الطاهر المعزّ يكتب ل” الأردن العربي ” عن جريمة القرن العشرين بحق شيوعيّي إندونيسيا




نتيجة بحث الصور عن سوكارنو الرئيس أحمد سوكارنو

الطاهر المعزّ ( تونس ) الإثنين 8/4/2019 م …

إندونيسيا – كي لا ننسى جريمة القرن العشرين …

نتيجة بحث الصور عن الحزب الشيوعي الإندونيسيشعار الحزب الشيوعي الإندونيسي

مقدمة:

صَرّحَ “هارولد هولت” رئيس الوزراء الاسترالي، في شهر تموز/يوليو 1966، لصحيفة نيويورك تايمز: “بعد القضاء على ما يتراوح بين خمسمائة ألف ومليون متعاطفًا مع الشيوعية، أعتقد أنه يمكننا افتراض أنه قد حدث بالفعل إعادة توجيه للبلاد” (البلاد = إندونيسيا)، وأدلى وزير خارجية بريطانيا بتصريح (سنة 1966) مفاده، لقد تحسّن أداء اقتصاد إندونيسيا (وهو خبر، أو إعلان كاذب)، بعد حصد رؤوس بعض الشيوعيين، وهذا أمر إيجابي، وأعلنت رئيسة الوزراء البريطانية “مارغريت تاتشر” ( من 1979 إلى 1990): “إنه (سوهارتو) أحد أفضل أصدقائنا وأكثرهم قيمة”، فيما أعلن سفير الولايات المتحدة ب”جاكرتا” إن أمريكا تدعم تطهير البلاد (إندونيسيا) من الشيوعيين، وتدعم سياسة الجنرال سوهارتو، وتفتح له خزائن صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي…     

أثبتت البرقيات الدبلوماسية التي رُفِع عنها طابع السّرّية، ما كان معروفًا، عن التورّط الأمريكي في الجرائم والمَجازر التي ارتكبها الجيش، ومليشيات الدّين السياسي، في إندونيسيا ضد الشيوعيين، سنة 1965، بإشراف وتوجيه وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، التي زَوّدت القَتلَة بقوائم، بدأت إعدَادَها منذ سنة 1963، وتحتوي أسماء وعناوين حوالي ثلاثة ملايين من “الشيوعيين” المفترضين، الذين يُشكّلون معظم أعضاء الحزب الشيوعي الإندونيسي، ونشرت مجلة “ذا أتلانتيك” الأمريكية تقريرًا عن جزء من هذه البرقيات والتّقارير الدبلوماسية، التي تُظْهِر إن الإمبريالية لا تتردد في تنظيم الإنقلابات، والتّورّط المباشر في عمليات القمع والإبادة، واستخدام العنف، الذي يصل إلى حد القتْل والإغتيال، كوسيلة أساسية للهيمنة على الشعوب وعلى مقدرات البلدان، كما نشرت صحيفة نيويورك تايمز في يونيو 1966 مقالاً بعنوان (وميض الضوء في آسيا) “إن التحول الوحشي لإندونيسيا من سياسة موالية للصين في ظل حكم أحمد سوكارنو إلى سياسة مناهضة للشيوعية في ظل الجنرال محمد سوهارتو هو أحد أهم المكاسب، وأحد أهم التطورات التي حصلت لصالح الولايات المتحدة، منذ بداية الحرب الباردة…”

أهمية أندونيسيا:

تبلغ مساحة جمهورية إندونيسيا حوالي مليوني كيلومتر مربع ، وتتكون من آلاف الجُزر، أهمها “جاوة”، حيث العاصمة جاكرتا، ويتجاوز عدد سكانها 280 مليون نسمة (رابع أكبر دولة في العالم بحجم عدد السّكّان)، يقطن حوالي نصفهم في جزيرة “جاوة”، ويعتمد اقتصادها على إنتاج المعادن (الفحم والنحاس)، والنفط والغاز، وصناعة النسيج، والإنتاج الزراعي: الخشب والقهوة والشاي والأرز، وزيت النّخيل، والمطاط ، والفلفل، والبهارات والتوابل…

تعرّضت البلاد للغزو الأوروبي، منذ القرن السادس عشر، حيث احتلها البرتغاليون، سنة 1511، قبل أن يحتلها الهولنديون، خلال القرن السابع عشر، واحتلها اليابان خلال الحرب العالمية الثانية، فاغتنمت الحركة الوطنية الفرصة، ليعلن أحمد سوكارنو، زعيم حركة استقلال اندونيسيا، التي حاربت الهولنديين، منذ حوالي ربع قرن، استقلال البلاد، يوم 17 آب/أغسطس 1945، وكان عدد السكان آنذاك يٌقَدّر بحوالي 72 مليون نسمة، وكانت، ولا تزال إحدى أكبر الدول التي تَضُمُّ مُسْلِمِين، إلى جانب الهند…

لم ينته الصراع ضد الإستعمار بإعلان الإستقلال، لأن الحرب العالمية الثانية أنْتَجَت وضْعًا جديدًا، تمثل في إنهاك الإمبرياليتَيْن العُظْمَيين (فرنسا وبريطانيا)، وبروز الولايات المتحدة كقوة جبارة، وانتصار الإتحاد السوفييتي، دون دَعْمٍ أو تحالف مع قوة أخرى، ضد النازية، وحاولت الولايات المتحدة الحلول محل القوى الإستعمارية القديمة، والهيمنة على كافة المنطقة الممتدة من المحيط الهادئ إلى بحر العرب، مُرُورًا بجنوب آسيا، والمناطق المُحاذية لحدود الصين، ووعدت الولايات المتحدة حركة استقلال اندونيسيا، التي حاربت كافة المحتلين بالسلاح (هولندا وألمانيا وبريطانيا واليابان…)، باستثمارات أمريكية هامة، وبدعم إندونيسيا المُستقلة للحصول على قُروض من البنك العالمي…

كانت إندونيسيا، قُبيْل مجازر 1965، رابع أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، وكان الحزب الشيوعي الإندونيسي ثالث أكبر حزب في العالم، على الإطلاق، بعد الحزب الشيوعي الصيني، والحزب الشيوعي في الإتحاد السوفيتي…

مكانة أحمد سوكارنو في إندونيسيا المُستقلة:

نشأ أحمد سوكارنو (1901 – 1970)، في أسرة متوسطة الحال، وطنية المشاعر ضد الإستعمار الهولندي، الذي استحوذ على الأراضي الزراعية، وكان يُجبر السّكّان المحلِّيِّين على العمل المجاني (السُّخْرَة) في المزارع، لكي يتمتع المُستعمرون بإنتاجها من السكر والتبغ والقهوة والمطاط، الذي يُصدّرُ إلى مختلف بقاع العالم، بينما لا يجد السكان المحلِّيُّون ما يكفيهم من الغذاء… بدأ سوكارنو يطالب عَلَنًا بالإستقلال، عندما كان طالبا في كلية الهندسة، واعتقلته السلطات الإستعمارية، وسجنته أكثر من مرة، وقضى أكثر من عشر سنوات في السجون، إلى أن اجتاح الجيش الياباني البلاد، خلال الحرب العالمية الثانية، وأصبح أول رئيس لأندونيسيا، بعد إعلان الإستقلال في السابع عشر من آب/أغسطس 1945، واعترفت هولندا باستقلال البلاد سنة 1949… كان سوكارنو وطنيًّا، ولكنه مُعادٍ للشيوعية، وتحالف مع منظمات الإسلام السياسي المُعادي للإستعمار، قبل أن يضطر للتحالَف مع الحزب الشيوعي، بعد المؤتمر التحضيري لحركة عدم الإنحياز سنة 1955، وعندما بدأت حركات الإسلام السياسي تدعو إلى تطبيق برامج رجعية، وبعد تنظيم تمرّد يميني رجعي، بالتحالف مع كبار المالكين العقاريين، وبدعمٍ من الإمبريالية الأمريكية…  

تأسس الحزب الشيوعي سنة 1920، وهو أقدم حزب في آسيا، وبقي أقوى حزب في آسيا، لفترة عُقُود، وكان نفوذ الحزب الشيوعي وبعض الحركات الإسلامية الوطنية هامًّا، وكان الحزب الشيوعي من أول المُبادِرِين لمقاومة الإحتلال الهولندي ثم الإحتلال الياباني، بينما صَدّق أحمد سوكارنو الوعود اليابانية بالإستقلال (أو ربما جاراهم، حتى تتبدّل الأحوال)، وحاول سوكارنو التّقريب بين التّيّارَيْن، الإسلامي الوطني والشيوعي، معتقدًا إن وطنيتهما يمكن أن تُقرِّبَ بينهما، وبعد التّوجه اليميني للحركات الإسلامية، ومحاولات الإطاحة بالنظام الجديد، بدأ أحمد سوكارنو وتياره الإستقلالي، يتقارب مع الشيوعيين، وتمكن، بفضل التحالف مع الحزب الشيوعي من إنهاء التمرد اليميني، سنة 1959، وأصبح تيار الرئيس “سوكارنو” يتبنّى بعض أفكار وبرامج الحزب الشيوعي، ويوفّر له بعض الدّعم، خصوصًا بعدما تأَكَّدَ من دَعْمِ الحركات الإسلامية الرجعية، من قِبَلِ بعض الضُّبَّاط، من قيادات الجيش، وفي مجال السياسة الخارجية، أصبحت إندونيسيا تنادي بمناهضة الإمبريالية، إلى أن أطاح الجيش (بالتحالف مع الحركة الإسلامية) بنظام الرئيس أحمد سوكارنو فيما عُرف ب”حركة الثلاثين من تشرين الأول/نوفمبر 1965″، والتي أدت إلى ارتكاب مجازر بَشعة ضد الشيوعيين وأفراد أُسَرِهم، وكل من يُتّهم بالإنتماء للحزب الشيوعي أو للنقابات، أو يتبنى أفكار اليسار، وقاد الإنقلاب، الجنرال “محمد سوهارتو”، الذي اختاره سوكارنو نفسه لقيادة الجيش، وظل أحمد سوكارنو تحت الإقامة الجبرية في منزله حتى وفاته، مريضًا، سنة 1970

مجازر تاريخية:

اتَّهم قائد الجيش الإندونيسي، “محمد سوهارتو”، في تشرين الأول/أكتوبر 1965، الحزب الشيوعي الإندونيسي بتنظيم محاولة انقلاب، وأمر الجيش بتنفيذ عمليات إبادة منهجية لما يصل إلى مليون إندونيسي (بتوجيه من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية)، واعتقال أكثر من ستمائة ألف مواطن، بالإضافة إلى نفي وإبعاد حوالي مائة ألف مواطن، إلى مناطق نائية في البلاد، دون محاكمة، بتهمة الإنتماء إلى الحزب الشيوعي (وهو حزب قانوني، وجماهيري)، أو لمجرد اتهامهم بإخفاء تعاطف أو ميول يسارية، وفق ما وَرَد في بعض الوثائق القضائية الإندونيسية، وبقي عشرون ألفًا في السجون والمعسكرات حتى سنة 1979، بدون تهمة، وأما من وُجِّهَتْ له تُهمة، فكانت واهية في معظم الحالات، وأشرف سوهارتو، ومن ورائه وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، على المجازر، بينما كان “سوكارنو” مريضًا، ثم تولى محمد سوهارتو السلطة رسميا، سنة 1968، وحكم كديكتاتور، بدعم من الولايات المتحدة، حتى عام 1998، حيث تظاهر ضده الملايين من السكّان بسبب الفساد وتردي الوضع المعيشي، خصوصًا بعد أزمة أسواق المال الآسيوية، سنتي 1997 و 1998، وهي الأزمة التي انطلقت من تايلند، وتجسمت في انهيار أسواق المال، أما الموطنون فقد تأثّرَتْ حياتهم سَلْبًا، وتدهْوَرَ الوضْع المَعِيشِي للسكان في كوريا الجنوبية وفي ماليزيا، وفي بلدان جنوب آسيا، ثم امتدت الأزمة إلى بقية بلدان العالم، وارتفعت نِسَبُ البطالة في آسيا، وانخفضت القيمة الحقيقية للرواتب، وخصوصًا في البلدان التي أُطْلِقَ عليها “النُّمُور” (أي التي تسارَعَ تَطَوُّرُ اقتصادِها)…

كان الحزب الشيوعي في إندونيسيا (وكذلك في ماليزيا) قويًّا، وهو أول حزب قاوم الإستعمار الهولندي، ثم الياباني، فنال شعبية في أوساط وطنية، مناهضة للإستعمار، وعارض الحزبُ الإستثماراتِ الأجنبية وناهضَ الهيمنة الإمبريالية على ثروات واقتصاد البلاد، وحاول “سوكارنو” قَمْع الحزب الشيوعي، قبل التحالف معه، ضد الإسلاميين الذي يدعمهم جُزْء من الجيش، وتدعمهم الولايات المتحدة، في محاولة لقطع الطريق أمام الحزب الشيوعي، الذي كان قادرًا، جماهيريًّا وانتخابيا على حكم البلاد، وفق قواعد الديمقراطية البرجوازية (التّمثيلية البرلمانية)، وتتخوف الولايات المتحدة (خلال فترة الحرب الباردة) من توسيع نفوذ التيارات الشيوعية، التي كانت تمثلها الصين والإتحاد السوفييتي آنذاك، ونما الحزب الشيوعي، خلال فترة الإستقلال، وبلغ عدد أعضائه سنة 1964 (سنة واحدة قبل المجازر) نحو ثلاثة ملايين عضو منتسب، وحوالي 16 مليون متعاطف ونصير، وقدّرت وكالة المخابرات عدد ناخبيه (بنهاية سنة 1964) بأكثر من عشرين مليون، في حال إجراء انتخابات حُرّة، ووجد “أحمد سوكارنو” في الحزب الشيوعي درعًا في مقابل التحالف الرجعي بين قوى الدين السياسي وجزء من قيادات الجيش، فأعلن (الرئيس سوكارنو) في أيار 1965 أثناء الإحتفال بالذكرى 45 لتأسيس الحزب الشيوعي الإندونيسي، دعمه و تأييده للحزب الشيوعي، مما حَوّل العلاقات بين القوى الوطنية والتقدمية (وعلى رأسها التيار المُناصِر لأحمد سوكارنو) من علاقات عرضية أو “تكتيكية”، إلى علاقات استراتيجية، وهو ما لا يُرْضِي الولايات المتحدة، وصندوق النقد الدّوْلي…

حدثت، سنة 1965، محاولة انقلاب غامضة، وغير واضحة الأهداف ولا المُنفِّذِين، واتهمت قيادة الجيش (بزعامة محمد سوهارتو)، وكذلك المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، الحزب الشيوعي، بالتخطيط للإنقلاب وبتنفيذه، وباغتيال ستة ضُبّاط من الجيش، واغتنم الجيش الفرصة لاحتلال محطات الإذاعة والتلفزيون والبريد والإتصالات، وزحفت القوات البرية الخاصة، وجيش الجو وقوات من “حامِيَة” العاصمة “جاكرتا”، لاحتلال المناطق الإستراتيجية في العاصمة، وكانت فُرْصَةً لتصفية القيادات العسكرية، غير المُوالية لأمريكا، وفُرْصَة لتصفية كوادر الحزب الشيوعي، بتهمة بتدبير الإنقلاب، وشنت قيادة الجيش، بدعم من المخابرات المركزية الأمريكية، حملة بذريعة “إخماد حركة الانقلاب الشيوعية”، لتبدأ عملية تصفية الحزب الشيوعي الإندونيسي والقضاء التام على كافة أعضائه، عبر الإغتيال والتّصْفِيات الجسدية، أو ما يُسمّى في لغة حقوق الإنسان “الإعتقال والإعدام، خارج إطار القضاء”، واستغل “محمد سوهارتو” الوضع لتفجير الصراعات الراكدة، وافتَكّ منصب القائد الأعلى للجيش، من أحمد سوكارنو، وأعطى لنفسه “صلاحيات استثنائية”، “من أجل حفظ الأمن واستقرار النظام”، وأصبح “سوهارتو” الحاكم الفعلي للبلاد، فيما كان “سوكارنو” مريضًا، وأَجْبَرَتْهُ قيادة الجيش على التخلي عن السلطة، سنة 1967، وتسلّم محمد سوهارتو الرئاسة بالنيابة، إلى أن عيّنَهُ البرلمان رئيسًا، بصفة رسمية سنة 1968

نَشَرَ المركز القومي (الأمريكي) لرفع السّرِّيّة، ومؤسسة أرشيف الأمن القومي، مجموعة من الوثائق الرسمية الأمريكية، ومن البرقيات الدبلوماسية الأمريكية التي تغطي تلك الفترة، أظْهَرت إن السفارة الأمريكية في “جاكرتا” أرسلت معلومات دقيقة لوزارة الخارجية (والحكومة) الأمريكية، تُثْبِتُ وقائع القتل الجماعي، وتُثْبِتُ تورّط السلطات الأمريكية في عملية تطهير إندونيسيا من الشيوعيين، ودعم الخطة القَمْعية للجيش، و”محمد سوهارتو”، بل والتغطية الإعلامية باستخدام الكذب والتّضليل، رغم عِلم الحكومة الأمريكية بِبَراءة ضحايا القمع من تُهم الإنقلاب وغير ذلك من “الحُجَج” الواهية التي استخدمها الجيش الإندونيسي، والتي رَوّجَها الإعلام الأمريكي، الذي ساهم أيضًا في تبرير العنف من أجل تحقيق أهداف الإمبريالية الأمريكية، سواء في فيتنام أو في أمريكا الجنوبية، وغيرها، بل صَدّرَت الأساليب التي استخدمها سوهارتو، ودرّبت المخابرات الأمريكية عناصر الأحزاب والمليشيات اليمينية ( المدعومة من واشنطن) في جميع أنحاء العالم، على استخدام الأساليب التي نفّذَها الجيش ومليشيات الإسلام السياسي في إندونيسيا، لمحاربة الشيوعية (أو ما كان يُصَنّفُ كذلك) كجزء من استراتيجية الهيمنة الأمريكية، خلال الحرب الباردة، بالتوازي مع التّدخّل العسكري الأمريكي المباشر، لتغيير الأنظمة التي تعتبرها أمريكا “مُعادِيَة”، وكان – ولا يزال – استخدام القُوّة من المقوّمات الثابتة للسياسة الخارجية الأمريكية…

لمحة عن الوضع الدّاخلي في إندونيسيا، قبل المجزرة:

سَعى الرّئيس “أحمد سوكارنو”، خلال فترة تَحَوُّلِه نحو “اليسار”، أثناء خمسينيات القرن العشرين، إلى تأسيس تحالف أو نوع من “الوحْدَة”، بين حزبه “الحزب الوطني الإندونيسي”، و”الحزب الشيوعي الإندونيسي” وجماعة “نهضة العلماء” الإسلامية، وكان المُقترح في بدايته انتهازيًّا صرْفًا، لأنه يعتقد إن الحزب الشيوعي وحده قادر على تجنيد عدد كبير من المتطوعين، لتنفيذ برامج اقتصادية مُسْتقلة، وبرامج تدريب واسعة، وارتفعت شعبية الحزب الشيوعي بفضل مقترحاته ودفاعه عن صغار المُزارعين في الأرياف وعن الحِرَفِيِّين والعُمّال في المناطق الحَضَرِيّة، وفاز في الإنتخابات المحلية سنة 1957، ببعض المناصب بالبلديات في المدن الرئيسية، مما أثار مخاوف الجناح الأكثر رجعية في النظام، وخصوصًا في صفوف قيادات الجيش، واستفاد “الحزب الوطني الإندونيسي” (حزب سوكارنو) من التحالف مع الحزب الشيوعي، فارتفعت شعبيته، بالتوازي مع زيادة عدد الأعضاء في الحزب الشيوعي، وزيادة الدّعم الشعبي، خصوصًا بين سنوات 1960 و 1965، وأصبح “أحمد سوكارنو” يُعلن انتهاج سياسة خارجية مستقلة، ودعم فكرة برنامج “اشتراكي إندونيسي مُستقل”، ولكنه كان مُتحمّسًا لتشكيل تكتّل دول “عدم الإنحياز”، وتأسيس تحالف دولي، يجمع كافة الدّول حديثة الإستقلال، وتكثيف التّعاون فيما بينها، بدعم من “الكتلة الاشتراكية والدول التقدمية”، والنّقابات العُمّالية والحركات الجماهيرية، وكان يدعم حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وينقد العقيدة الأمريكية المُعادية للفكر الإشتراكي والتقدمي، بشكل مبالغ فيه، بحسب رأيه، وكان “سوكارنو” يعتزم تشريك الحزب الشيوعي في الحكومة، في بداية ستينيات القرن العشرين، لولا اعتراض قيادات الجيش.  

من جهة أخرى، أنشأ الحزب الشيوعي الإندونيسي تحالفًا “يساريًّا”، وقاد حملةً ضد الفساد في الشركات المملوكة للدولة، والشركات التي كان يُديرُها ويُشرف عليها الجيش، وقاد حملة من أجل تمثيل العاملين في مجلس إدارة شركات القطاع العام، ومشاركتهم في التخطيط وتنفيذ ومتابعة البرامج والأهداف، كما أطلق حملةً من أجل استصدار قانون للحد من ملكية الأراضي الزراعية، وتوزيع الأراضي الزائدة عن هذا الحد، في المِلْكِيّات الكبيرة، على العُمّال الزراعيين، والمزارعين الفُقراء، الذين كان يستغلّهم الفلاّحون الأثرياء، في بلد كان اقتصاده يعتمد على الزراعة…   

كان قرار تصفية الحزب الشيوعي نتاجًا لتحالف القوى اليمينية الدّاخلية (كبار ملاّكِي الأراضي، والجيش، وقوى الدّين السياسي) مع القوى الإمبريالية الخارجية، ممثّلَة في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تُعارض برنامج الحزب الشيوعي (وَوُجُودَه أَصْلاً)، وتعارض دور الحزب الشيوعي في دفع نظام إندونيسيا نحو تأسيس حركة عدم الإنحياز، ودعم قوى التحرر، ودعم الحركة الوطنية في فيتنام، وما كان يُسمّى “الهند الصينية”، وحركات التحرر في إفريقيا، وغيرها، وحاولت الإمبريالية الأمريكية الإطاحة بنظام الحكم القائم في إندونيسيا، ودعمت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، سنة 1958، تمرُّدًا إقليميًّا رجعيا مُسلّحًا، ضد الحكومة المركزية، وألقت حكومة إندونيسيا القبض على طَيّار أمريكي، كان بصدد تنفيذ عمليات عسكرية عدوانية، وتفجيرات قتلت العديد من الجنود والمدنيين الإندونيسيين، وفي مجال الدّعاية، أنتجت وكالة الإستخبارات الأمريكية شريطًا إباحيًّا، يُظْهِرُ رجلًا يرتدي قناع “سوكارنو”، في أوضاع مُخِلّة، بهدف استخدامه لتشويه سمعته، لكن لم يتم استخدامه، بسبب سهولة اكتشاف اللعبة الدّنيئة، ثم أصبحت الولايات المتحدة (بطلب من الضباط وقيادة الجيش) تُشْرِفُ على تدريب الجيش وعلى تسْلِيحِهِ، مما يَسَّر على الولايات المتحدة تأسيس شبكة من الضّبّاط المُوالين لها، وفي مقدّمتهم “محمد سوهارتو”، ودعمتهم، خصوصًا بعد تدهور العلاقات الرسمية بين الحُكُومَتَيْنِ، خلال فترة حكم “ليندون جونسون”، الذي أكمل فترة جون كينيدي، بعد اغتياله، مما جعل سوكارنو يعزِّزُ التحالف مع الدول الإشتراكية، وزادت تصريحاته العلنية المناهضة للسياسات العدوانية الأمريكية، سنة 1964، وبدأت الولايات المتحدة تخلق جهازًا مواليًا لها (يقوده الضبّاط اليمينيون الموالون لها) داخل أجْهِزَةِ الجيش والأمْن والدولة الإندونيسية، وأنتجت وكالة الإستخبارات الأمريكية موادّ إعلامية كاذبة، ضد الشيوعيين وضد سوكارنو وحزبه، وقدّمت معدات الاتصالات، لمساعدة الجنرال محمد سوهارتو على نشر تقارير كاذبة، ضد الحزب الشيوعي، وضد الحزب الوطني (حزب سوكارنو)، في بداية سنة 1965، تمهيدًا لإعلان محاولة الإنقلاب (المشبوهة)، ولتغيير السلطة بالقُوّة، وتنفيذ مجازر ضد الشيوعيين، وأنصارهم، وفقا لما كشفته الوثائق الحكومية الأمريكية والإندونيسية، بعد مرور أكثر من خمسة عُقُود على المجازر، وكان “روبرت مارتنز” أحد موظفي القسم السياسي بالسفارة الأمريكية بجاكرتا (سنة 1965)، قد اعترف، لصحيفة “واشنطن بوست”، سنة 1990، بتسليمه، شخصِيًّا، قائمة بأسماء الشيوعيين إلى قيادة الجيش الإندونيسي، لمساعدة الجيش على تصفيتهم…

العُنْف في السياسة الخارجية الأمريكية:

نشأت الولايات المتحدة، كَدَوْلَة، على المجازر الجماعية التي كان ضَحِيّتَها السّكّانُ الأصلِيُّون للبلاد (أمريكا الشمالية)، ولم تنشأ نتيجة تطور حضاري، تاريخي، “طبيعي”، بل نشأت كَمُستعمرة استيطانية أوروبية، استباحت بلاد الغَيْر، عبر القضاء المُبْرَم على أهل البلاد، وافتكاك أرضهم، وبلادهم، وأصبح هذا العُنْف عقيدةً، وأساسًا لتَبْرِير كافة الحروب العدوانية الخارجية الأمريكية التي بدأت بنهاية القرن الثامن عشر، وتطورت بفعل تطور التكنولوجيا والتّطوّر العلمي، لتصبح القوة العسكرية مَدْعُومة بالقوة الإعلامية، وبالقوة المالية (الدّولار)، وبالمؤسسات الدّولية (الأمم المتحدة وصندوق النقد الدّولي…)، أدوات في خدمة الهيمنة الأمريكية على العالم…

في حالة إندونيسيا، اعتمدت الولايات المتحدة الدّعم العسكري وتدريب الضباط والمليشيات على عمليات القمع (قمع الشيوعيين)، ليخرج الجيش عن دوره في الدفاع عن حُدُود البلاد، إلى قمع “العَدُو الدّاخلي”، وفق عقيدة الجيش الإستعماري الفرنسي، التي نشرها لدى الكيان الصهيوني، ولدى جُيُوش أمريكا الجنوبية، والعهدو الدّاخلي في إندونيسيا هو الحزب الشيوعي، أي قُوة داخلية (وليست خارجية) لها شعبية ولها برنامج دولة، كما اعتمدت التجسُّس وإنتاج مادّة إعلامية كاذبة، وأخبار مُضلِّلَة، وأكّد المُؤرّخ الأمريكي “جون روسا”، إن الولايات المتحدة تمكنت، من خلال الإشراف المباشر على المجازر، من تغيير وجه إندونيسيا، سنة 1965، والسيطرة على البلاد، وتقويض حركة عدم الإنحياز، والقضاء على ثالث أكبر حزب شيوعي في العالم، كخطوة هامة في تحقيق برنامج وقف انتشار الشيوعية في العالم، وبذلك ضربت الإمبريالية الأمريكية عدّة عصافير بحجر واحد، وتمكنت من تحقيق تحول هام في الحرب الباردة، وفي محاربة انتشار الفكر الإشتراكي، واعتبرت المخابرات الأمريكية إن قمع الحركة الشيوعية وتنصيب محمد سوهارتو على رأس الدولة في إندونيسيا حَدث تاريخي هام، لأن الولايات المتحدة كانت تعتبر إندونيسيا حلقة رئيسية في التّصدِّي للإتحاد السوفييتي والصين، ولانتشار الفكر الإشتراكي في جنوب شرق آسيا (مع الإشارة إلى قتل الجيش الأمريكي حوالي مليونَيْ فيتنامي، من المدنيين والمزارعين والفُقراء)، وتَكَفّل الجيش الأمريكي والمخابرات بتدريس التكتيكات المستخدمة، لإعادة استخدامها (مع بعض التّحويرات) في مناطق أُخْرَى من العالم، بحسب تحقيق نشرته وكالة “أسوشيتد برس سنة 2014، ولا تزال أمريكا تحتفظ بوثائق سريّة لم تُنْشَرْ إلى اليوم، رغم مرور 54 سنة على هذه المجازر، وتحتوي على تفاصيل تدريب وتمويل مليشيات يمينية (بعضها مرتبط بالجيش) تورّطت في تنفيذ المجازر ضد الشيوعيين في إندونيسيا، واعتبرت بعض المنظمات الحقوقية هذه المجازر “واحدة من أكبر جرائم الإبادة الجماعية في القرن العشرين”، وتتحمل الولايات المتحدة مسؤوليتها، بتواطؤ نشيط من حكومات بريطانيا وأستراليا…

تجلّت خلال النصف الثاني من القرن العشرين، خطة “عَسْكَرَة” السياسة الخارجية الأمريكية، للهيمنة على العالم، إلى جانب الخطط الدبلوماسية التي كان يُعدُّها اسْتراتِيجِيُّو مجلس الأمن القومي، بدلا من موظفي وزارة الخارجية، وارتفع عدد ضحايا الإعتداءات العسكرية الأمريكية، بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، في العراق وأفغانستان وفي سوريا واليمن وليبيا وغيرها، كما زادت حدّة لغة التّهديد والوعيد الأمريكية، وتطبيق العقوبات والحظْر والحصار، ورفض الحوار، ورفض البحث عن حلول لمشاكل ذات صبغة اقتصادية وتجارية…  

نتائج مجزرة 1965:

قدّرت العديد من المصادر، ومن بينها دراسات جامعية أمريكية، العدد الإجمالي لضحايا مجازر إندونيسا 1965 بنحو ثلاثة ملايين شخص، من بينهم نصف مليون من أعضاء الحزب الشيوعي، وطالت الاعتقالات التعسفية قرابة 600 ألف مواطن، وبقي نحو 100 ألف مواطن في السجن دون محاكمة، طيلة خمسة عشر سنة، ولم يتمكّن الآلاف من المواطنين من العودة إلى بلادهم، بعد سحب الجنسية وحرمانهم من جوازات السفر، حين كانوا متواجدين بالخارج، وقُدِّرت حالات الإختفاء القَسْرِي وحالات الاسترقاق والتعذيب والعنف الجنسي، بعشرات الآلاف، بتواطؤ مع وسائل الإعلام العالمية، ومع حكومات “غربية” عديدة، من بينها الولايات المتحدة واليابان واستراليا وبريطانيا وغيرها، وطال الإعتقال والقتل قيادات وأعضاء الحزب الشيوعي الإندونيسي، والحزب الوطني الإندونيسي، وحزب إندونيسيا “بارتيندو”، ومنظمة الشباب الشيوعي “آكوما”، والاتحادات العمالية، والتنظيمات الجماهيرية المتحالفة معهم، وسَجنت السُّلُطات النّاجين من القَتْل…

دامت فترة حُكْم محمد سوهارتو 32 سنة، وطيلة تلك الفترة، كانت الدعاية الرسمية تُصَوِّرُ الشيوعيين كمصدر تهديد للبلاد، رغم المجازر والسجون والحرمان من العمل، وشَرْعَنَت الدعاية الرسمية الكذب ونشر الحقد والكراهية ضد الشيوعيين، من أجل تبرير العنف (المجازر والقتل الجماعي) ضدهم، وكان الرئيس “جوكو ويدودو” قد وَعَدَ، عقب انتخابه سنة 2014، بإجراء تحقيق حكومي في المذابح، جرائم الإبادة الجماعية، ولكنه رفضَ، في خطاب، أمام القادة العسكريين “تقديم الاعتذار للحزب الشيوعي”، في حين تُطالب المنظمات الحقوقية بالإعتذار للضحايا وليس للحزب الشيوعي، والإعتذار للمواطنين الإندونيسيين عن عواقب المجزرة والإنقلاب العسكري، على اقتصاد البلاد وعلى مستوى عيش المواطنين الذي تراجع…

بعد خمسة عقود، نظم الناجون من المذابح، داخل البلاد وخارجها، بدعم من مناضلين حقوقيين ومن “المجتمع المدني”، وبمشاركة مختصين، حَمْاَةً لجمع شهادات ووثائق تخص ما حدث، ممن بقوا أحياء، ومن الوثائق المكتوبة أو المُصَوّرَة، بهدف عَقْد “المحكمة الشعبية العالمية لمذابح 1965″، برئاسة “زاك ياكوب” من جنوب إفريقيا، وهي محكمة رمزية، على شاكلة محكمة “برتراند راسل”، الذي شكل سنة 1966محكمة شعبية لتوثيق جرائم الولايات المتحدة في فيتنام، بهدف رد الإعتبار لضحايا القمْع والمجازر التي تنفذها أجهزة الدّولة، والأجهزة المتعاونة معها، وفي إندونيسيا، تعَقَّبَ الجيش وأجهزة الأمن، بدعم أمريكي، أعضاء الحزب الشيوعي وأنصاره لفترة ثلاث سنوات (حتى نهاية 1968)، وجرى تعذيبهم ثم قتلهم، وسجن مائة ألف دون محاكمة، منهم عشرين ألف بقوا في السجن من 1965 إلى 1979، دون توجيه تهمة رسمية، ودون محاكمة، ونفْيِ عشرات الآلاف إلى مناطق نائية، لسبب وحيد يتمثل في وجود علاقةٍ ما (حقيقية أو مُتَخَيّلَة) مع الحزب الشيوعي، ولا يزال أبناء وأحفاد أعضاء الحزب الشيوعي يعانون من التمييز، ومن الحرمان من الوظائف الحكومية، رغم الوُعود، ورغم الدّعوات التي أطلقتها منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، منذ ابتعاد محمد سوهارتو عن السلطة (سنة 1998)، حيث كان من المستحيل، خلال فترة حكمه (من 1965 إلى 1998) للناجين من المجزرة الحديث عن المجزرة أو السجن والتعذيب والنّفْي، ولكن الدولة ترفض لغاية الآن فتح ملفات الجريمة ومعاقبة المجرمين، رغم اعتراف الرسميين الأمريكيين ووسائل الإعلام والباحثين بزيف اتهام الشيوعيين بقتل الضباط، وبمحاولة الإنقلاب،  ونشرت “مجموعة آسيا للعدالة والحقوق”، سنة 2015، شهادات نساء (26 امرأة) ناجية من المجازر الجماعيه، وغيرها من أشكال العنف التي نفذها الجيش في إندونيسيا سنة 1965، وهن من  زوجات أو بنات سجناء سياسيين أو مشتبه في تعاطفهم مع الشيوعية، وتمكّنت قلّة قليلة من النّاجين، من القيام بنشاط سري، أزْعَجَ الحكومة، قبل القضاء على هذه الخلايا السّرّية سنة 1968، بدعم من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، بحسب اعتراف أعوان سابقين، بعد مرور خمسين سنة، على الأحداث…

على الصعيد الإقتصادي، التأمت “ندوة جنيف” في تشرين الثاني سنة 1967، “لدَعْم اقتصاد إندونيسيا”، بإشراف شركات متعددة الجنسية، تُهيمن على عدّة قطاعات اقتصادية وماليّة، ومن بينها: “جنرال موتورز” و”إمبريال كيمِكَال أندستريز” و”بريتش ليلاند” و”بريتش أمريكان توباكو”، وأمريكان إكسبرس” و”سيمنس” و”غوديير” و”ذي إنترنشينال بيبر كُرْبُورَيْشِن” و”يو إس ستيل”، وغيرها، لتقاسم الثروات الطبيعية الضخمة للبلاد، بعد أن حال نظام الحكم السابق (خلال فترة تحالف سوكارنو مع الحزب الشيوعي) بين الشركات متعددة الجنسية وثروات البلاد، من نفط ومطّاط ومواد فلاحية، ومناجم، وغيرها، واستغلت هذه الشركات الثروات وكذلك العُمال والعاملات، الذي حُرِمُوا من تأسيس النقابات العُمّالية التي تُدافع عن حقوقهم الدّنيا ( الرواتب وظروف العمل)، في ظل حملات القمع المتتالية ضد الأحزاب التقدمية والنقابات والجمعيات الأهلية التي لا تُساند الحُكْم العسكري، الذي أقرّ، مباشرة بعد الإنقلاب، إعفاء الشركات متعددة الجنسية من الضرائب، لفترة خمس سنوات، قابلة للتجديد…

شَكَّلَ الإنقلاب العسكري، انقلابًا على الديمقراطية، وتغييرًا سياسيا كاملا، كما شكّلاً تغييرا في الإتجاه الإقتصادي، حيث عاد صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، بقوة لنهب ثروات البلاد، وتكبيلها بالدّيون، بإشراف “المُستشارين والخُبراء”، من “مدرسة شيكاغو”، ومجموعة “شيكاغو بويز”، التي أسست إطارًا دوليا ( كندا والولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية وأستراليا واليابان…) يُشرف على البرامج الإقتصادية لإندونيسيا، بدعم من البنك العالمي، في مناخ يسمح للرأسماليين باستغلال الطبقة العاملة، بكل حريّة، إذ كانت أولى قرارات حكومة الإنقلاب العسكري، منع تأسيس أي تنظيم شيوعي ومنع تأسيس النقابات ومنع الإضراب…

خاتمة:

إن مجازر إندونيسيا تُمثل الوجه الحقيقي للرأسمالية وللإمبريالية، ويُقدّرُ عدد ضحايا مجزرة إندونيسيا 1965 بعدد سُكّان موريتانيا، ويفوق عدد الضحايا عدد سُكان العديد من الدّويلات العربية المَسْخ، أو الجزر التي لا يسمع باسمها أحد، سوى أثناء التصويت لدعم الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، في الأمم المتحدة، ودعمت الولايات المتحدة عميلَها “محمد سوهرتو” الذي غادر السلطة، بعد احتجاجات جماهيرية ضد الوضع الإقتصادي الناتج عن أزمة الأسواق المالية الآسيوية (1997 – 1998)، ولكنه غادر الحُكم بعد جمع ثروات طائلة، وتمتع بالحصانة الكاملة، بفضل عمالته للإمبريالية الأمريكية، ولا يجرأُ أحد على محاسبته ومحاكمتها بتهمة ارتكاب المجازر، وتجويع الشعب الإندونيسي…

كان الحزب الشيوعي الإندونيسي حزبًا قانونيًّا وجماهيريًّا، ولكن الرأسمالية والإمبريالية لا تحترم قوانينها وقواعدها، وتلجأُ إلى التزييف والكذب والدعاية، ونشر الإشاعات المُغْرِضَة، وإذا لم يكن ذلك كافِيًا، تلجأُ إلى الإعتقال والإغتيال والمَجازر، ولا يمكن محاربة عَدُوٍّ لا يحترم القواعد التي أقرّها بنفسه، بالإقتصار على الوسائل السلمية، وعلى النضال الديمقراطي العَلَنِي، ولنا في تجربة الحزب الشيوعي الإندونيسي خير مثال، حيث فاجأت أجهزة القمع المحلية (الجيش والأمن) والخارجية (المخابرات الأمريكية والأسترالية) قيادة وأعضاء الحزب، الذين لم يتهيّأُوا للإنتقال للنضال السّرِّي، وبعد ثماني سنوات، سحقت القوات المُسلّحة نظام الرئيس سلفادور أليندي في تشيلي، بدعم من المخابرات الأمريكية، والإعلام الرأسمالي العالمي، في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر سنة 1973، وهو المنتخب ديمقراطيا، وجمع الجيش المواطنين في ملعب العاصمة “سنتياغو” وأعدم حوالي ثلاثة آلاف مواطن مدَنِي، أعزَل ومُسالم…

أدّى الإنقلاب في إندونيسيا إلى إقرار مرسوم يمنع تأسيس أي تنظيم شيوعي، ويُعاقب بالسّجن، لفترة 12 سنة، بتهمة الدعاية الشيوعية، كلُّ من يتحدث عن “الطبقة العاملة”، ومنع النّظام الجديد، بقيادة “سوهارتو” تأسيس النقابات وتنفيذ الإضرابات…

*****

إن السلام حقيقة مكذوبة – والعدل فلسفة اللهيب الخابي

لا عَدْلَ إلا إنْ تعَادَلَتِ القوَى – وتَصَادَمَ الإرهابُ بالإرهاب

أبو القاسم الشابي – 24/02/1909 – 09/10/1934

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *