كيف تتكون الثورات الشعبية؟ /  د. زهير الخويلدي





  الأردن العربي – د. زهير الخويلدي* ( تونس ) الخميس 7/3/2019 م …

” معنى المساواة المعقدة هو أن لا يستبعد ولا يقصى أي مواطن عن مجال اجتماعي أو خير موجود في ذلك المجال الاجتماعي بسبب وضعيته في خير اجتماعي آخر أو مجال اجتماعي آخر”[1]

مايكل والزار ، دوائر العدالة  أو دفاعا عن المساواة والتعددية.

عاد شعار الربيع العربي من جديد يلوح بنفسه على مرأى ومسمع الجميع دون مباغتة على الرغم من التعتيم الشديد والرفض الكبير الذي قوبل به وسيطرت على الأجواء العربية حالة من الاستياء والرفض له للحكومات المتعاقبة وفي المقابل تعاظمت رغبة قوية للناس في الاستبدال الفوري وممارسة واقع التجريب السياسي واستنشاق هواء الحرية والعدالة وسعوا نحو توديع الانغلاق والتصلب وتكريس الانفتاح والليونة.

لم يعد المواطن العربي على يقين من ديمومة العالم في المستقبل ومن استمرارية الحياة السياسية في مجتمعه وذلك للفشل الذي مني به مجهوده المكثف والغزير لتحرير نفسه من براثن السلطة والمجهول.

قد يكون وراء ذلك الوضع المزري العديد من العوامل والكثير من الأسباب المباشرة وقد تكون الهيمنة التي تضطهد الناس على الصعيد السياسي وتخلف الشعور بالغبن والقمع والظلم وقد يكون التفاوت على الصعيد الاقتصادي وما يترتب عنه من احتكار للثروة وتهميش واحتقان وكراهية وحقد بين الطبقات وقد يكون الازدراء على الصعيد الاجتماعي الناتج عن التمركز والإقصاء وما ينتج عنه من عزلة واختناق.

بيد أن التزايد السكاني السريع الذي يرتبط بالنمو الدموغرافي المهم وما يشكله من فئات شابة صاعدة تائقة إلى الحصول على فرص شغل ومواطن أمل تحفظ كرامتها وتحقق بها إنسانيتها يمثل ضغطا هائلا على الحكومات العاجزة عن مواكبة التحولات المجتمعية والفاقدة للتصورات العلمية والبرامج المستقبلية.

بعد ذلك يأتي تهرم الأنظمة الحاكمة ودورانها في خلقة مفرغة وبقاء الأجهزة الإدارية والأطر الرسمية ضمن منطق بيروقراطي يعيد إنتاج السائد وتسرب الشيخوخة الى مختلف الدوائر التنفيذية والتسييرية وتعطل المرافق العمومية وتراجع الدولة عن توفير المنافع المشتركة والاكتفاء بخدمة بعض العائلات.

والحق أن تلبية ضرورات الحياة المادية وصرف بعض المستحقات المالية ومعالجة بعض الإشكاليات العالية لم تعتبر المعالجة الجذرية للأزمة الهيكلية التي ظل يعاني منها النظام السياسي العربي في نسخته الرديئة بل اعتبر مجرد تسكين للأوجاع وتضميد لجراحات الذاكرة وذر الرماد على العيون وتلهية للناس.

من المعلوم أن النظم السياسية العربية قد اتبعت أساليب قمعية في الحكم واعتمدت على استراتيجيات فاشلة وراكمت التجارب الخاطئة وانخرطت في المشاريع المعولمة دون تحفظ وأضاعت الفرصة التاريخية في ركوب قطار التقدم أو على الأقل اللحاق بالركب وأصرت على زرع بذور اليأس والانتفاض في أحشائها.

كما تدخل بعض الأنظمة الدولية المعادية سواء الغربية أو المزروعة غصبا في قلب الوطن العربي على الخط وتستغل خوف الحكام العرب من الربيع العربي وتتظاهر بتقديم العون وتقوم بابتزازها بوعدها بتوفير الحماية والأمن على المستوى الظاهري وتخطط لقلب الموازين لصالحها وإزاحتها من السلطة وتنصيب الموالين لها وإضعاف قدراتها الدفاعية وإنهاك سيادتها والتخطيط لنهب ثرواتها وخيراتها.

في هذا السياق يكثر الحديث عن الثورة والديمقراطية والسيادة والمواطنة وترتفع أسهم الأحزاب السياسية والتعددية والمنظمات الحقوقية وهيئات الرعاية الاجتماعية ويتم توظيف الذاكرة النضالية والثقافة الملتزمة بغية التحشيد والتعبئة والتأطير وترغيب الحشود للنزول إلى الشارع والتعبير عن امتعاضهم وسخطهم.

على هذا الأساس يدافع الناس على المجتمع ويناضل الشباب من أجل حقوق الإنسان والحريات العامة وتشارك المرأة في الحراك الاحتجاجي ويمارس المثقفون دورهم العضوي ويكرس الناشطون طليعيتهم ويطالب العقلاء بالإصلاح والتعديل والإنقاذ والنظام خوفا من الفوضى والانهيار الشامل ونسف المكاسب.

كما تجد القوى الثورية والتشكيلات الديمقراطية والحركات الإصلاحية والمغضوب عليهم من رجال المال ورواد مواقع التواصل الاجتماعي وأذرع الشبيبة الطلابية والهويات الثقافية المضطهدة والنقابات المهنية والشخصيات المستقلة والرموز الوطنية المشهورة الفرصة للالتحاق بجبهة الرفض والمطالبة بالتغيير.

في الواقع يحتاج المجتمع العربي راهنا إلى نحت سردية ثورية جديدة يجدد بها شبابها وينبعث من سباته الأنثربولوجي وينطلق نحو الاستئناف الحضاري والمشاركة في صناعة الكونية وصناعة التقدم المدني.

فهل يؤدي الصلح الإداري والموافقة الشاملة لمطالب المواطنين إلى كبح جموح الثورات الشعبية والتقليل من الشعور بالتذمر واستبعاد فرضية العصيان المدني وتمرد الجماهير المفضي إلى إسقاط نظام الحكم؟ ومتى ينصت الجميع إلى نسائم الحرية ويجعلون من زمن الانتفاض أعياد وطنية للخروج من التبعية؟

*  كاتب فلسفي

[1]  مايكل والزار ، دوائر العدالة  أو دفاعا عن المساواة والتعددية.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *