برائحة المسك / مصطفى توفيق ابو رمان

مصطفى توفيق ابورمان ( الأردن ) الجمعة 16/11/2018 م …
* تنويه من المحرر: المرحوم الشهيد أسيد اللوزي ، مواطن أردني حاول إنقاذ طفلة سقطت في حفرة للصرف الصحي.



برائحة المسك، يَقْطُرُ الفتى الذي هبَّ لنجدةِ الطفلةِ المغدورةِ بطعنةِ وطنٍ لا يريد أن يُغْلِقُ مجاريرَ الفساد.
برائحةِ المسك والعنبر وزهور الشهادة عندما تتجلى في ميادين مَدِّ يَدِ العون للآخرين. عندما تزهو بألوان الناس الطيبين، أصحاب الفزعة الصادقين، من يهبّون لنجدة الملهوف وطالب المساعدة والغريق والطريد من قوافل الماء النازل علينا كما لو أنه غضب السماء. غضبه من إداريين لا يحسنون الإدارة، ووزراء لا يصونون شروط الوزارة، ونواب يفرون يوم الزحف، ويغيبون عندما يصبح الحضور واجباً وطنياً ومسؤولية كبرى، وصون أمانة، تبيّن أنهم لا يتقون صيانتها، ولا يريدون، ولا يأبهون بها.
تباً لحكومة تسقط في اختبار البواليع. تباً لمسؤول يتقن التنصل من المسؤولية أكثر بكثير مما يتقن شحذ الهمم، وحسن الشعور مع الآخرين، و(الدق على الصدر) عندما يصبح هذا الدق معادلاً لشرف المسؤولية، وكرامة الوطن، والنظر بعين الأخلاق الرفيعة لمستقبله وغد أطفاله المتروكين للمصادفات: مصادفة أن يكون (المُنهل) مغلق الإحكام، وأن يكون سد الماء بأيدٍ أمينة، وأن يكون الطريق إلى السيل، أي سيل، محاطاً برجال أبرارٍ أطهارٍ يهبّون عند أول صيحة تطلقها صبية لا تريد أن تموت بكل هذا الرعب وتلاطم الأمواج.
تريد أن تكبر كما يفعل الأطفال جميعهم في بلاد العالم الحُرِّ الجميلِ المتخمِ بأسبابِ الرفاهِ والسلامةِ والمحبةِ والسلام. بلاد العالم غير المُبْتلاةِ بفساد نوابها قبل فساد وزرائها.
58 نائباً يغيبون عن جلسات بالغة الحساسية تتعلق بقوت الناس وأسباب رزقهم وآفاق استثمارهم.
أمانة عمان (الكبرى) تسرع لدفع المسؤولية عن (البالوعة) المفتوحة للغدر والنسيان الإهمال، نحو غيرها.
تصريحاتٌ رسميةٌ مائعةٌ باردةٌ مقيتة. مسقبلٌ غامض. سماءٌ مُلَبَّدَةٌ بالاحتمالات جميعها. ليلُ أسى طويلٍ تعيشها الأُسَرُ في بلدي أُسْرَةٌ بعد أخرى. بحثٌ محمومٌ عن أكباشِ فداء.
طفلةٌ تركض بفرحٍ وطمأنينة، كيف لا تفعل وهي في بلد (الأمن والأمان)؟ يبتلعها فم الفساد المفتوح على مصراعيه، فيصبح الأمن أمنية ويضيع الأمان في غياهب كان.
ما تزال فيروز تبحث عن شادي، وما يزال الناس في بلدي يبحثون عن مخرج لكل هذا الانهيار الذي صدّع أحلام صغارهم وأغلق أبواب الفرج في دروب تطلعاتهم وحصاد تعبهم.
حتى العنب صار الناس في بلدي يريدونه أن يغادر حزن السلال، يريدون سلالهم بلا عنب، فقط أن يحفظ الله أولادهم ويحمي صغارهم من سماجة مسؤول لا يحترم مسؤولياته، أو عبثٍ لا يحفظ لهم حياتهم.
أمّا أنت يا أُسيْد اللوزي، يا من كفلت اليتيم حيّاً، فها أنت تكفل شهيداً، سلامة الأحياء من أطفالنا، عندما تغريهم طفولتهم أن يلعبوا في براري المسرّات.
وهي ليست معجزة، بل حقيقة كفلها رب السماوات، أن تخرج من محاولتك إنقاذ الصغيرة المغدورة، عابقاً برائحة المسك والعنبر والزعفران، مُكَلَّلاً بالغار الذي لا يستحقه إلا الأتقياء الأنقياء، محاطاً بذكرٍ عطرٍ، وقصة بطولة سيرويها الأجداد للأحفاد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *