لماذا تكاثرت ذرية “ابي رغال” على ضفاف الزمن النفطي ؟ / فهد الريماوي

نتيجة بحث الصور عن فهد الريماوي

فهد الريماوي* ( الأردن ) الخميس 7/12/2017 م …

*رئيس تحرير جريدة “المجد” الاردنية

من قوانين الطبيعة ان الفعل يستدعي رد الفعل، وان تأزم الحال يستدعي تأزم المقال، وان تطرف التفكير يستدعي تطرف التعبير، وان عنف السلطة السياسية يستدعي عنف الجملة الصحفية والاعلامية، وان خروج الحكام على الفريضة الوطنية والقومية يستدعي خروج الكتاب على فريضة الحياد المهني والتناول الموضوعي المهذب.

كيف يمكن لكاتب يحترم نفسه، ويعتز بوطنيته، ويتعلق بعروبته، ويتعشق وحدة امته، ويتشوق لتحرير فلسطين، ان يغض الطرف، ويقف موقف المتفرج، ويرفع راية الحياد وعدم الانحياز.. وهو يرى بام العين ويسمع صباح مساء، كيف شاعت الخيانة في ديار العرب، وانتشرت انتشار النار في الهشيم، واسفرت عن وجهها علناً وعبرت عن ذاتها بالصوت والصورة، حيث لم تعد – في نظر اصحابها – عيباً، ولا عاراً، ولا مدعاة للخجل، ولا شذوذاً عن القاعدة، او خروجاً على الحق العام.

نعم، لقد تفشت فيروسات الخيانة في القوام العربي حتى زكمت الانوف، واغشت الابصار، وضىاعفت المواجع والفواجع، ولوثت الحواس الخمس، وخلخلت الثوابت والمواقف الموروثة، وتفوقت على ما قبلها من مفردات الفحشاء والمنكر والجاسوسية.

هذا الاوان تفعّلت جينات الخونة في التاريخ العربي، وتكاثر احفاد ابي رغال وابن العلقمي والوزير شاور والمعلم يعقوب، حيث اعادوا للخيانة دورها الفادح وحضورها الوسخ، واستدعوها من مزابل التاريخ ليستقووا على شرفاء امتهم بيهود خيبر وسلاجقة الاناضول وفرنجة اوروبا وامريكا، وليوزعوا الفتن المذهبية والحروب الاهلية والنعرات الانقسامية ذات اليمين وذات الشمال في عموم الوطن العربي، ولينوبوا عن العدو الصهيوني في شن حرب صليبية على سلاح المقاومة الفلسطينية واللبنانية، واعتباره رجساً ونحساً من عمل الشيطان وايران.. تاركين لفلسطين السليبة ان تندب حظها، وتكابد غربتها، وتقلع شوكها بيدها وحدها، وتنادي على بني قومها وما من مجيب.

لم تعد كل علامات التعجب والاستفهام الاستنكاري تكفي لملاحقة الواقع العربي الراهن، ومتابعة تقلباته ومفاجآته، وتعقب حركاته وسكناته.. فالغرائب متواترة، والنقائض متجاورة، والاضداد متداخلة، والمفارقات بلا حساب، والاسئلة بلا جواب، والساعات بلا عقارب، والاعوام بلا ايام، والحواسيب بلا ارقام، والوجوه بلا ملامح ولا قسمات ولا علامات فارقة.

انظروا كيف يختلط الحابل بالنابل، ويلتحم الصيف بالشتاء، وتتجاور البطولة مع النذالة، والانفة مع العمالة، والمعرفة مع الجهالة.. ففيما يتعملق الرئيس اللبناني وهو يدافع عن سلاح حزب الله، ويفك اسر سعد الحريري، يستخذي الرئيس الفلسطيني وهو يطالب بنزع سلاح حركة حماس، ويستأنف التنسيق الامني مع المحتل الاسرائيلي.. وفيما يستأسد النائب الكويتي مرزوق الغانم على وفد الكنيست الصهيوني، ويطرده من مؤتمر البرلمانات الدولي في بطرسبورغ، يتفانى الجنرال السعودي انور عشقي في عشق بني صهيون، ويحج سنوياً ليس الى مكة بل الى تل ابيب، ويسير مغمض العينين وفاقد الضمير خلف سيده الموسادي دوري غولد.

انظروا كيف تحولت الدولة، على ايدي صبيان الخليج، الى مصيدة، والثروة الى مفسدة، والحكم الى مهزلة، والسلطة الى ولدنة، والسياسة الى نخاسة وفهلوة والعاب بهلوانية من شأنها غسل الماء، وصبغ الهواء، وطحن الضياء، وحجب الشمس بغربال، واقتراف ما لا يخطر على البال من مكائد ودسائس ومؤامرات وخيانات مثيرة للسخط والقرف حد الغثيان.

لا ندري ما هو مفهوم الخيانة ومعناها ومحتواها، اذا لم تكن متمثلة في هذه الدعوات والمجهودات الخليجية المحمومة لنزع سلاح حزب الله الذي اذل اسرائيل مرتين، ودفن كتائب القسام وسرايا القدس في رمال غزة، وتبديد قوة الجيش العربي السوري في فتنة مدفوعة الثمن من اموال الاعراب، وانهاك مصر امنياً وعسكرياً واقتصادياً ومائياً لاشغالها عن النهوض بدورها القومي التاريخي في قيادة الامة العربية.

ولا ندري ما هو معنى الانبطاح والزعرنة والزندقة والاستهتار والاغترار، اذا لم يكن متجسداً في احتجاز رئيس حكومة دولة شقيقة، وارغامه على الاستقالة عبر الفضائيات، وحمله على البقاء في حالة انكار لما جرى له تحت طائلة التهديد بالانتقام منه ومن اسرته.. واذا لم يكن متحققاً في لجوء مشيخة قبلية لمنع رئيس وزراء ومرشح رئاسي آخر كان يحل ضيفاً عليها، من العودة الى بلده، حتى اذا ما جأر بالشكوى وجهر بالحق، تم اعتقاله بوقاحة، وترحيله بجلافة كما لو انه من عتاة المجرمين.

مؤسف ان لا يأتي امتنا من خليجها النفطي الثري، الا المصائب والغرائب والاعاجيب.. فالدول اقطاعيات، والانظمة سلالات، والفساد بالمليارات، والثقافة ريعية ورجعية، اما الاعلام فهو شيطان فاجر مكرس منذ نصف قرن لاستئصال الوعي الوطني والقومي، وهو ابليس عاهر لا يتوخى تغيير وتزوير المبادئ والافكار والقناعات الشعبية العربية فحسب، بل مسخ العقول وتدويخ الاذهان التي تنتج هذه الافكار ايضاً وبالدرجة الاساس.

يحار المرء حد الانقهار، ويطرح بحروف العلة الف سؤال، ويكاد يذرف دموع الاسى على لهيب الغضب، وهو يقرأ رسالة الملك فيصل بن عبد العزيز الى الرئيس الامريكي لندون جونسون عام١٩٦٧ التي يناشده فيها تحريض اسرائيل على هزيمة جمال عبدالناصر، واحتلال سيناء والضفة وغزة والجولان، فضلاً عن دعم واسناد المنشق الكردي مصطفى البرزاني لفصل كردستان عن العراق.. فهل فعل ابو رغال وابن العلقمي اكثر من هذا ؟؟

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التحقق البشري *