” صفقة القرن ” بين سلطة امريكا ومعارضة روسيا / د. حسام العتوم

د.حسام العتوم ( الأردن ) الأحد 17/3/2019 م …



​الغريب بما يسمى بصفقة القرن الخاصة بالقضية الفلسطينية العادلة والتي انهك مسارها القرن الماضي العشرون انها تتزامن مع ظهور شخصية القرن الحادي والعشرين من خارج الحلبة السياسية الامريكية والذي هو الرئيس دونالد جون ترمب رجل الاعمال الملياردير المحسوب على الحزب الجمهوري منذ صعوده إلى سدة البيت الأبيض بتاريخ 20 يناير 2017، والرئيس الخامس والاربعون للولايات المتحدة الامريكية، ولم يجرؤ قبله أي رئيس امريكي منذ عام 1948 على اتخاذ مثل هكذا خطوة متهورة غير محسوبة العواقب ولا تنصف العرب وفي مقدمتهم الفلسطينيون أصحاب الحق، والأرض، والقضية العادلة، والتاريخ يصف إلى جانبهم، وقرارات الأمم المتحدة لا زالت تنصفهم وحتى تلك المتعلقة بمجلس الأمن. ويبدو أن من صمم صفقة القرن والتي هي اشبه بقنبلة سياسية موقوتة اختار زمنها وشخصيتها بدقة، والزمن يعني لي هنا غياب الوحدة العربية، والقوة العربية غير التقليدية النووية، والشخصية من خارج عالم السياسية مثل ترمب، والمطبخ السياسي ينحصر في تل ابيب، و(الايباك)، و(الكونغرس)، و (البنتاغون).

​وأفهم ما سبق وذكرته هنا يحول الولايات المتحدة الأمريكية صديقة العرب ذات الوقت، وصديقة اسرائيل لدرجة اعتبارها خطأ احمر إلى وكيل لإسرائيل، وإلى مصطلح الولايات الوكيلة لإسرائيل، وبكل الأحوال انسحبت (صفقة القرن) المشؤومة على الحزب الجمهوري الأمريكي وسجلها التاريخ عليه، والجمهوريون الأكثر اسناداً للكيان الاسرائيلي ويلتقون مع الديمقراطيين في الخندق الاسرائيلي، ونهج الحزبين يكمن في أن (امن امريكا من أمن اسرائيل)، ولذلك فإنها أي أمريكا شاركت أوروبا في تزويد اسرائيل بالسلاح النووي سراً منتصف اربعينات القرن الماضي العشرين وكشف عن وجوده في مفاعل (ديمونه) الخبير النووي من أصل مغربي مردخاي فعنونو عام 1986 لصحيفة “ساندي تايمز” البريطانية بالإشتراك مع الصحفي الكولومبي اوسكار غيريرو. وتنفرد امريكا ومن خلفها اسرائيل صاحبة الامتياز بهذه الصفقة، وتستغل انفرادها كما تعتقد بالسلطة العالمية، أو بسلطة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وبسبب رفضها لعالم الاقطاب المتعددة الذي تقوده سياسياً الفدرالية الروسية. وعينها على اقتصاد العالم، ولكل قطب سياسي عالمي بكل الاحوال استقلال اقتصادي منفرد، وفي الوقت الذي تتحدث فيه كل من امريكا وروسيا بالسياسة نلاحظ انفراد الصين تحديداً بالخطاب العالمي الاقتصادي.

​وفي عمق التاريخ منحت الحرب الباردة بين القطبين العملاقين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية سلطتين متساويتين في مجالات السياسية، والعسكرة، والاقتصاد، والغاء روسيا للحرب الباردة بعد الانهيار السوفيتي وتفكيكها لحلف (وارسو)، وتمسكها بعالم الاقطاب المتعددة لا يعني أن تنفرد امريكا بسلطة العالم، وروسيا اليوم وحدها وبما تملك من ترسانة نووية عملاقة (7 الاف رأس نووي) وجيشا، وبحرية وعسكرة للفضاء قادرة على التوازن مع الولايات المتحدة الامريكية عسكريا، وتمنع انفرادها بسلطة العالم، بينما تراهن امريكا على سطوتها الاقتصادية عبر افتعالها للازمات والحروب على خارطة العالم، وعبر تغولها في المقابل على توقيع العقود التجارية والاقتصادية ومنها العسكرية المليارية الدولارية وسط العرب، وفي المقابل لا تبخل امريكا في تقديم المساعدات الاقتصادية ومنها العسكرية للعرب وتقدم اضعافها لإسرائيل وتزودها بالأسرار العسكرية والامنية.
​واسرائيل بالمناسبة نتاج للحركة الصهيونية اواخر القرن التاسع عشر، وتشكلت بداية على شكل عصابات ارهابية مثل (هاشومير)، و (البالماخ)، و (الهاجاناه)، و (الارجون)، وغيرهم، ووضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني وعينها عبر سايكس بيكو 1916 ، ووعد بلفور 1917، ومع سبق الاصرار على مصالح وامن اسرائيل أولاً وأخيرا، وخاضت معارك كبيرة مع العرب وكانت فلسطين الضحية الأولى، وحتى منذ قرار التقسيم 1947، وأوهموا العرب بأن اسرائيل تقبل بدولة للفلسطينيين عربية مقابل دولة عبرية استيطانية، فخسر العرب معركتين 1948، و 1967، وكامل فلسطين (الضفة وغزة)، والجولان السورية، وسيناء المصرية آنذاك، واحتلال اسرائيلي مؤقت لجنوب لبنان بين عامي 1978 و 2000، وكسب العرب حربين اخريين هما (الكرامة) والنصر الجبار فيها عام 1968 بجهد الجيش العربي الأردني – القوات المسلحة الباسلة وأهل فلسطين عبر فصائل فلسطينية مقاتلة، وفي تشرين 1973 حققت الجيوش العربية (السورية، والمصرية، والأردنية، والعراقية) نصراً نوعياً بتحرير مدينة القنيطرة الجولانية.
وعلى صعيد المسار السياسي يعيب العرب على الاتحاد السوفيتي اعترافه أولا ورسمياً بدولة اسرائيل بتاريخ 7 مايو 1948، بينما لا يعرفون بأن الولايات المتحدة الامريكية اعترفت بالحكومة الاسرائيلية المؤقتة والحرب دائرة، والاهم هنا حري بنا أن نعرف كيف سيطرت امريكا على كافة محطات السياسة المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وكيف اختلف موقف الاتحاد السوفيتي وعبر (الفيتو)، والروسي حتى اليوم في هذا العام 2019 عن الامريكي، ولنقارن بعد ذلك نحن العرب أيهما افضل لنا ولمستقبل اجيالنا من يبحث عن تصفية القضية الفلسطينية ام من يرفض صفقة القرن الممكن ان نسيمها ايضا ومن دون تردد بصفعة القرن؟ ومجلس الامن موجه صهيونيا، وفي عمق الزمن المعاصر سمعنا بمصطلحات مثل (البديل)، و (الخيار).
وصفقة القرن حسب دراسة جادة للباحث الدكتور ابراهيم حمامي صدرت في لندن 2018 تحدثت عند التصاقها بمصادر عبرية، وما ورد عند العرب صيغته مبهمة ويرتقي لمستوى ردود الفعل فقط. وهي بلا حدود وتتعدى الشأن الفلسطيني إلى كامل المنطقة بما في ذلك ايران وأبعد، وحديث هنا عن تواطؤ عربي واقليمي.
والنتيجة الممكن التوصل لها هنا هي أن أمريكا صديقة العرب واسرائيل هي راعية صفقة القرن وبرغبة اسرائيلية واضحة لا تنتهي عند نقل سفارة أمريكا إلى القدس، ولا بطمس هوية القدس، وتتعدى حتى موضوع المساس بالوصاية الأردنية الهاشمية على المقدسات في فلسطين. وروسيا في المقابل تشكل سداً بوجه الصفقة المشبوهة، واعترفت بحل الدولتين، وبالقدس عاصمة لفلسطين ودولتها، وبحدود الرابع من حزيران، وبقرارات الأمم المتحدة، لكن صوت أمريكا يبقى يمثل السلطة وإن كنا نقر بأنها سرابية، وتبقى روسيا تمثل المعارضة وأن كنا نعتقد بأن صوتها غير محبذ سماعه في الغرب الأمريكي. لكنه مسموع عالمياً، وغاية في الأهمية أن يعرف الجميع بأنه إذا أغلق الفلسطينيون الاشقاء الحوار مع أمريكا بسبب انحيازها لإسرائيل وتماديها بإعلان نقل سفارتها إلى القدس وهو حق شرعي لهم، فإن الأردن بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني “حفظه الله” مستمر في الحوار لمعرفة عمق التفكير الدولي ومنه الأمريكي في وارسو، وفي لندن، وفي واشنطن، وليواصل الصمود خدمة لقضية فلسطين العادلة، وللأردن ولكل العرب، وحرص أردني شديد اللهجة على موافقة الشرعية الفلسطينية على أية خطوة سياسية قادمة.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *