أعداء الشيوعية الأكثر وقاحة اليوم / فؤاد النمري

فؤاد النمري ( الأردن ) الخميس 14/3/2019 م …




كنا قبل عام كتبنا إثني عشر مقالا متوالية تحت عنوان “ما زال العالم يعيش عصر الثورة الإشتراكية” نؤكد فيها أن فلول الأحزاب الشيوعية القائمة حتى اليوم لا تضم فيما تبقى من صفوفها غير الشيوعيين المفلسين وقد تنكروا لكل ما هو شيوعي وانقلبوا إلى إصلاحيين، والإصلاحيون هم أعداء الشيوعية الأكثر وقاحة كما أكد ماركس في فصل “الإشتراكية البورجوازية والمحافظة” من البيان الشيوعي حيث أكد أن الإصلاحات السياسية التي تنادي بها البورجوازية لتضمن تحسين أحوال العمال المعاشية لن تغير شيئاً في علاقات الإنتاج التي تؤمن استغلال العمال والتي لا يتم إلغاؤها بغير الثورة . فلول الأحزاب الشيوعية القائمة حتى اليوم لا تملك اكثر من الإصلاح السياسي موضع طعن ماركس الصريح واحتقار لينين وهو الذي أدان بيرنشتاين كإصلاحي انتهازي.
لذلك بدأنا كتابة تلك السلسلة بتوطئة تخاطب الشيوعيين الإصلاحيين المفلسين بالتالي ..
” من ينسى أباه هو الإبن العاق، فلماذا أنتم أيها الشيوعيون عاقون وقد نسيتم أباكم!؟ أنتم ما كنتم لتكونوا شيوعيين لو لم ترثوا الشيوعية عن لينين دون غيره . لقد نقل إليكم ميراث لينين حسب أصوله تلميذه النجيب ستالين، فلماذا تتنكرون لميراث أبيكم لينين!؟
أكد لينين في الاجتماع التأسيسي للأممية الشيوعية في مارس آذار 1919 على أن.. “الحرب العالمية الاستعمارية الأولى قد زكّت ثورة البروليتاريا لما بعد الحرب، وها هي ثورة البروليتاريا تتعاظم كل يوم وقد بات انتصارها مؤكداً على مساحة العالم “، وقال أيضاً قبل مائة عام تماماً .. ” نحن نعيش اليوم عصر الثورة الإشتراكية ” .
الشيوعيون الذين يتنكرون لكل هذا من لينين هم ليسوا شيوعيين مفلسين وحسب بل هم ليسوا شيوعيين على الإطلاق أو الأحرى هم أعداء الشيوعية الأكثر وقاحة .

لم ينبس هؤلاء الشيوعيون المفلسون ببنت شفة في مواجهة مثل هذه الاتهامات التي تدينهم بالعقوق وبالخيانة وهو ما يدلل على صحتها ؛ ومع ذلك لا تعدم أحدهم يؤكد وقاحته مدعياً أن الثورة الإشتراكية انتهت إلى الفشل بسبب بيروقراطية ستالين ودكتاتوريته الفردية .

نحن في مواجهة مثل هذه الوقاحة الإستثنائية، حيث مختلف أطياف الشيوعيين المقلسين لم تتفق بعد على أسباب انهيار المعسكر الإشتراكي – وهو ما يدعو للإشتباه – لا نملك إلا أن نعود بالذاكرة إلى العام 53 عند اغتيال ستالين حين كان الإتحاد السوفياتي أقوى دولة في العالم، حين كان حارس الإمبريالية ونستون تشيرتشل يصلي كل صباح للرب كي يحفظ ستالين لأنه القائد الوحيد القادر على حفظ السلام في العالم، وحين كتب روزفلت قبل أن يموت في مفكرته أن ستالين سيبني عالماٌ يسوده السلام والديموقراطية، حين كان لهيب الثورة الشيوعية يلفح أبواب عواصم الإمبريالية فيحتل الحزب الشيوعي في فرنسا 33% من مقاعد الرلمان ومثل ذلك الحزب الشيوعي في ايطاليا، وتصاب الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة بالهستيريا والسعار حتى إعدام الزوجين النبيلين جوليوس وإيثيل روزنبورغ، وهجرة شارلي شابلن استنكاراً لذلك السعار الذي طال نجوم المجتمع في الفن والثقافة وساد في أميركا نظام العار، بوصف الأميركيين أنفسهم، نظام المكارثية .
وقبل اغتيال ستالين بأربعة أشهر فقط إتخذ المؤتمر العام التاسع عشر للحزب في أكتوبر 52 بحضور ستالين قراراً يقول .. “سينهار النظام الإمبريالي في وقت قريب”، كما قرر الخطة الخمسية الخامسة (51 – 55) التي كانت ستنقل الإتحاد السوفياتي إلى عتبة الشيوعية وسيعبر العتبة بموجب الخطة الخمسية السادسة (55 – 60) وتبزغ شمس الشيوعية من وراء الأفق في الستينيات أي قبل نصف قرن . ذلك ما أشارت إليه أرقام الخطة الخامسة التي أخفاها الخونة المذعورون في حرزالسرية المطلقة .

نحن نسوق هذه الحقائق لا لنتحدى الشيوعيين المفلسين في الأحزاب الشيوعية القائمة أو خارجها أو لنفضح دعاواهم حول انهيار الثورة الإشتراكية وأسبابه المدعاة، بل لتوكيد حقيقة صادمة للشيوعيين المفلسين ولكل العالقين في الأبحاث السياسية والاستراتيجيا الدولية ؛ الحقيقة الصادمة تقول أن الثورة الإشتراكية البولشفية برهنت منذ ولادتها على أنها غير قابلة للهزيمة والإنهيار وما زالت كذلك .
– ما بين مارس آذار 1918 ومارس آذار 1919 حطم البلاشفة كل جيوش البورجوازية وفلول القبصرية والإقطاع .
– ما بين 1919 و 1921 قهر البلاشفة 19 جيشا جهزتها 14 دولة رأسمالية وإمبريالية دخلت روسيا لتخنق البلشفية في مهدها فكان أن خنفتها البلشفية .
– في 7 نوفمبر 41 كانت 180 فرقة نازية (2.5 مليون جندياً) تحيط بموسكو ولينينغراد وظهر ستالين محتفياً بذكر الثورة الرابعة والعشرون في الساحة الحمراء يؤكد للمواطنين السوفييت أن الاتحاد السوفياتي ما زال لديه القدرة على سحق قطعان النازية وعليهم ألا يخافوا فالإتحاد السوفياتي كان قد سحق كل جيوش الأعداء عندما لم يكن لديه الخبز والسلاح في بداية الثورة . فكان أن توالت الانتصارات في معركة موسكو 41 ثم ستالينغراد 42 ثم المعركة الحاسمة في كورسك 43 وكانت أجراس بريطانيا المهزومة بعيداً وراء المانش تقرع احتفاء بنصر السوفيات . إلى أن كانت المسيرة الحربية الهائلة في 12 يناير 45 التي لا تقدر عليها جملة الدول الرأسمالية الكبري التي استهدفت تحرير جيوش الدول الغربية المحاصرة شرق فرنسا وتتهددها الإبادة التامة، ولم تتوقف تلك المسيرة الحربية الهائلة بعد تحرير جيوش الغرب حتى احتلال برلين في 8 مايو 45، بل إن تقارير المخابرات الأميركية فيما بعد رأت أن تلك الحملة الحربية الهائلة كان بإمكانها أن تعبر باريس ولندن وصولاً إلى واشنطن .

توقفنا هنا عند القوى العسكرية للإتحاد السوفياتي إلا أن قواه المدنية أولى بالتوقف عندها من قواه الحربية .
– في العام 22 كانت الشعوب السوفياتية تبيت على الطوى، كما أفاد لينين، وفي العام 26 عاد مجمل الإنتاج في الإتحاد السوفياتي إلى ما كان عليه في روسيا القيصرية في العام 1913 قبل الحرب .
– وفي العام 36 تحدثت الصحافة الأميركية عن رفاهية الشعوب السوفياتية مقارنة بطوابير الشوربة في الولايات المتحدة . في العام 1941 أثبت الاتحاد السوفياتي أنه أقوى دولة في الأرض وكان باستطاعته أن يزوّد جيوشه ( 16مليون عسكريا ) بأفضل الأغذية وأفضل الألبسة وأفضل الأسلحة، بلغ حجمها 106400 طائرة و 83500 دبابة – ذلك ما كانت لتستطيعه الدول الغربية الكبرى مجتمعة ولن تستطيعه الدول الكبرى الحالية .
– بعد الحرب مباشرة أنجز الإتحاد السوفياتي إعادة إعمار ما هدمته الحرب لأفضل مما كان خلال أربع سنوات فقط بينما الدول الغربية في أوروبا لم تنجز ذلك في عشر سنوات رغم أن ما طالها من الدمار لا يساوي 10% مما طال الإتحاد السوفياتي .
– في العام 51 أجمل الإتحاد السوفياتي الخطة الخمسية الخامسة للتنمية وكانت ستنقل المجتمع السوفياتي إلى عتبة الشيوعية في العام 55 بدلالة الأرقام التي نشرنا بعضها في مقالنا الأخير .
– كان أحد القرارات الهامة جداً التي اتخذها المؤتمر العام التاسع عشر للحزب الشيوعي بقيادة ستالين في أكتوبر 52 يقول .. “سينهار النظام الإمبريالي في وقت قريب” وقد شهدت الأمم المتحدة على صحة ذلك القرار التاريخي فقد أصدرت في العام 72 بياناً يؤكد أنه لم يعد هناك أي أثر للإمبريالية في العالم وكان أن حلت لجنة تصفية الإستعمار التابعة للأمم المتحدة . أنا أعرف لماذا لا يصدق الشيوعيون المفلسون ستالين لكنني لا أستطيع أن أعرف لماذا لا يصدقون الأمم المتحدة !!
ذلك يعني أول ما يعني أن جميع دول العالم استقلت ولم تعد أسواقاً مفتوحة لفائض الإنتاج في مراكز الرأسمالية . وتلك هي الأزمة التي تؤكد انهيار النظام الرأسمالي وهو نقطة البداية لكل علم الماركسية الإجتماعي .

ما يقتضي التأكيد عليه في هذا المقام هو أن ثورة التحرر الوطني التي تفجرت إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية في العام 45 ما كانت لتكون لولا انتهاء الحرب وفق الشروط السوفياتية وبروز الاتحاد السوفياتي ليس الدولة الأقوى في العالم وحسب بل هو الدولة التي تملي شروط الحياة الدولية أيضاً بمعنى أنه هو من قبر النظام الرأسمالي في سبعينيات القرن الماضي . ومن المثير للهزء والسخرية حقاً أن يفترض العوام العكس تماماً .
– يدعي العامة أن النظام الإشتراكي انهار في تسعينيات القرن الماضي غير أنه في الحقيقة أن النظام في الإتحاد السوفياتي لم يكن اشتراكيا فيما بعد اغتيال ستالين وإلغاء الخطة الخمسية الخامسة في سبتمبر ايلول 53، تلك الخطة التي كانت ستؤكد الإنتصار الحاسم للنظام الإشتراكي على صعيد العالم في العام 55 حين يكون الإتحاد السوفياتي على عتبة الشيوعية . ما زلت أذكر بيان الإلغاء الذي أذيع باسم الحزب والحزب منه براء بدلالة استقالة مالنكوف الأمين العام للحزب احتجاجاً على القرار وقد أفصح البيان عن هدف الإلغاء دون لبس أو إبهام إذ قال البيان .. “قررت اللجنة المركزية إلغاء الخطة الخمسية لأنها توهن وسائل الدفاع عن الوطن”، الأمر الذي كان يعني إنقلاب الإتحاد السوفياتي من مصنع للإشتراكية إلى مصنع للأسلحة وهو ما زال حتى الآن حيث جربت روسيا 200 سلاحاً جديداً في سوريا خلال سنتين فقط . كيف يكون اشتراكيا بعد أن قام المارشال جوكوف بانقلاب عسكري ضد الحزب تم بموجبة طرد أعضاء المكتب السياسي للحزب وهو أعلى سلطة في الحزب وفي الدولة !؟ ما يؤكد إفلاس الشيوعيين الذين ندينهم بالإفلاس هو تجاهلهم التام لهذا الإنقلاب العسكري الذي قام به جوكوف المدان بتهمة السرقة ضد الحزب .

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *