قاعدة الذهب و الليرة التركية و انهيار الدولار الجزء (2) / د.مروان الزعبي

د.مروان الزعبي ( الأردن ) السبت 8/9/2018 م …




ماذا يحدث لليرة التركية؟

في الاقتصاد التركي، تسود جملة من التناقضات حيث يبلغ معدل النمو الاقتصادي 5.1% وصافي عجز الحساب الجاري 5.7% كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي وسعر الفائدة 33% على القروض التجارية الممنوجة من البنوك ومعدل التضخم 16% ومعدل نمو عرض النقد 24% ومعدل نمو القروض الممنوحة من البنوك 23% في عام 2018. لا يوجد مفكر او محلل اقتصادي يستطيع ان يستوعب كيف يكون سعر الفائدة مرتفع جدا، وبنفس الوقت التضخم مرتفع جدا و الليرة منخفضة جدا؟ ويصعب تفسير معدل نمو 5.1% في ظل تسارع نمو الكتلة النقدية وتهور البنوك في منح القروض! فأين ذهب كل هذا الانفاق والتوسع النقدي؟

في الجزء (1) من هذه المقالة تم التركيز على الدولار الامريكي وفي هذا الجزء ساتطرق لليرة التركية. من المعروف ان اكثر العومل تأثيرا على العملات هي الاساسيات الاقتصادية والتطورات السياسية، والليرة التركية شهدت تراجعا كبيرامقابل الدولار، فخلال عامي 2014-2015 بلغ سعر صرف الليرة التركية 2 ليرة مقابل الدولار ثم 3 ليرة في عام 2016 ثم4 ليرة في عام 2017 وفي ايلول 2018 7 ليرة، فقدت الليرة 80% من قيمتها خلال الثمانية اشهر الاولى من عام 2018وهو تطور في غاية الخطورة. وفي التحليل الاقتصادي، تتغير العملة بشل لحظي وفقا لما يرشح من اخبار واحداث اقتصادية وسياسية بالاضافة للمضاربات. ما يهم المتابعين هو وضع العملة في المدى المتوسط والطويل والذي يتأثر بالعومل الاقتصادية والسياسية والتوقعات. ومن ابرز تلك العوامل تطورات الناتج المحلي الاجمالي وميزان المدفوعات وسعر الفائده ومعدل التضخم. وفيما يلي ابرز الملاحظات:

1- نما الاقتصاد التركي بالاسعار الثابتة بمعدل 5.4% بالمتوسط خلال الفترة 2014-2018 وهو معدل جيد ويفترض ان يدعم الليرة. اما عجز الحساب الجاري في ميزان المدفوعات، فقد حافظ على مستوى 5% كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي ولذلك  لم يأتي تراجع العملة منه. هذه التطورات تؤكد على وجود عوامل اخرى هامة. وهنا اشير الى ان النمو الاقتصادي لم ينعكس ايجابيا على مستوى البطالة حيث بقي مستواها في حدود 10.5% خلال نفس الفترة.

2- ما الذي حدث لليرة التركية؟ ولماذا انهارت في عام 2018؟ فلقد بلغ سعر الصرف في بداية العام 4 ليرة ليصل الى 7 ليرة في بداية ايلول 2018، بانخفاض مقداره 80%. وهنا ابين بأن الاقتصاد التركي عانى خلال نفس الفترة من معدلات تضخم تراوحت حول 8.5% وهو من اهم العومل المؤثرة على العملات على الاطلاق. وفي عام 2017 قفز الى 11% ثم الى 12% في حزيران ثم الى 15.9% في اب ليصل الى اعلى مستوى له منذ 10 سنوات. ان الضغوط التضخمية جاءت بسبب تطورات نقدية ومصرفية متخبطة. فلقد نما عرض النقد (M3) بمعدل 17% خلال الفترة 2014-2017. اما في عام 2018 وحتى اب، قفز بشكل هائل الى 23.6%. وهذه تعتبر فوضى مصرفية واهمال من البنك المركزي خاصة وان النمو الاقتصادي بقي عند نفس المستوى بحدود 5.4%. كل ذلك دفع بمعدل التضخم ليصل الى مستويات لا يمكن لاي اقتصاد ان يتحمل تبعاتها.

3- ان اقبال البنوك على الاقراض بمعدلات خيالية بلغت 19% خلال الفترة 2014-2017 ثم 23% خلال اول ثمانية اشهر من عام 2018 يحل اللغز. فهو المسبب الرئيسي لنمو الكتلة النقدية ومعدل التضخم وتراجع الليرة بشكل كبير. ان الامر الاكثر غرابة هو الارتفاع الهائل الذي شهدته اسعار الفائدة، وعلى الرغم من ارتفاعها، بقي التضخم في المستويات المرتفعة وبقي الاقراض من البنوك ضمن مستويات خيالية وبقيت الليرة تنخفض! ان السؤال الاهم ماذا كان سيحصل للتضخم والاقراض وعرض النقد وبالتالي الليرة لو لم ترتفع اسعار الفائدة؟ وكيف لاي اقتصاد ان ينمو! لا يوجد اي منطق اقتصادي يبرر اسعار فائدة بحدود 17% و33% و معدلاقراض بنسية نمو 19% و 23% خلال عامي 2017 و2018 ومعدل تضخم متسارع!

4- كل هذه التطورات لا يمكن ان تشكل بيئة حاضنة لعملة مستقرة، هي بكل تاكيد بيئة هشة وغير مفهومة ادت الى تراجع الليرة وانهيارها في عام 2018. فخلال شهر واحد (5 ليرة في بداية اب – 7 بداية ايلول 2018) فقدت الليرة حوالي 27% من قيمتها. وفي المحصلة، فان الفترة 2014-2017 كانت فترة تراجع وتخبط جعلت الليرة تحت ضغط كبيروهيأتها للمضاربات والانهيار بعد رفع الرسوم الجمركية ومضاعفتها من قبل الادارة الامريكية على الالمنيوم والصلب.

5- ان حالة الضعف و التراجع التي تمر به الليرة التركية سوف تزيد من معدل التضخم لان المستوردات من السلع و الخدمات ستصبح تكلفتها اعلى بكثير لكن بنفس الوقت تزيد من الصادرات ويعتمد الاثر النهائي على النمو الاقتصادي بالتطورات على مستوى الفرق بين الصادرات و الواردات.

6- من المعروف ان ديون القطاع الخاص التركية كبيرة و انخفاض الليرة سيزيد من اعباء الدين ورصيده لان سداد الدين سيصبح اكثر تكلفة بسبب ارتفاع اسعار صرف العملات مقابل الليرة لذلك من المتوقع ان تبقى حالة عدم الاستقرار على حالها حتى نهاية 2019 فلا يستبعد ان يتخلف القطاع الخاص عن تسديد جزء من قروضه للخارج في ظل هذه الظروف الصعبة.

7- وهنا نخلص الى القول بان الليرة التركية خضعت لتطورات الاساسيات الاقتصادية اهما الفوضى في التطورات النقدية و المصرفية وعدم وضوح الرؤيا بالنسبة لصانعي السياسة النقدية وكل ذلك يؤشر الى عدم استقلالية البنك المركزي وهو ما اشارت اليه العديد من التقارير. الكتلة النقدية تنمو بشكل متهور مدفوعة بالتهور في منح القروض من قبل البنوك التركية على الرغم من ارتفاع اسعار الفائدة الى مستويات غير مقبولة. تطورات نقدية تناقض بعضها البعض الت الى معدلات تضخم غير قابلة للاستمرار لانها لم تنعكس بنمو اقتصادي كبير.

لكن ماجرى خلال اب و ايلول 2018 من انهيار الليرة التركية وعلى الرغم من ان جذوره تمتد الى سنوات خلت من التناقضات و السلبيات الاقتصادية، الا انه كان مدفوعا بالابتزاز السياسي الامريكي لتركيا على اثر اعتقال القس الامريكي من خلال فرض الرسوم الجمركية على بعض المستوردات من تركيا وما تبع ذلك من مضاربات على الليرة التركية فلا يوجد بيئة خصبة اكثر من تلك السائدة في تركيا للمضاربات على العملة. من الواضح ان المقصود هو تحطيم الاقتصاد التركي وللاسف، فحالة التخبط السائدة ساعدت الى حد كبيرفي تازيم الاوضاع. وهنا اعود الى موضوع اسعار الصرف، فلو كان الذهب هو مرجعية الليرة او هو مرجعية كافة العملات لما حصل كل ذلك، فحتى لو تراجع الاقتصاد، يبقى الذهب السند الرئيسي لاسعار الصرف.

ان الفوضى في اسعار الصرف وضعف الدول الصناعية هو الذي مكن الولايات المتحدة من السيطرة على الموقف. الدولار هو سلاح اقوى من الطائرات و الصواريخ الامريكية، هو السلاح الذي تستخدمه امريكا متى ما شاءت وكيفما شاءت. لكنه جعل العالم يستشعر ويفوق ويبحث عن بدائل تمكنه من الهروب من هذه الضربات.

تركيا تحتاج الى اعادة لملمة اوراقها و ترتيب شؤونها الداخلية خاصة الاقتصادية منها والبناء على ايجابياتها والابتعاد عن الدولار واقناع بقية الدول باستخدام عملتها في التبادل والتجارة والدفع، كما عليها وعلى باقي دول العالم تبديل الدولار بالذهب في محافظ احتياطياتها حتى تكسب القوة والمنعه والمصداقية والاستمرارية و تبتعد عن التبعية. وهنا استذكر ما قاله السيد اردوغان امام منتدى الاعمال التركي-القرغيزي قبل ايام قليلة على انه “يجب وضع حد وبشكل تدريجي لهيمنة الدولار واعتبر ارتباط التجارة العالمية بالدولار مشكلة كبيرة وان على الدول استخدام عملاتها في تجارتها الخارجبة”. هذه الكلمات تلخص ما الت اليه هذه المقالة، وانني ارى ان على كل دولة البدء بتخفيض استثماراتها بالدولارواستبدالها بالذهب وليس بعملات اخرى وعندما تحتاج الى العملات الصعبة لتمويل تجارتها الخارجية، تستطيع ان تبيع الذهب ذلك لان الاحتفاظ بالعملات يقدم خدمات هائلة للدول المصدرة لتلك الدول!

الخبيرالمالي و الاقتصادي

د.مروان الزعبي

جامعة الزيتونة الاردنية

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *