الكونفدرالية معان ودلالات / د. فايز رشيد

د. فايز رشيد ( الخميس ) 6/9/2018 م …




”إن الموافقة على الكونفدرالية فيما لو حصلت, تعني الضرب بعرض الحائط كل القرارات التي خرجت عن المجلسين الوطني والمركزي, وأن تلك القرارات ما هي إلا حبر على ورق! وهذا ما يساعد كيان الاحتلال على ترسيخ دولته كمكون طبيعي ورئيسي في المنطقة, كما أنه يشجع الإدارة الأميركية على تصفية القضية الفلسطينية وسرقة القدس وإلغاء حق العودة وتصفية الأونروا.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــكشف الرئيس الفلسطيني محمود عباس في لقاء له مع بعض ممثلي الأحزاب الإسرائيلية, تم مؤخرا في رام الله , أن واشنطن طرحت عليه موضوعا قديما, هو قيام كونفدرالية مع الأردن, وإنه رد عليها باقتراح إضافة طرف ثالث إليها, هو إسرائيل!. بداية, حري القول ,إن الوفد الإسرائيلي لم يقتصر على حركة “السلام الآن” ,أو ما أسماهم مكتب الرئيس بـ “نشطاء السلام”, فالوفد شارك فيه ليكوديون وأعضاء من أحزاب صهيونية يمينية أخرى ممن يدعون الإيمان بـ “السلام”, لكنهم معروفون بعدائهم الشديد للفلسطينيين وحقوقهم الوطنية, ويؤمنون بترحيلهم, والتخلص من كثافتهم السكانية في العديد من المناطق المحتلة عام 1948, وفي الضفة الغربية المحتلة أيضا. لقد استقبل الرئيس عباس, رئيس حزب العمل الأسبق عمرام متسناع, وشمل الوفد أيضا 12 وزيرا وعضو كنيست سابقين يشكلون جزءا مما يسمى “برلمان السلام”, ومن ضمن أعضائه الوزيران السابقان أوفير بينيس وغالب مجادلة من حزب العمل, وعضوا الكنيست السابقان كوليت أفيطال وطلب الصانع. لذلك, نسأل: هل أن منتسبي المعسكر الصهيوني يؤمنون بإقامة دولة فلسطينية؟ سؤال نضعه برسم الرئيس أبو مازن,الذي أكد في اللقاء, حقيقة التنسيق الأمني اليومي مع الشاباك الصهيوني, حتى لا يصاب إسرائيلي واحد بأي ضرر, مؤكدا في ذات الوقت أنه يتوافق مع رئيس الشاباك بنسبة 99%, وأنه يصدر التوجيهات لأجهزته الأمنية للتعاون مع الجيش الإسرائيلي. سؤال ثان نضعه برسم الرئيس ,ألا ترتكب دولة الكيان الصهيوني مجازر يومية, وقتل فاش بحق عموم شعبنا ومناضليه؟ فما بالك بـ (95) اعتداء وانتهاكا لحرمة للمسجد الأفصى والحرم الإبراهيمي في الخليل خلال شهر أغسطس الماضي فقط, فما بالك بالاستيطان وتهويد القدس والأقصى, والاعتقال والاغتيال وهدم البيوت وخلع الأشجار بصورة يومية ممنهجة؟.
وللتذكير نقول: عام 1972 جرى طرح مشروع “المملكة العربية المتحدة” باعتباره صيغة فدرالية بين الضفتين, تم رفض المشروع فلسطينيا حينها. في قمة الرباط عام 1974 اتخذ قرار بوحدانية تمثيل منظمة التحرير للفلسطينيين. وفي ذات العام تم طرح برنامج النقاط العشر في الدورة 12 للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في القاهرة, والذي اعتبر أول إزاحة عن استراتيجية التحرير الكامل الذي انطلقت من أجله كافة الفصائل الفلسطينية بما فيها حركة فتح. عام 1985 عقدت دورة للمجلس الوطني الفلسطيني في عمان, وكان أهم قراراتها الترحيب باتفاق عمان بين المنظمة والأردن, والذي نصت أهم بنوده على قبول مبدأ الأرض مقابل السلام, وموافقة المنظمة على عقد مؤتمر دولي للسلام تحضره كل الأطراف بما فيها إسرائيل. غير أن هذه الدورة شهدت وربما للمرة الأولى تكرار عبارة “نبذ الإرهاب”. في 11 شباط/ فبراير1986 تم إطلاق مبادرة مشتركة من الأردن ومنظمة التحرير للتعاون المشترك بينهما, سميت بـ “اتفاق عمان”, وهو أول من أطلق فكرة الكونفدرالية بين الأردن والضفة الغربية. فقد نص على تحرك الأردن ومنظمة التحرير معا من أجل العمل في إطار الجهود السياسية الدولية, وفي الاتفاق تم لأول مرة ربط حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بإطار كونفدرالي مع الأردن.
استغل الكيان الصهيوني هذا الأمر للهروب من دفع استحقاقات الحقوق الوطنية الفلسطينية, وعلى رأسها إقامة دولة فلسطينية على كل أراضي قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة عام 1967, والتخلص من قرار الأمم المتحدة رقم 194 القاضي بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم ووطنهم. عام 1988 عقدت دورة جديدة للمجلس الوطني في الجزائر,تم فيها “إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة”. الدورة جاءت في خضم الانتفاضة الأولى, وقد أعلن بعدها الملك الراحل حسين قطع جميع الروابط القانونية والإدارية بين الأردن والضفة الغربية. أما الرئيس الراحل عرفات, فقد دعا إسرائيل من على منبر البرلمان الأوروبي إلى عقد “سلام الشجعان”. كان مؤتمر مدريد بين العرب وإسرائيل عام 1991, وقد انضم الوفد الفلسطيني إلى الوفد الأردني في المباحثات. جرى عام 1993 توقيع اتفاقيات أوسلو الكارثية, وفي دورة غزة للمجلس الوطني الفلسطيني عام 1996, تم تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني بحضور الرئيس كلينتون, ليتواءم مع الواقع السياسي الجديد. ثم تتالت الأحداث وصولا إلى المرحلة الراهنة.
طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب “صفقة القرن” وقد روج لها منذ توليه الحكم, وملأ بها بقاع الأرض بأنها ستكون الحل النهائي للقضية الفلسطينية. ورغم عدم إعلان بنودها رسميا, لكن أوساطا أميركية كشفت مضمونها, كما عبر عنه كل من جاريد كوشنر وجيسون غرينبلات وديفيد ليبرمان, وأظهرت إدارته ضخامة وقوة للصفقة المعدة لتصفية القضية الفلسطينية بدءًا باعتبار القدس الموحدة عاصمة للكيان الصهيوني, ومحاولة شطب الأونروا, والإعداد لقرار بشطب حق عودة اللاجئين الفلسطينيين, واعتبارهم نصف مليون فقط وليس ستة ملايين. كما أظهرت أولى ملامح “صفقة القرن” الأميركية, خطة تكريس الفصل الجغرافي والسياسي بين قطاع غزة والضفة الغربية فصلا نهائيا, وإقامة “كونفدرالية” بين الضفة الغربية والأردن, حيث كشف الرئيس الفلسطيني محمود عباس, هذا الطرح الجديد المقدَّم من ترامب, وأبدى الأول موافقته على هذا الطرح شرط دخول الإسرائيليين به.إن الموافقة على الفكرة, هي مؤشر رسمي فلسطيني خطير, ودليل موافقة على فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة. وهي تخل واضح عن أهداف وميثاق منظمة التحرير الفلسطينية, وتسهيل تمرير” صفقة القرن”, وهي اعتراف بعدم عدالة القضية الفلسطينية, وتبن واضح للأساطير التضليلية الإسرائيلية. وهي أيضا تضييع لهوية اللاجئين الفلسطينيين, الذين يتعرضون لمؤامرة تصفية حقوقهم من قبل الإدارة الأمريكية المنحازة بالكامل لدولة الكيان الصهيوني.
إن الموافقة على الكونفدرالية فيما لو حصلت, تعني الضرب بعرض الحائط كل القرارات التي خرجت عن المجلسين الوطني والمركزي, وأن تلك القرارات ما هي إلا حبرا على ورق! وهذا ما يساعد كيان الاحتلال على ترسيخ دولته كمكون طبيعي ورئيسي في المنطقة, كما أنه يشجع الإدارة الأميركية على تصفية القضية الفلسطينية وسرقة القدس وإلغاء حق العودة وتصفية الأونروا. الموافقة على الكونفدرالية, تعني التعامل إيجابا مع المحاولة المشبوهة الصهيو – أميركية للانقضاض على حقوق شعبنا وعلى رأسها فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة, بما يدفع باتجاه عمليات التوطين ودعم فكرة الوطن البديل في سياق عملية الاستهداف الممنهجة التي تجري الآن على قدم وساق لتصفية حقوق شعبنا ولاجئينا, وتشكل انقلابا على الحقوق الوطنية التاريخية, وتنهي حلم شعبنا بالاستقلال وإقامة الدولة وتقرير المصير, وتعفي الاحتلال من التزاماته في تنفيذ قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية, كما وستدخل الأراضي المحتلة والأردن في حالة من الفوضى وعدم الاستقرار وتعزز من هيمنة الاحتلال, ومن استمراره في مخططاته التهويدية والاستيطانية, وقضم أكبر مساحة من الأرض, والمساهمة في التسهيل للعدو بتنفيذ الـ 11 بندا المشكلة لـ “قانون القومية” العنصري على أرض الواقع. الكونفدرالية تكريس لسلطة الحكم الذاتي والتزاماتها الأمنية والسياسية المدمرة, من مدخل الكونفدرالية والتي تلعب دورا في ضرب موضوع السيادة الفلسطينية على الأرض. لهذا ترفض هذا الطرح جملة وتفصيلا.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *