أكثر من الائتلاف الحالي، الذي استند إلى 61 عضواً فقط.
عربيّاً، تمكّنت قائمة «الجبهة والعربية للتغيير»، وتحالف المتحدة والتجمع من اجتياز نسبة الحسم، فحصلت الأولى على 6 مقاعد، والثانية على 4 مقاعد. لقد فاز الليكود بـ35 مقعدا، أزرق أبيض 35، شاس 8، يهودات هاتوراة 8، يسرائيل بيتينيو 5، العمل 6، اتحاد أحزاب اليمين 5 كولانو (كلنا) 4، ميريتس 4، أما باقي الأحزاب فلم تجتاز نسبة الحسم، بالطبع حتى اللحظة.
انتخابات العدو الصهيوني التي جرت مؤخرا وتحمل الرقم 21، هي انتخابات حرب الجنرالات والتطرف في الأساس، والقاسم المشترك الأعظم بين الـ40 قائمة التي تنافست فيها، هو التنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية، والتمسك بالأراضي المحتلة، كما غياب بنود السلام وحلّ الدولتين عن برامجها، باستثناء (القائمتين العربيتين وقائمة ميريتس). لقد أزاحت معظم الأحزاب صفة «المحتلة» عن الضفة الغربية وهضبة الجولان، وأخذت تستعمل تعبير «الأرض التي تديرها إسرائيل»، كما أن الانتخابات تضم أحزابا تنادي بطرد الفلسطينيين والعرب كـ»حزب كاهانا»، وموشيه فيغلين، الذي يدعو إلى شطب الوجه العربي ـ الإسلامي ـ المسيحي عن مدينة القدس الشرقية، وهدم الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية فيها، وإقامة الهيكل الثالث (المزعوم) محل المسجد الأقصى.
الانتخابات ضمّت عتاة المستوطنين الأشد تطرفا، وهذا لا يعني مطلقا أن الباقين هم أقلّ خطرا وتطرفا منهم، وهو ما يؤكّد خطأ وجود خطّيْ وسط ويسار في توجهات هذه الأحزاب، فلا وجود لمفهوم اليسار في دولة الكيان، ولا للوسط، فالتقسيم الوحيد للاتجاهات فيها هو، نهج التطرف والأكثر تطرفا، أما حزب العمل المتهم زورا وبهتانا بـ»اليساري»، فالصفة منه براء، فهو سمّى تحالفه مع تسيبي ليفني بـ»التحالف الصهيوني»، واليسار والصهيونية لا يتفقان مطلقا.
أما احتساب تحالف «أزرق أبیض» برئاسة بیني غانتس ویائیر لبید على تيار الوسط، فهذا غیر دقیق، إذ یعد غانتس، وهو رئیس هیئة أركان جیش الاحتلال سابقاً، صاحب دعوة «الدولة الیهودیة» النقیة والمتباهي بأنه قتل أكبر عدد من العرب، وأنه ليس بحاجة لجواز سفر عندما يدخل دولة عربية (المقصود يدخلها بالدبابات)، بینما یقود لبید، الذي شارك في الحكومة الیمینیة سابقا حزباً یمینیاً، معلناً رفضه تقسیم القدس، وحق العودة، وهو يؤيد ضم الكتل الاستیطانیة الكبرى للجانب الصهيوني، ولكنه یدعو لاستئناف المفاوضات على قاعدة ما یتبناه من «لاءات»، فضلاً عن رفضهما معاً إلغاء قانون القومیة العنصري. غیر أن هذا التحالف شكل منافساً مفاجئاً مع بدء الحملة الانتخابية، التي يحرص غالبية المشاركين على الاستیطان الاستعماری المضاد للحقوق الفلسطینیة.
خيّمت على الانتخابات نفسها والمراحل التي تليها، لوائح الاتهام بجنايات رشىً وفساد ضدّ نتنياهو، والتي قد تكون جزءاً لا يتجزأ من الاتفاقات الائتلافية، إن تمّ تكليفه بتأليف الحكومة، في محاولة منه لتحصين نفسه من المساءلة القانونية، في ما بات يُعرف في إسرائيل بـ»القانون الفرنسي»، الذي ينص على عدم محاكمة رئيس الوزراء خلال تولّيه منصبه، إلا في جرائم متعلقة بمخالفات جنسية أو عنف، أو متعلقة بالأمن، ما يعني تجنيبه المحاكمة. للعلم، اتّخذ مركز اللیكود قرارا رسمیا من أجل العمل على ضم الضفة الغربیة. على خلفیة هذه الخطوة، بدأ نتنیاهو یقول لرجال قائمة وأعضاء الائتلاف الآخرین، بأنه یؤید أیدیولوجیا، ومبدئیا هذا الضم، وأعلن بالفعل، أنه لن يسحب مستوطنا واحدا من المستوطنات الكبرى والصغرى، كما البؤر الاستيطانية، وأن لا دولة فلسطينية ستقوم. لقد تمت المصادقة على قوانین تسعى إلى فرض السیادة الاسرائیلیة في الضفة الغربية، مثل القانون الذي أخضع جامعة اریئیل لمجلس التعلیم العالي، والذي ضمن وجود كلّ المستوطنات. كما أن مجرد سیطرة إسرائیل على مناطق (C) في السنوات الأخیرة هي ضم فعلي. أيضا، في فبراير/شباط 2018، أعلن نتنیاهو بأنه یناقش مع إدارة ترامب خطة للضم، «یمكنني القول بأنني أدیر حوارا في هذا الموضوع مع الأمريكیین»، قال ذلك في جلسة لقائمة اللیكود أثناء تطرقه للمبادرات المتزایدة لفرض السیادة. نتنیاهو قال في حینه، إن لدیه مبدأين:
الاول هو أن القانون یجب أن یمر كمبادرة حكومیة ولیس شخصیة «لأن الأمر یتعلق بعملیة تاریخیة».

كل استطلاعات الرأي الإسرائيلية، أشارت إلى تقدم قوي للأحزاب الیمینیة والدینیة الأكثر تطرفاً حیال الدولة الفلسطینیة

الثاني هو «التنسیق مع الأمريكیین، فالعلاقة معهم هي ذخر استراتیجي لإسرائیل وللاستیطان».
عمليا، كل استطلاعات الرأي، التي أجرتها جهات إسرائيلية مؤخرا، أشارت إلى تقدم قوي للأحزاب الیمینیة والدینیة الأكثر تطرفاً حیال الدولة الفلسطینیة، وهم حلفاء نتنياهو وغانتس في الانتخابات، مثل حزب «الیمین الجدید» القومي المتطرف المؤيد لغلاة المستوطنین، تحت عنوان عدم الاعتراف بقیام دولة فلسطینیة مستقلة، بزعامة كل من وزیرة القضاء أییلت شاكید، وزعیم حزب «البیت الیهودي»، والمتطرف نفتالي بینیت، صاحب الشعارات المتشددة الرافضة لإخلاء المستوطنات، وتقسیم القدس وحق العودة، والاحتفاظ بـ»أرض إسرائیل التاریخیة» وفق التعالیم الیهودیة، باعتباره وریث حزب «المفدال» الیمیني المتطرف، وحركة «جوش أمونیم» الاستیطانیة، أما حزبا «یهودوت هتوراة» ـ حزب اليهود الغربيين المتدينين «الأشكناز» ـ كما حزب «شاس» للمتدینین المتزمتین الشرقيين «الحریدیم» بزعامة أرييه درعي، فهما حزبان من الأحزاب الأكثر تطرفا. طبعا، فإن كافة الأحزاب الدينية المتشددة، تستقي مواقفها السياسية وفقا لمرجعیة تعالیم التوراة تجاه قضایا الصراع: «الحق التاریخي في أرض إسرائيل التوراتیة»، ورفض تقسیم القدس، وإقامة الدولة الفلسطینیة المتواصلة الأراضي والمستقلة، والتوسع الاستیطاني. كذلك، لا یحید حزب «إسرائیل بیتنا» بزعامة الفاشي المتطرف أفیغدور لیبرمان، عن الرؤیة الصهیونیة، بالدعوة إلى تهجیر الفلسطینیین، ورفض إقامة دولتهم المستقلة و»إعدام» المناهضین منهم للكیان المحتل، في حین یجمع حزب «كولانا» برئاسة موشیه كحلون، بین العقیدة الدینیة القومیة والیمینیة المتشددة.
بالنسبة للمنطقة المحتلة عام 1948، خاضت قائمتان عربیتان الانتخابات، مثلما ذكرنا، بعد فشل جهود الأحزاب العربیة لتشكیل قائمة مشتركة، على غرار انتخابات الكنیست عام 2015، الذي أثّر بالفعل في قوة حضورها ووجودها بالكنیست المقبل، أمام التحالفات الیمینیة الإسرائیلیة الكبیرة، وسط عزوف الناخبین العرب عن التصویت، بسبب إدراكهم بلا جدوى الدخول إلى الكنيست، الذي لم يستطع منع صدور أيّ قانون عنصري على مدى 70 عاما. وستتواصل المعركة الحقوقیة العربیة مع «الكنیست» المقبل في حال فوز أي من المعسكرين المتطرفين، ما يعني أن المرحلة المقبلة ستكون تحت عناوین: التعصب المتطرف والأكثر تطرفا، والعنصریة الفاقعة، كما الاستمرار في سدّ الأفق السیاسي للعملیة السلمیة، ومواصلة سیاسة العدوان والاستیطان والتهوید في الأراضي الفلسطینیة المحتلة، وحصار غزة والعدوان الواسع على القطاع .
معروف أيضا، أن حزب العمل حكم إسرائيل منذ عام 1948 إلى عام 1977، وسمّي زورا بـ»الحزب الاشتراكي» لأن نخب تأسيسه كانت أوروبية، واتخذت من أحزاب ما سمّي بـ»الاشتراكية الديمقراطية» مرجعية فكرية وسياسية له. وللتذكير، فإن هذه الأحزاب، خاصة في فرنسا وبريطانيا، كانت مؤيدة للاستعمار، ورأت في إسرائيل نموذجاً في «الشرق البعيد» عن المجتمع «المثالي»الذي تعتزم بناءه، وكان حزب العمل السبّاق لما سماه في بناء «الكيبوتزات» ـ المزارع التعاونية.
في عام 1977 انتصر حزب «الليكود» اليميني في الانتخابات، وكان فاتحة لبدء مرحلة جديدة ستمتد حتى سنة 2001، ساد فيها تداول للسلطة بين العمل الليكود. صعد اليمين الفاشي في إسرائيل تدريجيا بحكم العديد من التحولات في شارعها ولأسباب أخرى، نجح «الليكود»في الاحتفاظ بقاعدته الانتخابية، أي غالبية اليهود الشرقيين، التي كان لها الفضل في إيصاله إلى السلطة عام 1977، كما نما تيار الصهيونية الدينية، من خلال تعاظم شعبية اليمين واليمين المتطرف والسيطرة على المشهد السياسي. ومنذ فبراير 2001 تاريخ وصول أرييل شارون إلى منصب رئاسة الوزراء، لم يُنتخب في إسرائيل سوى مرشحَين يمينيَين أكثر تطرفا لهذا المنصب.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *