عرب- محاولة قراءة الوضع الحالي / الطاهر المعز

نتيجة بحث الصور عن العالم العربي

الطاهر المعزّ ( تونس ) الأحد 8/7/2018 م …

كانت المنطقة العربية إبّان “ازدهارها” (طيلة قرابة خمسة قُرون) تعتمد على التجارة كنشاط رئيسي، وكانت معظم المواد مُسْتَوْرَدَة من جنوب وشرق آسيا، حتى انهيار الدّولة العباسية، وطَوّرت دُويلات صغيرة مثل هولندا والبرتغال، وبعض الإمارات في إيطاليا وأوروبا الشمالية، وأخرى كبيرة مثل بريطانيا وأسبانيا بعد تطهيرها من الأثر العربي، صناعة السفن واكتشفت رأس الرجاء الصالح، والهند وأمريكا، فطورت التجارة، وانتهى دور العرب كوسيط تجاري بين آسيا وأوروبا التي أصبحت تستورد كميات كبيرة من إنتاج آسيا وأمريكا وإفريقيا مما مَكّن من تحقيق التراكم الرأسمالي (بالتزامن مع تطور المذهب البروتستنتي داخل الكنيسة والذي ينظر بشكل إيجابي إلى مراكمة الثروة) ونشأة الرأسمالية في أوروبا أولاً قبل ما أصبح يُسمّى فيما بعد “الولايات المتحدة”، وهي جُزْءٌ من حضارة وثقافة وتاريخ أوروبا… انتقل الوطن العربي من الإحتلال العثماني (باسم الإسلام) إلى الإحتلال الفرنسي والبريطاني، باسم التّوَسُّع الرأسمالي والبحث عن “مجال حَيَوِي” (مرحلة الإمبريالية)، ولا يزال تحت الهيمنة العسكرية، من خلال القواعد والإحتلال المباشر لبعض المناطق وفي مقدمتها فلسطين، والهيمنة الإقتصادية من خلال الشركات متعددة الجنسية وصندوق النّقد الدّولي ومنظمة التجارة العالمية، والهيمنة السياسية من خلال دعم الإمبريالية للأنظمة واستخدام القوة لتغيير بعضها الذي لم يَنْصَعْ تمامًا للإمبريالية الأمريكية، في مرحلة ما بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، وأصبح الوطن العربي أكبر منطقة مُسْتَهْدَفَة من الإمبريالية التي تَرْجَمَتْ ذلك بالإحتلال المُباشر وتغيير الأنظمة بالقوة، وإعادة تقسيم ما قَسّمَه اتفاق “سايكس” و”بيكو” (بين بريطانيا وفرنسا- 1916) والهيمنة على الموارد الطبيعية (المحروقات والمناجم والزراعة…)، مما يُعيق تطور المجتمعات، والقُوى العاملة، ويُعيق تطوير القطاعات المنتجة التي يمكنها تحقيق الإكتفاء الذّاتي الغذائي،  وكذلك تطوير صناعة المحروقات والطاقة والمعادن، فضلا عن تطوير التقنيات الحديثة والمتطورة، لكن الإقتصاد العربي بقي ريعيا في مجمله، بسبب طبيعة الأنظمة (وكيلة الإمبريالية) بشكل أساسي، لأن  مُعظَمَها لم يُطَوّر التعليم والبحث العِلْمي و”اقتصاد المَعْرِفة”، أو إضافة قيمة الإنتاج الخام عبر تحويله إلى إنتاج مُصَنّع، أو بعبارة أخرى تحويل الموارد من القطاعات “الأولية” (الموارد الطبيعية والزراعة) -أو فائض القطاع المصرفي في لبنان مثلاً- إلى قطاع الصناعة، كما لم يقع التّفكير بجدية في مرحلة ما بعد نُضوب الموارد الطبيعية كالنفط أو الفوسفات، دون استفادة المواطن العربي منها (رغم الضَّجّة الإعلامية الضّخْمَة للمشروع السعودي “رؤية 2030″، وقد سَبِقَتْهُ مشاريع أخرى مُماثِلَة)، حيث يُعْتَبَرُ معدل نمو الإستثمارات طويلة المَدَى، ومعدل نمو الإنتاجية (لا يتحكم العُمّال والأُجراء في معدّل الإنتاجية، بل إن جُهْدَهم لا يُمثّل سوى جُزءًا من شروط تطوّر الإنتاجية) ومعدل نمو القيمة الحقيقية لثروة الأفراد من أَدْنَى المعدّلات في العالم، بالإضافة إلى تَطَوّرٍ هائل في حجم الإقتصاد الموازي في الوطن العربي، إلى قرابة 50% من حجم الناتج المحلي واضطرار العاطلين عن العمل (خصوصًا من الشباب المُتعلّم) للعمل في الإقتصاد الموازي، دون أدنى الضّمانات، مما يزيد من تَضَخّم فئة طُفَيْلِيّة من البرجوازية “الرّثّة” والتّجّار، ومما يعيق تطور الإستثمارات ويُعَرْقل تطور القوى المنتجة…  




أصبح صندوق النقد الدولي والبنك العالمي (خُصُوصًا بعد “وفاق واشنطن” في حزيران 1989، قبل انهيار جدار برلين بأكثر من أربعة أشْهُر) يُمْلي البرامج الواجب على الأنظمة العربية تنفيذها، وقبل ذلك التاريخ، حدثت انتفاضات عديدة في مصر (بداية من 1977) وفي تونس (منذ الإضراب العام في بداية 1978) وفي المغرب وتونس ومصر والأردن منذ عقد ثمانينيات القرن العشرين، وفي الجزائر بعد انخفاض أسعار النفط (1988) وكذلك في السّودان واليمن، رغم الطابع الخاص للإحتجاجات من بلد إلى آخر، ويبقى القاسم المُشترك، الإحتجاج ضد ارتفاع الأسعار وتدهور الوضع الإقتصادي، ومواجهة جميع الحكومات لهذه الإحتجاجات بالقمع والرّصاص والإعتقالات، وأصْبحت معظم الدول العربية، التي طَبَّقَت توصيات صندوق النقد والبنك العالمي، على حافة الإفلاس، بموازاة ارتفاع نسبة الدين والعجز من الناتج المحلي، وفَرْض خفض الإنفاق الحكومي والتّقشّف وسياسة الخصخصة وزيادة الضرائب على دخل العمل المأجور، وضريبة الإستهلاك، وإلغاء دعم الطاقة والمواد الأساسية (منها الغذاء والأدوية) وتدهور الخدمات العمومية وقطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والنّقل العام، وغيرها من الإجراءات التي أَدّت في جميع البلدان، وبدون أي استثناء، إلى  فصل الموظفين وخفض الرواتب ومعاشات التقاعد رغم زيادة سنوات العمل، وأدّى تطبيق ما يُسَمِّيه صندوق النقد والبنك العالمي “الإصْلاح الإقتصادي” إلى نتائج كارِثِيّة، من بينها زيادة نسبة الفقر والبطالة وتعميق الفجوة الطبقية (عدم المُساواة)، وأنْتَجَت استعمارًا من نوع جديد عبر القُرُوض المشروطة التي كَبّلت تطور الإقتصاد والقوى المُنْتِجة والمجتمعات، حيثما فُرِضت هذه السياسة، وظهرت نتائجها السّلْبِيّة في الوطن العربي في كل من المغرب وتونس ومصر والأردن بشكل أكثر وضوحًا، مع الإشارة إلى عدم استفادة الأُجَراء والعُمّال والفُقَراء من هذه القُرُوض، لكنهم يُسَدِّدُونها مع “خدمة الدَّيْن” (الفوائد + تكاليف الإدارة مع إنفاق وإقامة بعثات الإشراف على تطبيق البرامج وثمن التّقارير…)، وانتقمت أمريكا من حكومات الدول التي رفضت تسديد الفوائد المرتفعة التي فاقت أصل الدّين (مثل الأرجنتين)، ولكن تمكنت بعض الدول من خفض الدّيون بنسبة 90% (بوليفيا)، إثر مفاوضات طويلة وتقارير لجان مستقلة… ارتبطت قُرُوض صندوق النقد الدّولي في الوطن العربي، كنموذج لعديد الدّول الأخرى، بتوسيع الفجوة الطبقية، وظهور برجوازية طُفَيْلِيّة، غير منتجة، وتركيز مزيد من ثروات البلاد بين أيدي قِلّة (مقابل ارتفاع عدد العاطلين والفُقراء)، وانخفاض حصة الأجراء من الناتج المحلي إلى حوالي 20% في أحسن الحالات (وهي من أدْنى المعدّلات العالمية)، مع ارتفاع حصتهم من الضّرائب، ومن إيرادات الدّولة إلى حوالي 80%، مما يزيد من اتّساع الفَجْوَة بين العاملين بأَجْرٍ، والمضاربين والسّماسرة، الذين تركّزت الثروات بين أيديهم، ليس بفضل العمل والإنتاج ولكن عبر التّوْرِيث من جيل إلى آخر، للأموال والأُصُول والعقارات والشركات…

رَوّجت الإمبريالية الأمريكية منذ حوالي ربع قرن لأطروحات تُحرّف الصراع الطبقي بين الفقراء والأغنياء، والصراع بين الشعوب المُضْطَهَدَة والأمم والطبقات التي تَضْطَهِدُها إلى “صراع حضارات” وإلى صراع بين “الحضارة” و”الدول المارقة”، وغير ذلك، وفي نفس الوقت خلقت في الوطن العربي وبعض البلدان القريبة من الصين وروسيا تنظيمات إرهابية تَدّعي النّضال ضد الكُفْر والزندقة (وليس ضد الإستعمار والإمبريالية)، وصنّفت أمريكا الإسلام إلى “مُتطرف” و”معتدل”، وتَدْعَم كلاهما، قبل شن الحروب على الشعوب والدّول بذريعة الحرب على الإرهاب، وتمكّنت أمريكا من شق صفوف اليسار، فادّعت بعض الأحزاب التي كانت تَدّعي الشيوعية في تونس ومصر وسوريا سنة 2005 إن الإخوان المسلمين تغيّروا وأصبحوا ديمقراطيين يؤمنون بالدولة المدنية والعلمانية وبحرية النساء، وغير ذلك، ودَعمت السفارات الأمريكية هذا التّوَجّه، عبر سُفرائها وسُفراء كندا ودول أوروبا، ولكن لما اندلعت انتفاضات تونس ومصر (وفي المغرب بشكل آخر) استخدمت الإمبريالية الأمريكية الإخوان المسلمين (الذين شَهِدَ بعض اليسار بديمقراطيتهم) للإلتفاف على الصراع الطبقي واستبدال الحكومات التي انتهت وظيفتها، بحكومات يقودها الإخوان المسلمون، ويختلف الأمر في سوريا حيث دعم سفيرا أمريكا وفرنسا المُظاهرات الأولى علنًا، وتنقّلا بين المُدُن السورية، قبل أن يضع النظام السوري حدًّا لهذا التّدخّل السّافر، فيما خربت وقُسِّمت ليبيا وأصبح يحكمها عملاء أمريكا (حفتر) ومختلف ألوان “إخوان الإمبريالية”… أردْنا الإشارة إلى تغيير شَكْلِي حصل في مصر وتونس بشكل خاص ولكن زادت سيطرة صندوق النقد الدولي، وارتفع حجم ونسبة الدّين من إجمالي الناتج المَحَلِّي، وارتفعت نسبة البطالة، بالتوازي مع ارتفاع وتيرة الخصخصة والفساد، والتّخلي عن محاسبة اللصوص والفاسدين، بل إصدار عفو لصالحهم في تونس كما في مصر، وعادت (إن كانت قد غابَتْ يَومًا) كل العوامل التي انتفض ضدها الشعب في هذه البلدان… ما يُمْكِنُنا استنتاجه إنه من واجبنا كتقدميين واشتراكيين إعادة البوصلة في اتجاه الصراع الطبقي، والقومي ضد الطبقات الحاكمة بدعم من الإمبريالية التي تدعم الكيان الصهيوني والإخوان المُجْرِمين (إخوان الإمبريالية)، لكي لا يختطف هؤلاء وأولئك انتفاضة أخرى، لن تتحول إلى ثورة، في حال بقاء الأمر على حاله…   

  (مصادر المعلومات في شكلها الخام من البنك العالمي + مجلة “إيكونوميست” + الأخبار 11 و25/06/18 )

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *