دلالات اسقاط الطائرة الاسرائيلية من قبل الدفاعات الجوية السورية.. بقلم الدكتور بهيج سكاكيني

دلالات اسقاط الطائرة الاسرائيلية من قبل الدفاعات الجوية السورية

الدكتور بهيج سكاكيني




عمان 12 شباط 2018 ، الأردن العربي

بادىء ذي بدء يجب ان ننوه الى أن الرد السوري على الاعتداء السافر للكيان الصهيوني باسقاط ف-16 والتصدي لطائراته أو التصدي لطائراته أو الصواريخ التي يطلقها بين الحين والاخر دعما للمجموعات الارهابية لم يكن الرد الاول كما يريد ان يصوره البعض والذين كانوا بين الحين والآخر يشككون في نية القيادة السورية والجيش العربي السوري على الرد، أو بعدم قدرة الدولة السورية للتصدي للكيان الصهيوني وانتهاكات السيادة والاجواء السورية. كما أن بعض الحاقدين والمرتزقة وخدمة السلاطين الذين يظهرون بين الحين والاخر على شاشات التلفزيون لينفثوا السموم والاكاذيب من ان الجيش العربي السوري لم يطلق رصاصة واحدة على العدو الصهيوني متناسين الدور الذي لعبه هذا الجيش المقدام في حرب 1973 والذي طعن من الخلف من قبل الخائن والانهزامي السادات آنذاك الذي اوقف القتال على الجبهة المصرية ليتيح لجيش الكيان الصهيوني التركيز على الجبهة السورية والاستفراد بهذه الجبهة الذي أذاقته المر. كما ان هؤلاء المرتزقة تناسوا شهداء الجيش السوري وقتاله الشرس الى جانب المقاومة اللبنانية والفلسطينية عندما قام الجيش الصهيوني بقيادة السفاح شارون بإجتياح الاراضي اللبنانية عام 1982. كما انهم تغاضوا عن الدعم الذي قدمته سوريا قيادة وجيشا وشعبا الى المقاومة الفلسطينية واللبنانية ورفضت قيادتها ان تقطع هذا الدعم المبدئي والعقائدي مقابل عدم التعرض لها بعد غزو العراق وزيارة كولن باول آنذاك الذي اتى مهددا لهذه القيادة والطلب منها ان تتخلى عن هذا الدعم وطرد المقاومة الفلسطينية من دمشق وقطع العلاقات مع إيران وحزب الله وأن توقف سياساتها التي تمنع التطبيع مع العدو الصهيوني مقابل عدم التعرض الى سوريا والا فسيكون مصير سوريا كمصير العراق.

نعود الى الحدث الاخير ونقول ايضا الى أن البعض منا الحريصون على هذه الدولة الوطنية وجيشها العقائدي العروبي نصب نفسه نظريا في الميدان وكأنه جنرال أو ضابط في المعركة وكنا نحتد عند رؤية الطائرات الاسرائيلية تغير على مواقع الجيش العربي السوري وتدمر بعض المراكز ونصرخ لماذا لا يقوم الجيش العربي السوري بالرد على هذه الاعتداءات مباشرة. أما الان فقد رأى هذا البعض نتيجة فعلية للرد والتي تناقلته كل وسائل الاعلام وحتى إعلام العدو الذي لا يسمح له بالعادة للاشارة الى اي خسارة اسرائيلية من قبل الاجهزة الامنية والسياسية داخل هذا الكيان. هذه المرة لم يستطع هذا الاعلام أو القيادة العسكرية او السياسية التغطية على هذه الحادثة كون ان الصاروخ السوري الذي اسقط طائرة ف- 16 سقط على اراضي فلسطين المحتلة.

ونقطة اخرى يجدر الاشارة لها في هذا المجال هي انه يجب ان نستذكر ان في الايام الاولى مما سمي بالحراك السلمي الذي اطلق عليه “الثورة السورية” تم تدمير شبكات الرادارت السورية كما وتم أغتيال نخبة من الطياريين الحربيين السوريين وهم في طريقهم الى احدى القواعد الجوية. لم يتساءل الكثيرون إذا ما كان الحراك سلميا أو أنها “ثورة الشعب السوري” فعلا لماذا يقوم هذا الشعب بتدمير قدراته العسكرية وبالتحديد الرادرات وقتل الطياريين إذا لم يكن هذا لصالح العدو الصهيوني وفتح الاجواء السورية له ليسرح ويمرح بها؟

ما ان اسقطت طائرة ف-16 حتى سارعت القيادة السياسية في الكيان الصهيوني بالاتصال بروسيا والادارة الامريكية واستجدائهم بالتدخل لتهدئة الاوضاع خوفا من التصعيد. أما المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي فقد ذكر ” ان اسرائيل لا تسعى للتصعيد مع سوريا وإيران”. كما صرح وزير في المجلس الوزاري المصغر ” هناك مصلحة اسرائيلية في التهدئة”. أما نتنياهو فقد اوعز لوزرائه عدم التحدث عن موضوع الهجوم الاسرائيلي لوسائل الاعلام التي رأت ان اسقاط الطائرة ما هو الا رسالة واضحة لما هو قادم وأن على نتنياهو أن يأخذ هذا بعين الاعتبار.

وربما التنبيه هذا موجه الى نتياهو بالتحديد لان البعض داخل الكيان يرى ان هذا المتعجرف قد يدفع الى حرب وإن بشكل محدود على إحدى الجبهات. وهذا يعود الى شعبيته المتراجعة واستطلاعات الرأي التي تؤشر الى تراجع مكانة حزبه في الانتخابات القادمة، هذا الى جانب ملاحقته في قضايا الفساد المالي. بمعنى ان الحرب قد تكون المنفذ الوحيد له للهروب الى الامام. ومن الجدير بالذكر ان القيادة العسكرية داخل الكيان لا تحبذ المواجهة وخاصة في هذه الفترة وقامت قياداتها بالتحذير بقدرات المقاومة اللبنانية والخطر على الشمال في فلسطين المحتلة. وهذه القيادة اصبحت مدركة أكثر من اي وقت مضى ان الحرب اذا ما إندلعت فإنها ستشمل كافة الجبهات وهذا ما يقلق القيادات العسكرية التي لا تشعر أنها قادرة على درىء المخاطر فيما إذا ما إندلعت الحرب فعليا.

حالة الذعر والخوف المتزايد التي انتابت الكيان الصهيوني من تطور الاوضاع والتصعيد بدت  واضحة من خلال الاجراءات التي اتخذت مباشرة بعد اسقاط طائرة ف-16 حيث تم إغلاق المطارات لفترة وكذلك اغلقت كل الطرق المؤدية الى شمال فلسطين المحتلة وفتحت الملاجيء في حيفا ويافا وبعض المستوطنات وغيرها من الاجراءات التي عكست مدى الخوف والهلع. وقد قامت اسرائيل بالتشويش على الاقمار الاصطناعية السورية كوسيلة لحجب الحقائق على مواطنيها وإبعادهم عما يدور بالفعل على ارض الواقع. هذا بالطبع الى جانب الاتصالات مع روسيا وأمريكا كما ذكرنا لاحتواء الموقف وضمان عدم التصعيد. هذا القلق امتد الى قوات اليونيفيل التي وضعت قواتها في حالة تأهب على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة.

يرى جميع المحللين والمتابعين لاحداث المنطقة ان هذا الحدث قد اربك الحسابات الاسرائيلية الى حد كبير. والسبب يعود الى انه ولغاية الان عمد الكيان الصهيوني بالتعدي على السيادة والاجواء السورية وقصف مواقع في الداخل السوري دون ان يدفع اثمانا باهظة نتيجة عدوانه. أما الان ومع سقوط طائرة ف-16 من قبل منظومة الدفاعات الجوية السورية الى جانب اسقاط معظم الصواريخ (75%) التي اطلقت مستهدفة مراكز عسكرية فإن الكيان الصهيوني بدأ يدرك أنه من الان فصاعدا إن ثمن اعتداءاته سيكلفه كثيرا على الجانب العسكري لانه لم يعد يتحرك بأريحية في الاجواء السورية أوحتى من خارجها كما كان في السابق.

كما ان هذا الحدث يشير بشكل واضح ان منظومات الدفاعات الجوية والرادارات السورية بدأت تتعافى من الدمار الذي لحق بها. هذا الى جانب ان الحدث اوضح ان سوريا تمتلك الصواريخ القادرة على اسقاط طائرات ف-16 التي تعتبر درة السلاح الجوي الاسرائيلي. ولقد حاولت القيادة السياسية في الكيان الصهيوني الادعاء بأن الصاروخ الذي اسقط الطائرة هو من مجموعة صواريخ جديدة سلمتها روسيا لسوريا، ليتضح لاحقا اكذوبة هذه المقولة لان اسقاط الطائرة تم بصاروخ سام 5 . ولم تستخدم سوريا منظومة الصواريخ الروسية س-300 التي استلمتها سوريا من روسيا بعد مماطلات وتردد من قبل الجانب الروسي.

وربما ما يقلق الكيان أكثر من ذلك هو ان هنالك قرار استراتيجي قد إتخذ من قبل راس هرم السلطة في سوريا ومحور المقاومة بالرد الفوري والمباشر على اي اعتداء دون الرجوع الى القيادة العليا لاتخاذ هكذا قرار. وقد كان الكيان الصهيوني ولوقت مضى يرى في روسيا وبوتين الضامن له بعدم الرد العنيف السوري عند ضرب المواقع السورية من خارج الحدود السورية. وياتي هذا الرد ليدلل على خطأ الرهان على روسيا في ضبط ردة الفعل السوري أو قراراتها عندما تتعلق بالسيادة على أراضيها وحفظ أمنها. ولا شك ان الهزائم التي تلقتها المجموعات الارهابية على الاراضي السورية واستعادة عافية منظومات الدفاعات الجوية والصواريخ والرادارات  أتاح للجيش العربي السوري الهامش المطلوب للتصدي بثقة عالية للاعتداءات الاسرائيلية وهذا بالتاكيد سيغير وبشكل استراتيجي قواعد اللعبة والاشتباك في الميدان. ومما يزيد الخوف الاسرائيلي التهديد الروسي المبطن للكيان الصهيوني بعدم استهداف المناطق التي يتواجد فيها قوات روسية او خبراء روس وهذا ما يزيد العبء على القيادة السياسية والعسكرية عند إتخاذ اي قرار بالعدوان.

لا شك ان العدو الصهيوني سيحاول رد الاعتبار لمؤسسته العسكرية ولا شك ان الرعونة التي يتمتع بها نتنياهو ربما ستدفعه للضغط على هذه المؤسسة ان تقوم بعمل ليثبت ان هذا الكيان الغاصب سيفعل ما يراه مناسبا لـ “حمايته والحفاظ على أمنه” كما درجة العادة عند كل اعتداء على سوريا أو لبنان. ولكن لا شك ان محور المقاومة وعلى جميع الجبهات متحضر لاية حماقات قد ترتكب من قبل هذا الكيان، الذي يرى البعض انه كان يحضر الى عدوان شامل على قطاع غزة أو حربا “محدودة” على لبنان.

في الختام نؤد ان نقول مخطىء من ينظر الى اسقاط طائرة ف-16 كحادث منفصل عن مجريات الاحداث في المنطقة التي تؤكد جهوزية محور المقاومة ليس فقط بالتصدي للاعتدءات الاسرائيلية بل هي مؤشر الى بداية مرحلة جديدة بالانتقال من الدفاع الى الهجوم وعلى ان هنالك قرار استراتيجي قد اتخذ في هذا المضمار والتحضيرات لهذه المرحلة قد بدأت فعلا وخاصة مع التراجع والهزائم التي تتلقاها المجموعات الارهابية على الساحة السورية وهذا ما يقلق العدو الصهيوني.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *