كيف طوّرت كوريا الشمالية قدراتها الصاروخية رغم الحصار الشديد / سامي خليفة

سامي خليفة




* كاتب وباحث لبناني …

العقوبات القاسية التي فُرِضت على كوريا الشمالية حتى يومنا هذا لم تقلّل من حجم القلق داخل الإدارة الأميركية، فمعرفة القليل عن قدرات كوريا الشمالية الصاروخية تجعل من الصعب على الولايات المتحدة تشكيل خطط استراتيجية. وهذا ما عبّر عنه مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية مايك بومبيو في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة بقوله “إنني أقلق كل يوم بسبب المعلومات الناقصة، فليس لدينا اليوم فهم كافٍ بما فيه الكفاية لكل ما يجري في كوريا الشمالية”.

زوّدت الصين كوريا الشمالية بست شاحنات مصمّمة لنقل وتحريك الصواريخ الباليستية مزوّدة بنظام يجعل المراقبة الساتلية أمراً صعباً

اعتمدت سلالة كيم التي حكمت كوريا الشمالية منذ عام 1948 سردين رئيسيين للسياسة الخارجية – الاعتماد على الذات، وضمان الاستقلال. وقد دفعت هذه الاستراتيجة البلاد إلى تمسّكها بتطوير قدراتها الصاروخية والنووية التي تكثّفت منذ توليّ كيم جونغ أون السلطة في عام 2011. ففي حين أجرت كوريا الشمالية 15 تجربة صاروخية تحت حكم كيم إيل سونغ و16 تجربة تحت حكم كيم جونغ ايل، فقد أجرت، حتى منتصف أيلول/ سبتمبر 2017، 85 اختباراً تحت حكم كيم جونغ أون.

امتلاك القدرة على ضرب الشواطئ الأميركية القارية لا يزال محط جدل حالياً، لكن كوريا الشمالية تعمل جاهدةً على تطوير قدراتها، وكان التطوّر الأكثر أهمية في مسيرة التقدّم الصاروخي هو تطويرها للقدرة النووية الحرارية. حيث نفّذت في 3 كانون الثاني/ يناير 2016، اختبار قنبلة الهيدروجين، وقد زعم بعض المحلّلين العسكريين حينها أن باكستان ساعدت كوريا الشمالية في تطوير هذه القدرة، التي يمكن تمييزها من أوجه التشابه بين مخابئ الأجهزة في بونغي ري والمجمع الباكستاني راسكوه للتجارب النووية، وقد تابعت كوريا الشمالية هذه المسيرة وفجّرت في 10 أيلول/ سبتمبر 2016، رأساً حربية نووية، قدّرتها إدارة الأرصاد الجوية الكورية الجنوبية بـ10 كيلوطن.

ووفقاً لقاعدة بيانات تحتفظ بها منظمة مباردة التهديد النووي، قامت كوريا الشمالية باختبار 26 صاروخاً في عام 2016؛ كان 16 من تلك الاختبارات ناجحاً وفشل 10 منها. وقد تم إجراء 19 اختباراً في عام 2017 حقّق 13 منها النجاح ما يعني أن نسبة النجاح هي 68%. ويشير تواتر الاختبارات بحسب المنظمة إلى أن كوريا الشمالية واثقة من إمداداتها من الصواريخ ولديها الموارد والقدرات اللازمة وهذا يبدو مستحيلاً من دون مساعدة خارجية مستمرة، ما يشير إلى أن عقوبات الأمم المتحدة وحظرها المفروض على بيونغ يانغ قد انتُهِك في الواقع نصاً ومضموناً.

برنامج صاروخي يتطوّر بسرعة

حقّق برنامج الصواريخ في كوريا الشمالية تقدّماً غير مسبوق منذ صعود كيم جونغ أون للسلطة والتي تدحرجت من الصواريخ قصيرة المدى مثل نو-دونغ، كبعض التي اشترتها باكستان وفقاً للرئيس السابق برويز مشرف وأُعيد تسميتها بصواريخ غوري، وصواريخ موسودان الباليستية المتوسطة المدى التي فشلت مراراً في اختبارات التحليق، وصولاً إلى الصواريخ الباليستية العابرة للقارات هواسونغ -14 التي تمتلك محركاً قوياً يعمل على الوقود السائل.

وقد أطلقت كوريا الشمالية صاروخ هواسونغ -12 في 14أيار/ مايو 2017، الذي وصل إلى ذروة ارتفاع أكثر من 2000 كيلومتر. ولو كان هواسونغ -12 قد استخدم مساراً طبيعياً للطيران، فإن مداه كان سيتراوح بين 4000 و4500 كيلومتر، ما يضع غوام على بُعد 3400 كيلومتر، ضمن النطاق. وفي 4 تموز/ يوليو 2017، وتزامناً مع يوم الاستقلال الأميركي، تم اختبار صواريخ هواسونغ -14، التي ادّعى الكوريون الشماليون بأن مداها يصل إلى حوالى 7000 كيلومتر و9000 كيلومتر وفي هذه المسافات، تقع المدن الأميركية الكبرى ضمن نطاق الصواريخ، لكن خبراء الصواريخ الأميركيين يعتبرون أن بيونغ يانغ تتبع مسارات تكنولوجية طبيعية من حيث برنامجها الصاروخي. وهذا يعني ليس فقط زيادة نطاق الصواريخ، ولكن الحد من الانفجارات العرضية. مع استبعادهم قدرتها اليوم على اجتياز 8000 كيلومتر أو نحو ذلك وضرب الشواطئ الأميركية القارية.

شبكة التهريبلا توجد أدلّة تشير إلى إنتاج كوريا الشمالية لصواريخ تعمل على الوقود السائل. وبحسب دراسة دقيقة قام بها خبير الأسلحة الأميركي مايكل إليمان لهيكل صاروخ هواسونغ -12، خلص إلى استنتاج مفاده أن محركات هواسونغ هي البديل لمضخّة توربو RD-250، والتي يتم تصنيعها في شركة إنيرغوماشكونسرن الروسية وكب يوزنوي الأوكرانية.

ويضيف إليمان إن المهارات التقنية اللازمة لتعديل RD-250 تحتاج إلى خبراء لديهم تاريخ غنيّ من العمل عليها وهذا يتوافر فقط في روسيا وأوكرانيا، أما الفرضية البديلة والتي تُفيد بأن المهندسين الروس والأوكرانيين كانوا يعملون في كوريا الشمالية، فهي ضعيفة نظراً لعدم وجود أية منشأة إنتاج معروفة في كوريا الشمالية لمثل هذه المحركات. وبالإضافة إلى ذلك، قال خبراء غربيون زاروا كب يوزنوي خلال عام 2016 بأنهم رصدوا نسخة من هذه المحركات في جامعة مجاورة وأن مهندساً محلياً تفاخر بإنتاجها.

اكتساب المحرك المعدل  RD-250 سيمكّن كوريا الشمالية من تجاوز العراقيل في تطوير صواريخ موسودان، ومع ذلك، فإن صواريخ هواسونغ -14 لا تزال غير قابلة للدخول الفعلي في الخدمة وهناك حاجة إلى اختبارات تحليق إضافية لتقييم قدرات الملاحة والإرشاد الصاروخي، والأداء العام في ظل ظروف التشغيل وموثوقيتها. وهناك حاجة أيضاً إلى بيانات تجريبية مستمدة من الاختبارات للتحقّق من فعالية تكنولوجيات إعادة دخول الرؤوس الحربية.

أما عن كيفية وصول هذه الصواريخ إلى كوريا الشمالية فيكمن الجواب في شبكات التهريب في الصين وباكستان اللتان انتهكتا قواعد وأنظمة عدم الانتشار. وقد تم تداول ما مجموعه 5233 شركة صينية قدّمت لكوريا الشمالية تكنولوجيا ذات استخدام مزدوج بين عامي 2013 و2016. ومن الأمثلة على مبادرة التهريب الفعلية كان ما قدّمه خبراء مركز جيمس مارتن لدراسات عدم الانتشار عن شركة داندونغ دونغيوان الصناعية المحدودة التي صدّرت مواد بقيمة 28.5 مليون دولار أميركي إلى كوريا الشمالية خلال فترة 2013-2016، بما في ذلك شحنة بقيمة 790 ألف دولار من “أجهزة المساعدات الملاحية اللاسلكية” في حزيران/يونيو 2016، وقد تشمل السلع على الأرجح أجهزة توجيه الصواريخ الباليستية. ويذكر سجل الأعمال في هونج كونج إن صاحب الشركة هو سون سيدونج، وهو مواطن صيني.

كما زوّدت الصين كوريا الشمالية بست شاحنات مصمّمة لنقل وتحريك الصواريخ الباليستية مزوّدة بنظام يجعل المراقبة الساتلية أمراً صعباً. وقد تم تصنيع الشاحنات من قِبَل شركة هوبي سانجيانغ سباس وانشان للسيارات الخاصة في الصين، وهي شركة تابعة لشركة الصين لعلوم الفضاء والصناعة. وعندما سُئلت الصين عن هذه الصفقة، قدّمت نسخة خطية إلى الأمم المتحدة تتضمّن شهادة المستعمل النهائي التي قدّمتها كوريا الشمالية والتي تفيد بأن المركبات قد تم استيرادها لغرض نقل الأخشاب.


التعاون مع باكستان

يعتقد علماء الصواريخ الغربيون أن تصميم الرؤوس الحربية لصواريخ هواسونغ يبدو مشابهاً للرأس الحربية على صاروخ أبابيل الباكستاني، ويفيدون بأن الرؤوس الحربية قد صُنعت بمساعدة صينية أو أن الرؤوس الحربية نفسها قد تم توريدها إلى بيونغ يانغ من باكستان.

هذا الاستنتاج يدعمه التعاون القديم بين باكستان وكوريا الشمالية، وهناك أدلّة على أن رئيسة وزراء باكستان السابقة بنازير بوتو قد زارت بيونغ يانغ في عام 1993 واشترت العديد من الأقراص الحاسوبية التي تحتوي على مخططات لصاروخ نو دونغ، وقد ظهر هذا الصاروخ الذي تم تهريبه بحسب المزاعم في باكستان ك “حتف-5”. كما أن ميزات التصميم الكورية الشمالية مرئية أيضاً في صواريخ “حتف-10” التي تستخدمها باكستان كأسلحة تكتيكية يتم نشرها على طول الحدود الهندية وخاصة في جوجرانوالا.

لكن المعلومات المتعلقة بالتعاون الصاروخي مع باكستان تزداد خطورة مع التعاون النووي بين بيونغ يانغ وإسلام أباد، حيث زوّدت شركة غالاكسي، وهي شركة باكستانية تابعة للجنة الطاقة الباكستانية، كوريا الشمالية بمعادن من سبائك النيكل المتخصّصة – إنكونيل ومونيل – وهما مقاومان للتآكل ويتم استخدامهما في تخصيب اليورانيوم وإنتاج الأسلحة الكيميائية، ما يؤكّد أن باكستان تساعد كوريا الشمالية في تطوير الصواريخ التي تحمل رؤوساً نووية وكيميائية.

ومن الأدلّة الدامغة على التعاون بين الدولتين أيضاً حين قام دبلوماسيان كوريان شماليان هما كيم يونغ تشوي وجانغ يونغ سون في سفارة كوريا الشمالية في طهران حتى عام 2016، ويتعاونان مع شركة كورية شمالية تُعنى بتجارة الأسلحة، بزياراتٍ متكررة لباكستان بين عامي 2012 و2015 ولقاء ضباط باكستانيين مشاركين في البرنامج النووي للبلاد.

ووفقاً للمراقبين الدوليين، فإن نقل المعدات العسكرية بين كوريا الشمالية وباكستان تتولاه شبكات النقل، وذلك باستخدام سفن الشحن في موانئ داليان في الصين، وونسان في كوريا الشمالية وقاسم في باكستان. كما أن لدى المخابرات الهندية صوَر ساتلية تبيّن أن طريق كاراكورام السريع الذي يربط الصين وباكستان عبر سلسلة جبال كاراكورام يُستخدم لتزويد المواد النووية غير المشروعة والمواد ذات الاستخدام المزدوج للصواريخ. ومؤخراً، تطابقت ادّعاءات رئيس الوزراء الباكستاني شهيد خقان عباسي بامتلاك أسلحة نووية قصيرة المدى لمواجهة مذهب “البداية الباردة” الذي اعتمده الجيش الهندي مع ادعاءات كيم جونغ – أون بأن كوريا الشمالية قامت بتصغير الرؤوس الحربية النووية، وأن لديها معرفة كافية بالبرمجة والتحكّم في القنابل الانشطارية الحرارية / الهيدروجينية.

تأثير العقوبات على البرنامج الصاروخي

تعلّمت كوريا الشمالية على مدى سنوات كيفية التعامل مع عقوبات مجلس الأمن الدولي، وقد خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمجموعة جديدة من العقوبات تهدف إلى منع أي بلد يتاجر أو يموّل التجارة مع كوريا الشمالية من الوصول إلى النظام المالي الأميركي. وعلى الرغم من الوعود الصينية بتنفيذ العقوبات والتوقّف عن استيراد المنسوجات والمكثّفات الهيدروكربونية، يزعم الأميركيون أن بكين لم تبذل حتى الآن أية محاولات هامة لكبح جماح بيونغ يانغ.

وبحسب ما يزعم الأميركيون أيضاً فإن الروابط الصينية مع كوريا الشمالية متينة للغاية وأوضح مثال على ذلك هي حال شركة داندونغ هونغشيانغ الصينية، التي أصبحت واجهة لشركة كوانغسون المصرفية الكورية، وهي مؤسسة مالية كورية شمالية وُضعت على لائحة العقوبات في عام 2009 لدورها في تمويل انتشار الأسلحة. وقد استخدمت الشركة الصينية شبكة معقّدة من الشركات الأمامية مقرّها في جزر فيرجن البريطانية وسيشيل وإنكلترا وويلز وهونغ كونغ، لإنشاء شبكة شحن معقّدة تشمل أكثر من 147 سفينة.

أُدرِجت شركة داندونغ هونغشيانغ على لائحة العقوبات الأميركية في تشرين الأول / أكتوبر 2016، إلا أن دورها قد تم الاستيلاء عليه بسلاسة من قِبَل شركتها الفرعية، وهي مجموعة لياونينغ هونغشيانغ التجارية، التي يرأسها الصيني ما شياو هونغ. هذه المجموعة هي أكبر شريك تجاري لكوريا الشمالية وجسرها إلى العالم. وتعمل هذه المجموعة من مدينة داندونغ في مقاطعة لياونينغ بشمال شرق البلاد، ولديها عدد من قطاعات الأعمال بما في ذلك المنازل التجارية وخطوط الشحن وتبادل العملات وغيرها. وقد افتُتحت أحدث طريق شحن بين الصين وكوريا الشمالية من لونغكو إلى نامبو في أواخر أيلول/ سبتمبر 2015. وقد شهد هذا الطريق حركة كبيرة على الرغم من العقوبات الدولية القائمة ضد كوريا الشمالية.

العقوبات القاسية التي فُرِضت على كوريا الشمالية حتى يومنا هذا لم تقلّل من حجم القلق داخل الإدارة الأميركية، فمعرفة القليل عن قدرات كوريا الشمالية الصاروخية تجعل من الصعب على الولايات المتحدة تشكيل خطط استراتيجية. وهذا ما عبّر عنه مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية مايك بومبيو في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة بقوله “إنني أقلق كل يوم بسبب المعلومات الناقصة، فليس لدينا اليوم فهم كافٍ بما فيه الكفاية لكل ما يجري في كوريا الشمالية”.

ونظراً للخلفية المذكورة أعلاه، من المتوقّع أن تكون كوريا الشمالية قادرة على الصمود أمام العقوبات التي تستهدف برنامجها الصاروخي، لأن المساعدة من الصين وشركاتها التي ذكرناها آنفاً من غير المرجّح أن تُعلّق، فكوريا الشمالية كانت وستبقى من الأصول الاستراتيجية للصين، حيث ترى القيادة الصينية تقليدياً أن وجود كوريا موحّدة مع القوات الأميركية في شبه الجزيرة الكورية بالقرب من حدودها كمصدر قلق أمني كبير. ومن جانبها لا تستطيع الولايات المتحدة، تحمّل موقف عدائي للغاية مع الصين، ما قد يؤثّر على تجارتها مع بكين البالغة 650 مليار دولار، على الرغم من ادّعاء ترامب بأن “جميع الخيارات مطروحة على الطاولة”.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *